مقالات وآراء

لماذا أثارت السنوات الأخيرة المجهولة لعلي عبد اللطيف كل هذا الاهتمام؟

د. وجدي كامل

أثار المقال الذي نشرته عن السنوات الأخيرة المجهولة لعلي عبد اللطيف اهتمامًا واسعًا، فاق ما كنت أتوقعه. ولم يكن ذلك، في تقديري، بسبب ما تضمنه من معلومات جديدة بقدر ما كان بسبب الأسئلة التي طرحها.
فقد بدا واضحًا أن القضية لم تعد تتعلق بمصير قائد ثورة 1924 وحده، وإنما بعلاقتنا نحن السودانيين بتاريخنا، وبمدى ثقتنا في الروايات التي شكّلت وعينا الوطني، وما زالت تشكّله.
وما لفت انتباهي أن معظم التعليقات لم تناقش التفاصيل الطبية أو القانونية المتعلقة بإقامة علي عبد اللطيف في مستشفى العباسية، وإنما انصبت على تساؤل أكثر عمقًا: كيف يمكن أن تغيب إحدى عشرة سنة من حياة أحد أبرز قادة الحركة الوطنية عن البحث الجاد؟ وكيف قبلنا، طوال هذه العقود، أن تبقى هذه الصفحة مطوية دون أن نسأل عنها؟
فالأعوام الممتدة بين 1936 و1948 تُعد من أكثر الفترات أهمية في التاريخ السياسي الحديث للسودان.
فالعام 1936 لم يكن مجرد تاريخ نقل علي عبد اللطيف إلى مصر، بل شهد ترحيله من واو إلى سجن كوبر ومنه بعد نحو اثني عشر عامًا من الاعتقال، ثم إيداعه مستشفى العباسية بالقاهرة، في سياق ارتبط أيضًا بتوقيع المعاهدة المصرية البريطانية وصعود حكومة الوفد في مصر.
وفي تلك السنوات تعاقبت أحداث أساسية شكّلت ملامح السودان الحديث؛ ففي عام 1938 انعقد مؤتمر الخريجين، وهو أبرز تطور سياسي بعد ثورة 1924، معلنًا انتقال قيادة العمل الوطني إلى نخبة جديدة.
وفي عام 1942 قُدمت مذكرة مؤتمر الخريجين الشهيرة للمطالبة بإصلاحات سياسية.
وبين عامي 1943 و1944 انقسم المؤتمر إلى تيارين، استقلالي واتحادي، وهو الانقسام الذي مهد لقيام الحياة الحزبية الحديثة.
وفي عام 1945 تأسس حزب الأمة بقيادة عبد الرحمن المهدي، ثم برز التيار الاتحادي بصورة أوضح، وظهرت تنظيمات مثل الأشقاء بقيادة إسماعيل الأزهري.
كما شهدت الفترة بين 1946 و1948 تأسيس الحركة السودانية للتحرر الوطني «حستو»، التي أصبحت لاحقًا الحزب الشيوعي السوداني.
أما الحزب الوطني الاتحادي فقد تأسس رسميًا عام 1952 نتيجة اندماج القوى الاتحادية.
في جملة واحدة، يمكن القول إن المشهد السياسي السوداني الذي عرفناه لاحقًا تكوَّن بالكامل تقريبًا بينما كان قائد ثورة 1924 غائبًا عن المجال العام.
وهذه ليست مجرد مصادفة زمنية، بل تثير سؤالًا تاريخيًا بالغ الأهمية: هل أدى غياب علي عبد اللطيف القسري إلى انتقال قيادة الحركة الوطنية إلى نخبة جديدة حملت معها تصورات مختلفة عن الوطنية والتنظيم والشرعية وهوية الدولة؟
بل إن السؤال الأكثر حساسية هو: هل أدى غيابه إلى انقطاع الاستمرارية التاريخية لمشروع ثورة 1924؟ وإذا لم يكن السبب الوحيد، فهل كان أحد الأسباب الرئيسة؟
ونخلص من ذلك إلى أن النخبة التي قادت السودان إلى الاستقلال تشكلت في غياب علي عبد اللطيف، وهو ما يثير سؤالين مترابطين: هل كان شكل الحركة الوطنية سيختلف لو كان حاضرًا؟ ومن الذي ورث المشروع السياسي لثورة 1924؟ هل كان مؤتمر الخريجين؟ أم الحركة الاتحادية؟ أم حزب الأمة؟ أم «حستو» والحزب الشيوعي؟ أم أن الثورة لم تجد وريثًا حقيقيًا؟
وأكثر ما يثير القلق هو احتمال أن الأحزاب التي برزت بعد عام 1938 لم تجعل علي عبد اللطيف جزءًا أساسيًا من مرجعيتها الفكرية.
فإذا صح ذلك، فهل شهد السودان انقطاعًا في ذاكرته السياسية؟ أي أنه لم يرث فقط الدولة الاستعمارية، بل ورث أيضًا سردية جديدة للحركة الوطنية.
