
ليس من الإنصاف أن يُستقبل ديوان «جسد… وقصائد أُخر» بوصفه كتابًا صدر بعد رحيل صاحبه، فمثل هذا الوصف يحصر التجربة في إطار الفقد، بينما تمنحنا القصائد ما هو أبقى من الغياب. إننا لا نقرأ هنا سيرة شاعر انتهت، بل نصوصًا بدأت حياتها الحقيقية يوم خرجت إلى القراء. فالشعر لا يقاس بعدد الدواوين التي ينشرها صاحبه، ولا بعدد الأمسيات التي يحييها، وإنما بقدرته على أن يبقى حيًا في اللغة بعد أن يغيب الجسد.
لهذا، لا تبدو الكتابة عن عادل عبد الرحمن عملًا من أعمال الوفاء بقدر ما تبدو محاولة لإنصاف تجربة شعرية اختارت أن تنمو بعيدًا عن الأضواء، وأن تكتفي بصوتها الداخلي. وهي تجربة تنتمي إلى قصيدة النثر العربية الحديثة، لكنها لا تستعير لغتها من أحد، ولا تتكئ على ضجيج الحداثة، بل تبني عالمها من الإنسان، ومن تفاصيل الحياة، ومن الأسئلة التي لا تكف عن ملاحقة هذا العالم.
عند القراءة الأولى، قد يظن القارئ أن هذه القصائد تتوزع بين الحرب، والحب، والمرأة، والوطن، والمدينة، والجسد، والموت. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن هذه ليست موضوعات متفرقة، وإنما وجوه متعددة لسؤال واحد ظل يرافق الشاعر: كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بإنسانيته في عالم يتقن صناعة الخراب؟
من هنا، فإن الجسد في شعره ليس استعارة للوطن كما درجت عليه تقاليد كثيرة في الشعر العربي، ولا المرأة رمزًا جاهزًا لفكرة أخرى، ولا الوطن شعارًا خطابيًا. كل شيء يعود إلى أصله الإنساني. الجسد جسد، لأنه موضع الحب والألم والذاكرة، والمرأة حضور يعيد للعالم توازنه، والوطن مكان يُقاس بما يتيحه للإنسان من كرامة، لا بما يرفعه من شعارات.
وحين يكتب عن الوطن ، لا يكتبه باعتباره حدودًا جغرافية أو خطابًا سياسيًا، بل باعتباره مرآة لمحنة الإنسان. لذلك لا يبدو غريبًا أن تنتقل القصيدة من ود مدني إلى هيروشيما، ومن الخرطوم بحري إلى أمريكا، ومن نهرٍ سوداني إلى أسئلة الكون. فالجغرافيا عنده نقطة انطلاق، لا نقطة وصول، ولهذا اكتسبت قصيدته طابعًا إنسانيًا يتجاوز المكان الذي وُلدت فيه.
في واحدة من أجمل قصائده يقول:
«هذه مائدتي… والدعوة غير عامة.»
وللوهلة الأولى يبدو أنه يقيم وليمة خاصة، لكنه سرعان ما يدعو فقراء الأرض إلى مشاركته حلمًا لا طعامًا، ويقترح عليهم أن يتقاسموا الشقاء قبل أن يتقاسموا الخبز، وأن يهدموا جدار المذلة ليبنوا العالم الذي يحلمون به. هنا لا يكتب الشاعر بيانًا سياسيًا، بل يصوغ يوتوبيا شعرية، يكون فيها المستقبل فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون زمنًا آتيًا. ولذلك يختم القصيدة بقوله:
«اسمي المستقبل.»
إنه لا ينتظر المستقبل، بل يتماهى معه، ويجعله هويةً لا موعدًا.
وفي قصيدة أخرى يخاطب العالم كله، لا من موقع الحكيم، ولا من موقع الضحية، وإنما من موقع الإنسان الذي ما زال يؤمن بالماء، وبالعرق فوق الجباه النزيهة، وبالنساء، وبالأرض، رغم يقينه بأن الموت يسير إلى جواره. إنه شاعر يعرف الخراب، لكنه يرفض أن يمنحه الكلمة الأخيرة.
ومن هنا تكتسب قصيدة النثر عند عادل عبد الرحمن خصوصيتها. فهي لا تقوم على الغموض المتعمد، ولا على الاستعراض الثقافي، وإنما على بناء مشهد شعري تتجاور فيه الصورة اليومية مع الرؤية الفلسفية، والسخرية مع الألم، والحميمي مع الكوني. وقد يذكّر أفقها العام ببعض منجزات الحداثة العربية، لكن صوتها يظل محتفظًا بفرادته، لأنه يصدر من تجربة سودانية خالصة، ومن حساسية إنسانية لا تبحث عن الإدهاش بقدر ما تبحث عن الصدق.
يتبع




كوكبة النيازك التي سمّت واضاءت …و لا تزال منارات في عتمة الكتاحة السودانية الزمنة …
– بشري الفاضل
– محمد محمود الشيخ
– محمد محي الدين عبد القادر
– محمد نجيب محمد علي
– صلاح حاج سعيد البدوي
– عادل عبد الرحمن
يرحمه الله … كان يحيا في حالة شعرية … وبين الشعراء … لكنه لم يكن شاعر