مقالات وآراء

عادل عبد الرحمن… الشاعر الذي حمل العالم في قصيدة (2)

عبدالعزيز أبوعاقلة

إذا كان الجزء الأول قد حاول أن يجيب عن سؤال: ماذا كتب عادل عبد الرحمن؟ فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف كتب؟ فليست فرادة التجربة فيما تناولته من موضوعات، فالحرب والحب والوطن والمرأة موضوعات عرفها الشعر العربي منذ قرون، وإنما في الطريقة التي أعاد بها الشاعر اكتشافها، ونقلها من دائرة المعنى المألوف إلى أفق إنساني أكثر رحابة.
لا يدخل عادل عبد الرحمن إلى قصيدته بوصفه خطيبًا أو واعظًا أو صاحب رسالة جاهزة، بل يدخلها كإنسان يتساءل. ولذلك تبدو القصيدة عنده أقرب إلى رحلة في الوجود منها إلى بيان أدبي. إنه لا يمنح القارئ أجوبة، وإنما يضعه أمام أسئلة تتوالد من داخل اللغة نفسها. وربما لهذا السبب يشعر القارئ، وهو يتنقل بين نصوصه، أنه لا يقرأ أحداثًا بقدر ما يشارك في تجربة شعورية وفكرية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التجربة أن الأشياء الصغيرة لا تقل أهمية عن القضايا الكبرى. فالماء، والنافذة، والكرسي، والجريدة، والباب، والشارع، والمرأة، والطفل… ليست مجرد مفردات عابرة، بل مراكز إشعاع دلالي، تتحول داخل القصيدة إلى كائنات حية تشارك الإنسان قلقه وفرحه ووحدته. حين يقول: «آمنت بالماء» لا يكتب عن عنصر من عناصر الطبيعة، وإنما يعلن إيمانه بالحياة نفسها، ثم لا يلبث أن يواجه هذا الإيمان بقائمة طويلة من احتمالات الموت، ليجعل من القصيدة مساحة يتجاور فيها الرجاء واليأس، دون أن يلغي أحدهما الآخر.
ومن هنا تكتسب الصورة الشعرية عنده خصوصيتها. فهي لا تقوم على الزخرفة البلاغية، ولا على المجاز الذي يبحث عن الإدهاش لذاته، وإنما تنبع من قدرة نادرة على إعادة ترتيب العالم. ففي قصيدته «مرثية للعشرة أيام المقبلة» لا يرثي ما مضى، بل يرثي المستقبل، وكأن الزمن نفسه أصيب بعطب لم يعد يسمح بالتفريق بين ما كان وما سيكون. إنها رؤية تكشف شاعرًا لم يكن أسير اللحظة، بل كان يراقب التاريخ وهو يتشكل، ويرى في الحرب خرابًا للروح قبل أن تكون خرابًا للعمران.

وإذا كان كثير من شعراء الحداثة قد جعلوا الغموض قيمة في ذاته، فإن عادل عبد الرحمن يسلك طريقًا مختلفًا. فقصيدته ليست مغلقة، لكنها ليست مباشرة أيضًا. إنها قصيدة تستدعي قارئًا شريكًا، قارئًا يعيد تركيب الصور، ويملأ الفراغات، ويصغي إلى ما تقوله الكلمات، وإلى ما تختار الصمت حياله. ولذلك تبدو نصوصه قابلة للقراءة أكثر من مرة، لأن معناها لا يستنفد نفسه في القراءة الأولى.
ولعل هذا ما يفسر حضوره الكثيف للسخرية، لكنها ليست سخرية العابر أو المستهزئ، وإنما سخرية الإنسان الذي اكتشف التناقض العميق بين ما يعلنه العالم من شعارات وما يمارسه من قسوة. حين يسأل: «في البدء كان الناس أم المسخرة؟» فإنه لا يبحث عن إجابة تاريخية، بل يضع الحضارة كلها موضع مساءلة. فالسؤال هنا أداة شعرية وفلسفية في آن واحد، يكشف بها هشاشة المسلمات التي اعتدنا التسليم بها.

ومن يتأمل هذه النصوص يكتشف أن عادل عبد الرحمن لم يكن شاعر احتجاج بالمعنى التقليدي، ولم يكن شاعر عزلة أيضًا. لقد كان شاعر مقاومة من نوع آخر؛ مقاومة تبدأ بالدفاع عن اللغة من الابتذال، وعن الإنسان من التشيؤ، وعن الحلم من الانكسار. ولهذا لم تتحول قصائده إلى شعارات، ولم تتخل عن بعدها الإنساني حتى وهي تقترب من أكثر القضايا اشتعالًا.
إن قصيدة النثر عنده لم تكن خروجًا على الوزن فحسب، بل كانت خروجًا على طريقة قديمة في رؤية العالم. فقد منحها نفسًا سرديًا، وصورة بصرية، وإيقاعًا داخليًا يتولد من تكرار الفكرة والصورة، لا من تكرار البحر والقافية. وهكذا استطاع أن يجعل من قصيدة النثر فضاءً رحبًا، تتجاور فيه الفلسفة مع التفاصيل اليومية، والذاكرة مع المستقبل، والحب مع الخراب، دون أن يفقد النص وحدته أو توتره.
وربما لهذا كله لا تبدو تجربة عادل عبد الرحمن بحاجة إلى كثير من المديح، بقدر حاجتها إلى قراءة متأنية تعيدها إلى مكانها الطبيعي في سياق الشعر السوداني الحديث. فالتجارب الأصيلة لا تفرض نفسها بالصخب، وإنما بما تتركه في القارئ من أثر، وبما تفتحه من أسئلة تظل معلقة بعد انتهاء القصيدة. وهذا، في تقديري، هو الامتحان الحقيقي لأي شاعر يبقى بعد غياب جسده.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..