لماذا تفاعل السودانيون مع هذه الأسئلة الآن؟
هنا نلامس قضية أكبر من سيرة رجل، هي أزمة الثقة في الرواية التاريخية السائدة.
فلأعوام طويلة تلقى السودانيون تاريخهم الوطني من خلال روايات مدرسية ورسمية وحزبية ركزت على محطات بعينها، وشخصيات بعينها، وتفسيرات بعينها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تلك الروايات كانت زائفة، لكنها كانت في كثير من الأحيان انتقائية، تُبرز جانبًا من الصورة وتترك جوانب أخرى في الظل.
ومع مرور الزمن، تراكم لدى كثيرين شعور بأن هناك صفحات لم تُقرأ بعد، وأسماء لم تُنصف، ووثائق لم تُفتح، وأسئلة لم يُتح لها أن تُطرح.
والحروب لا تدمر المدن وحدها، بل تهز أيضًا اليقينيات التي عاش عليها الناس طويلًا.
وفي لحظات الانهيار الكبرى، لا يكتفي الناس بالسؤال عن المستقبل، بل يعودون إلى الماضي بحثًا عن تفسير لما وصلوا إليه.
وهكذا تتحول مراجعة التاريخ من ترف فكري إلى حاجة وطنية.
ومن بين الأسئلة التي أعادتها الحرب إلى السطح سؤال الهوية السودانية نفسها.
لقد كان علي عبد اللطيف، منذ عشرينيات القرن الماضي، أحد أوائل من واجهوا بصورة مباشرة التناقضات الكامنة في تعريف الوطنية السودانية.
ولم يكن الهجوم عليه سياسيًا فحسب، بل حمل في بعض جوانبه أبعادًا اجتماعية وعرقية، حين سعى بعض خصومه إلى النيل من شرعيته عبر الطعن في أصوله ووصفه، هو وبعض رفاقه، بأوصاف مثل «المنبتين».
ولم يكن ذلك مجرد خلاف شخصي، بل تعبيرًا عن صراع مبكر حول سؤال ظل يرافق السودان حتى اليوم: من يملك حق تمثيل الوطن؟
وليس المقصود هنا الادعاء بأن ظروف عام 1924 هي نفسها ظروف الحرب الراهنة، فلكل مرحلة سياقها المختلف.
لكن الحرب الحالية كشفت أن أسئلة الهوية والانتماء والتمييز وتعريف «من هو السوداني» لم تختفِ من المجال العام، بل ظلت كامنة وتعود إلى الظهور كلما دخلت البلاد أزمة كبرى.
وهذا ما يدفع إلى إعادة قراءة تاريخ تلك المرحلة، لا باعتبارها فصلًا من الماضي، بل باعتبارها جزءًا من تاريخ تشكل الثقافة السياسية السودانية.
لهذا أعتقد أن الاهتمام بالمقال لم يكن سببه الغموض الذي أحاط بسنوات علي عبد اللطيف الأخيرة فحسب، وإنما لأنه أعاد طرح سؤال أكثر إلحاحًا: هل نعرف تاريخنا كما وقع، أم كما رُوي لنا؟
إن هذا السؤال لا يطعن في جهود المؤرخين الذين كتبوا عن السودان، ولا ينتقص من قيمة ما أُنجز من دراسات جادة، وإنما يدعو إلى الاعتراف بأن التاريخ معرفة تتجدد كلما ظهرت وثائق جديدة، أو طُرحت أسئلة جديدة، أو أُعيدت قراءة المصادر القديمة بمنهج مختلف.
فالمراجعة ليست هدمًا للتاريخ، بل هي إحدى وسائل صيانته.
ولذلك فإن البحث عن ملف علي عبد اللطيف في مستشفى العباسية، أو عن المراسلات المتعلقة بسنواته الأخيرة، ليس مجرد محاولة لإكمال سيرة رجل، بل هو اختبار لقدرتنا على إعادة فتح الملفات التي ظننا أنها أُغلقت إلى الأبد.
لقد كشفت ردود الفعل على المقال أن السودانيين لا يبحثون عن معلومة مفقودة فحسب، بل عن تاريخ يشعرون أنه يمثلهم جميعًا، ويُكتب بوثائقه لا بانتقائيته، وبأسئلته المفتوحة لا بإجاباته الجاهزة.
وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي كشفه ذلك التفاعل: إن المجتمعات لا تتقدم لأنها تمتلك تاريخًا مكتملًا، بل لأنها تمتلك الشجاعة لمراجعته كلما دعتها الوثائق إلى ذلك، وكلما طرحت الأجيال الجديدة أسئلة لم يجرؤ السابقون على طرحها.

