مقالات وآراء

هل الزكاة والصدقة لفظان لمعنى واحد؟

عبدالمنعم على التوم

منذ قرون طويلة استقر في أذهان كثير من المسلمين أن الزكاة والصدقة لفظان لمعنى واحد، وأن الاختلاف بينهما لا يتجاوز كون الزكاة مفروضة والصدقة تطوعًا. غير أن المتدبر لكتاب الله يجد نفسه أمام تساؤلات مشروعة تستحق البحث والتأمل، بعيدًا عن التسليم بما ورثناه، وبعيدًا كذلك عن رفض جهود السابقين.
فالقرآن الكريم لم يمنع المؤمنين من الاجتهاد، بل دعاهم إلى التدبر، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وجعل العقل وسيلة لفهم آياته في كل زمان ومكان. ومن هنا فإن إعادة النظر في دلالات الألفاظ القرآنية ليست خروجًا على الدين، وإنما هي استجابة لأمر الله بالتفكر.
إن احترام العلماء السابقين واجب، لكنهم اجتهدوا بما توفر لهم من أدوات المعرفة في عصورهم، واجتهاد البشر يظل قابلًا للصواب والخطأ، أما القرآن فهو النص المعصوم الذي لا تنقضي عجائبه.
وأثناء تتبع آيات القرآن يبرز سؤال مهم:
هل الزكاة هي الصدقة فعلًا، أم أن القرآن يفرق بينهما؟
أول ما يلفت الانتباه أن لفظ الزكاة ورد في القرآن خمسًا وعشرين مرة، بينما ورد لفظ الصدقة ومشتقاته مجردًا أربع عشرة مرة، ولو كان اللفظان مترادفين تمامًا، فلماذا حافظ القرآن على استعمال كل لفظ في سياقات مختلفة؟
ومن الملاحظ كذلك أن جميع المواضع التي ورد فيها لفظ الزكاة جاءت مسبوقة بفعل يدل على الإيتاء أو الفعل، مثل قوله تعالى:
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.
ولم يرد في القرآن – فيما يظهر من هذا التتبع – تعبير يفيد أخذ الزكاة، بينما جاء الأخذ مرتبطًا بالصدقة في قوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾.
وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كان القرآن يفرق بين فعل الإيتاء عند الزكاة، وفعل الأخذ عند الصدقة، فهل أراد أن يلفت الأنظار إلى اختلاف في الدلالة والوظيفة؟
ومن الملاحظ أيضًا أن الزكاة اقترنت بالصلاة في معظم مواضع القرآن، حتى تكاد تشكل معها ثنائية متلازمة، بينما لم ترتبط الصدقة بالصلاة في هذا السياق.
وهذا يدعو إلى التساؤل: هل أراد القرآن أن يبين أن الزكاة عبادة ذات منزلة خاصة، قرنها بالصلاة في عشرات المواضع، بينما الصدقة باب آخر من أبواب الإحسان والإنفاق؟
ويؤيد هذا المعنى حديث النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس…»، حيث قال: «وإيتاء الزكاة»، فجاء التعبير بالإيتاء، وهو اللفظ نفسه الذي تكرر في القرآن.
أما من الناحية اللغوية، فإن الزكاة تدور حول معاني النماء والطهارة والزيادة والصلاح والبركة. فالمال يزكو إذا نما، والنفس تزكو إذا طهرت، والعمل يزكو إذا صلح.
وفي المقابل، فإن الصدقة مشتقة من مادة الصدق، فهي دليل على صدق الإيمان والإخلاص، ولذلك ارتبطت بالعطاء الخالص لوجه الله دون انتظار مقابل.
ومن الآيات التي تستحق وقفة طويلة قوله تعالى:
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ… وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ…﴾ [البقرة: 177].
فالآية فرقت بين إيتاء المال للمحتاجين، وبين إيتاء الزكاة، ثم ختمت بقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾، وهو ترتيب قرآني يدعو إلى مزيد من التأمل في العلاقة بين هذه المفاهيم.
ومن القضايا التي تستحق البحث أيضًا ما يتكرر في نهاية شهر رمضان، حين يردد الخطباء قولهم: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة.»
وهنا يثور سؤال مشروع: إذا كانت الزكاة والصدقة شيئًا واحدًا، فلماذا تغير الوصف بتغير الزمن؟ وهل يكفي اختلاف وقت الأداء لتحول العبادة من زكاة إلى صدقة، أم أن وراء الألفاظ القرآنية والنبوية دلالات أعمق تحتاج إلى مزيد من التدبر؟
والسؤال الاهم الذى يتبادر للذهن هل الزكاة مصدر لموارد الدولة ؟!، أم عبادة خالصة لوجه الله كالصلاة والصوم و الحج ـ ليس قضاءا دنيويا ولا نزاع بين شخص و آخر أو صراع بين الشخص و الدولة ؟ أم إنها دين ؟! يقصد بها دعم فقراء الاسر من ذوى القربى ؟!ِ (يحاسب الله فاعلها أو تاركها تعزيرا )
إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى مصادمة أحد، ولا إلى هدم ما استقر عليه الفقه، وإنما تهدف إلى إعادة فتح باب التدبر في كتاب الله، فالقرآن هو المرجع الأول، وهو الذي يدعونا دائمًا إلى النظر والتفكر وعدم الاكتفاء بالتقليد.
ولعل أعظم ما نخرج به من هذا البحث هو أن القرآن لا يختار ألفاظه اعتباطًا، وأن اختلاف اللفظ قد يكون وراءه اختلاف في المعنى أو الوظيفة أو المقصد. ومن هنا فإن التفريق بين الزكاة والصدقة يظل موضوعًا جديرًا بالدراسة الهادئة، والبحث المنصف، والاحتكام إلى كتاب الله قبل أي شيء آخر.
وفي الجزء القادم سنحاول تتبع جميع الآيات التي ورد فيها لفظ الصدقات، وخاصة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ…﴾، لنتساءل: لماذا قال القرآن الصدقات ولم يقل الزكوات؟ وهل يحمل هذا الاختيار القرآني دلالة تستحق مزيدًا من التدبر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..