مقالات وآراء

لماذا لا يستحي الإسلامويون؟

خالد أبو أحمد

من كل الصفات التي توصف بها حركة سياسية أدارت السودان ستة وثلاثين عاماً ثم شهدت البلاد تحت إدارتها أسوأ ‏فصولها، تبقى صفة واحدة قلما يُلتفت إليها بجدية، وهي غياب الحياء لا أتحدث عن الحياء بمعناه الديني الضيق المحصور ‏في اللباس والمظهر، بل عن الحياء الأخلاقي والاجتماعي، ذلك الحاجز الداخلي الذي يمنع الإنسان من فعل ما يستحق ‏الخجل حتى لو لم يره أحد، والذي يجعل صاحب الفعل المشين ينكفئ بعده بدل أن يتقدم به إلى الواجهة من جديد وكأن شيئاً ‏لم يكن.‏
الحياء في التراث العربي والإسلامي أصل من أصول الدين ذاته، فقد ورد أن الحياء شعبة من شعب الإيمان، وأن من لا ‏حياء له فليصنع ما شاء، وهذه العبارة الأخيرة تختصر المشهد الذي نعيشه اليوم مع الإسلامويين السودانيين، فهم يصنعون ما ‏شاءوا لأنهم تجاوزوا منذ زمن طويل الحد الذي يوقفهم عنده الحياء.‏

انظر إلى المشهد بعين مجردة.. حركة حكمت السودان ستة وثلاثين عاماً، دمرت جيشه ومؤسساته أشعلت الحروب الأهلية، ‏شردت الملايين أفقرت الشعب حتى صار الرغيف حلماً، وأوصلت البلاد إلى حرب دموية هي الأبشع في تاريخه الحديث، ثم ‏بدل أن تنسحب من المشهد خجلاً مما اقترفت، أو تعتذر على الأقل اعتذاراً يليق بحجم الجريمة، تتحرك بكل نشاط لتجد ‏لنفسها مكاناً في الترتيبات السياسية القادمة، وكأن السودان الذي أحرقته بالأمس هو نفسه من يجب أن يفتح لها ذراعيه اليوم.‏

والأدهى أنهم لا يكتفون بمحاولة العودة من الباب الخلفي، بل يجتهدون بشتى الوسائل، يوظفون علاقاتهم القديمة، يستعينون ‏بوسطاء، ويلحون على جهات إقليمية ودولية كي تمارس ضغطها من أجل قبولهم ضمن الترتيبات الجديدة، متجاهلين أن ‏الشعب السوداني بجميع أطيافه من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، يرفض رفضاً قاطعاً وجودهم في أي معادلة ‏قادمة.‏

النقطة الجوهرية
هنا يجب أن نكون واضحين في نقطة جوهرية، فالخطأ السياسي شيء، والقصد شيء آخر تماماً. الإنسان يخطئ مرة أو ‏مرتين، ثم يتنبه ويراجع نفسه ويصحح مساره، هذه طبيعة البشر. أما من يكرر نفس الأداء ونفس النتائج الكارثية على مدى ‏ستة وثلاثين عاماً متصلة، تروح في هذه المآسي آلاف الأرواح ويتشرد الشعب داخلياً وخارجياً، فلا يمكن أن يوصف بأنه ‏أخطأ، لأن من يخطئ يتعلم، ومن يقصد يكرر. الإسلامويون لم يكونوا يوماً في موقع من يتعثر ثم يقوم، بل كانوا في موقع ‏من يخطط ويكرر خطته لأنها تخدم بقاءهم في السلطة، بصرف النظر عن كلفتها على البلد والعباد. ومن يتعمد الإضرار لا ‏يشعر بالحرج حين يتكرر ضرره، بل يشعر أنه نجح، لأن هدفه لم يكن يوماً مصلحة البلد بل بقاء المشروع الدموي المدمر.‏

وحين نستعرض هذه المسيرة بشيء من التفصيل، تتكشف مشاهد لو وقع عُشرها من أي نظام آخر لهزّت ضمير العالم، ‏مذابح دارفور وما رافقها من إبادة طالت مكوناً بعينه من أبناء دارفور، فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019م، الذي ‏سقط فيه العشرات برصاص مباشر، وألقيت جثث كثير منهم في نهر النيل، آلاف المعتقلين السياسيين الذين مرّوا عبر بيوت ‏الأشباح وسجون الأمن دون تهمة ولا محاكمة، ولم تكن هذه إلا حلقات في مسيرة طويلة كالحة السواد، بدأت قبل ذلك ‏بسنوات في مقتلة أمري وكجبار حين واجهوا أهالي المنطقة المعترضين على مشروع السدود بالرصاص الحي، ومقتل ‏طلاب الخدمة الإلزامية في معسكر العيلفون، ومنهم من ساقوهم قسراً إلى حرب لم يخوضوها بإرادتهم، ثم شهداء ديم عرب ‏في بورتسودان، وعشرات المجازر الأخرى التي تكرر فيها نفس المشهد، طرف يحمل كامل عتاد الدولة وسلاحها، وطرف ‏آخر أعزل تماماً لا يملك سوى صدره العاري وصوته المطالب بحقه. هذه ليست اتهامات مرسلة، بل وقائع موثقة عاشها ‏السودانيون بأجسادهم قبل أن تسجلها الكتب والتقارير.‏