‫3 تعليقات

  1. نعم يا دكتور أنت لخصت الموضوع بقولك أن السودانيين لا يبحثون عن معلومة مفقودة فحسب، بل عن تاريخ يشعرون أنه يمثلهم جميعًا، ويُكتب بوثائقه لا بانتقائيته، وبأسئلته المفتوحة لا بإجاباته الجاهزة.
    تحليل عميق ومقال يدعو إلى إعادة قراءة تاريخ الحركة الوطنية السودانية برؤية نقدية جرئية. شكرا د. وجدي

  2. نعم يا دكتور أنت لخصت الموضوع بقولك أن السودانيين لا يبحثون عن معلومة مفقودة فحسب، بل عن تاريخ يشعرون أنه يمثلهم جميعًا، ويُكتب بوثائقه لا بانتقائيته، وبأسئلته المفتوحة لا بإجاباته الجاهزة.
    تحليل عميق ومقال يدعو إلى إعادة قراءة تاريخ الحركة الوطنية السودانية برؤية نقدية جرئية. شكرا د. وجدي

  3. إن كنا معنيين بمراجعة التاريخ يا دكتور وجدي كامل لإستخلاص العبر، فمن باب أولي مراجعة ثورة 1924م وبطلها علي عبداللطيف وتصنفيها علي إنها ثورة تخص مصر والوحدة معها اكثر من ما تخص السودان وشعبه وقضايا تحرره بدلا عن مجاراتك بين السهراية والضل هذه ومخاتلة القراء وتصوير ثورة علي عبداللطيف وكأنها ثورة وطنية سودانية وانت تعلم انها لم تكن كذلك.
    قراءت لك مقالين في ذات الموضوع ولم تفلح حتي اليوم بإقناعنا ان علي علي عبداللطيف ثار علي الإستعمار، لأنك تمسك العصا من منتصفها وتريد إفهامنا ان الإستعمار هنا هو الإستعمار الإنجليزي، اما دور مصر فهو دور الشقيقة التي يجب التوحد معها رغما عن انها كانت الشريك الثاني للإنجليز في إتفاقية الحكم الثنائي التي كانت تحكم السودان وقتها. وقد لا أبالغ ان قلت ان نظرتك لدور مصر في السودان لا تختلف في شيء عن نظرة علي عبداللطيف وبقية المنبتين الذين لا يرون في مصر عدوا ولا مستعمرا علي الرقم من انها جاءت غازية للسودان قبل هذا التاريخ مع الاتراك منذ العام 1821م.
    عودا علي سيرة علي عبداللطيف،تمنيت ان تمتلك الجرأة لتحدث قرائك بأن ثورة 1924م كانت تنادي بوحدة وادي النيل وان علي عبداللطيف يتحدر من اب يعمل جنديا في الاورطة المصرية الثالثة عشر وهو نفسه اي علي عبداللطيف تخرج من المدرسة الحربية المصرية وكان علي علاقات قوية بالمصريين وبالاخص رئيس الحزب الوطني في مصر وقتها حامد رمضان الرأس المدبر لما يعرف بثورة 1924 والذي جاء بنفسه للسودان ورتب امرها مع علي عبداللطيف.
    وجميع الشواهد التي ذكرت تثبت ان علي عبداللطيف منبت قبليا وانقطعت صلته بالسودان منذ امد وهو مثله مثل ابيه جندي في الجيش المصري وثورته لم تكن فقط الا علي الانجليز دونا عن المصريين الذين يدين لهم بالولاء الكامل ولم يكن يهمه من امر الشعب السوداني شيء! انظر إجابته للمحكمه التي شكلت لتفهم ان الرجل لا علاقة له بالسودان ولا قضاياه كما يحاول دكتور كامل وجدي وامثاله من مصريي الهوي إفهامنا! (رداً على سؤال حول أغراض الجمعية وفيما إذا كانت تعمل لبحث مظالم الأهالي، أجاب عبد اللطيف قائلاَ: «ليس من أغراض الجمعية أن تبحث في مظالم الأهالي بل كنّا معارضين للتغيير المطلوب أي أن يكون الإنجليز مطلقي التصرف بالسودان دون المصريين. وقد صرح البرلمان المصري بأن السودان جزء من مصر لا يتجزأ)..
    التاريخ الإنتقائي والمكذوب الذي يهتم بتمجيد مصر وعملائها من السودانيين ويدغدغ مشاعر البسطاء بترهات وحدة وادي النيل والتاريخ والمصير المشترك، تجاوزه الناس والزمن ولم تعد مثل هذه الاكاذيب تنطلي حتي علي أطفال السودان الذين باتوا يعون تماما ان مصر هي دولة استعمارية طامعة في موارد السودان وخيراته وجوار شر وجب الاحتراس منها ومن مشروعاتها كما يجب التصدي لأمثال دكتور وجدي كامل صاحب الاسم بالغ الدلالة والارتباط بهذا الموضوع، لأن امثاله هم ادوات تزوير التاريخ وتمجيد الغزاة والحط من قدر الوطنيين والمناضلين إرضاء لمصر، بحسن نية اذا احسنا الظن في الدكتور او بسؤها في حالة عدمه.
    أتفق مع دكتور وجدي في ضرورة البحث عن بقية تاريخ علي عبداللطيف المفقود وضرورة توثيقه لأخذ العبر واختلف معه تماما في زاوية نظره لمحاربة شيوخ الادارة الاهلية لأفندية كلية غردون وقتها، والسبب ان جل خريجي كلية غردون وقتها يدينون بالولاء لمصر بصورة او اخري من الشيوعيين يسارا وحتي الاشقاء يمينا وينادون جهارا بوحدة وادي النيل وضم السودان لمصر ويناصرهم تيار الجيش المنبت قبليا و الذي تتحكم فيه مصر و يقوده امثال علي عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ وبقية المنبتين ولم تنقطع صلة قيادته بمصر قط حتي تاريخ اليوم! نحمد لزعماء الطوائف والعشائر والطرق وقفتهم القوية في وجه مصر وادوتها في السودان ورفضهم فكرة وادي النيل والاندماج مع مصر ومحاربتها ولولا جهودهم هذه لكنا اليوم جزءا من القطر المصري!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..