الانتقام من المرأة السودانية
ولم يكتفوا بهذا بل امتد بطشهم إلى المرأة السودانية تحديداً، في حملة قمع واضهاد ممنهج بدا أقرب إلى الانتقام منها، لأنها ‏أنجبت هؤلاء الثوار الذين كسروا هيبتهم الكاذبة وأسقطوا عرشهم ورموا برئيسهم في مذلة التاريخ التي لطالما ظنوا أنفسهم ‏بمنأى عنها، فالمرأة التي خرجت في المقدمة وقادت المواكب، وهتفت في وجه الرصاص، كانت في نظرهم الرمز الأخطر ‏لانكسار سلطتهم، فحاولوا كسرها بكل وسيلة، من الاعتقال إلى الانتهاك إلى التشويه الأخلاقي المتعمد في الخطاب الرسمي ‏وغير الرسمي. وأي إنسان سوي، لو تحمّل ولو جزءاً يسيراً من المسؤولية عن واحدة من هذه الجرائم، لعاش بقية حياته في ‏خجل يلازمه، ولانسحب من أي مشهد عام احتراماً لضحاياه، أما هؤلاء فيتحدثون عن هذه المرحلة وكأنها إنجاز يستحقون ‏عليه مقعداً في المستقبل، لا جريمة يجب أن يحاسَبوا عليها.‏
هذا هو جوهر غياب الحياء عندهم، فهم لا يخجلون لأنهم لا يرون في سجلهم فشلاً يستدعي الخجل، بل يرون فيه نجاحاً في ‏تحقيق ما أرادوه فعلاً، وهو التمكين والاستمرار مهما كان الثمن. ومن يقيس نجاحه بمقياس مختلف عن مقياس الناس، لا ‏يمكن أن يشعر بما يشعر به الناس تجاهه.‏
ولعل أخطر ما في هذه الحالة أنها لا تقتصر على الأفراد بل هي نظام كامل يعيد إنتاج نفسه. فحين ينشأ الفرد داخل تنظيم ‏يقنعه بأن كل ما يفعله هو تنفيذ لإرادة إلهية أو خدمة لمشروع حضاري لا يخطئ، يصبح الشعور بالخجل خللاً في الإيمان لا ‏استجابة أخلاقية طبيعية.‏

ويمكن أن نلاحظ هذا الغياب للحياء في نمط متكرر عبر تاريخهم الطويل، ففي كل مرة كانوا يخرجون فيها من أزمة ‏صنعوها بأيديهم، لم يكن خروجهم مصحوباً بانكسار أو اعتذار، بل بخطاب جديد يعيد تسويق أنفسهم بلغة مختلفة، تارة باسم ‏الإصلاح، وتارة باسم الشراكة الوطنية، وتارة باسم حماية الدولة من الفوضى. هذا التبدل السريع في الخطاب مع ثبات تام ‏في الجوهر هو أوضح دليل على أن ما يحكمهم ليس قناعة أخلاقية قابلة للمراجعة، بل حسابات بقاء متجددة تتلون بحسب ‏الظرف.‏

قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ..!!‏
المفارقة الأشد وضوحاً أن هؤلاء الإسلامويين، وهم يرفعون شعارات الفضيلة والأخلاق منذ نشأتهم، ويقدمون أنفسهم حراساً ‏للقيم في مواجهة من يصفونهم بالعلمانيين والمنحلين، هم أنفسهم من يقدمون اليوم أوضح نموذج لغياب أبسط قيمة أخلاقية ‏يتشارك فيها البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم، وهي أن تخجل حين تسيء، وأن تتوارى حين يرفضك من أسأت إليهم. ‏فالحياء الحقيقي ليس شعاراً يرفع، بل سلوكاً يمارس، وأول علاماته أن يعرف صاحب الفعل متى عليه أن يصمت ويتنحى، ‏إن تنظيمهم يفسد في الأرض ثم يقدم نفسه مصلحاً، كما جاء في قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا ‏تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ”.‏

الشعب السوداني، الذي دفع الثمن الأغلى من دمه وعمره وأحلامه، هو وحده من يملك حق القول الفصل في من يستحق أن ‏يجلس على طاولة رسم مستقبله، وقد قال كلمته بوضوح، لا مكان للإسلامويين في أي ترتيب قادم. ومن يصر على فرض ‏نفسه رغم هذا الرفض الشعبي الواضح، لا يفعل ذلك جهلاً بموقف الناس منه، بل استخفافاً به، وهذا الاستخفاف بالذات هو ‏الوجه الآخر لغياب الحياء.‏
في الخلاصة أقول أننا واعين ومدركين كل الادراك لألاعيبهم لأننا عشنا دمارهم ولا زلنا نعيش كوارثهم ومآسيهم في الداخل ‏والخارج، السؤال الحقيقي الذي يواجه الجميع اليوم لكل من له علاقة بالترتيبات للمرحلة المقبلة في السودان من وُسطاء ‏ورعاة: كيف يُطلب من ضحية أن تجلس على طاولة واحدة مع جلادها باسم “الشراكة” أو “الواقعية السياسية”؟ فلا مصالحة ‏تُبنى على تجاهل الدم، ولا مستقبل يُرسم بيد من صنع الماضي المظلم، والحياء الذي غاب عنهم، لن يعوضه إلا غيابهم هم ‏عن المشهد بالكامل.. نعم بالكامل، وبعد ذلك لدينا ما يشفى صدور أهلنا في كل أنحاء السودان أصحاب المصلحة الذين اكتوا ‏بنيران الابادات الجماعية التي لا تزال مستمرة.‏

‫3 تعليقات

  1. من إدانة غياب الحياء إلى بناء آلية الإقصاء المؤسسي
    قراءة نقدية في مقال “لماذا لا يستحي الإسلامويون؟” لخالد أبوأحمد
    ضمن سلسلة الردود النقدية لميثاق النجاة وبناء الدولة

    د. على عبدالله الخليفة طه

    يقدّم خالد أبوأحمد، في مقاله المنشور في 30 يوليو 2026، تشخيصاً أخلاقياً حاداً لظاهرة تستحق فعلاً أن توصف بدقة: استمرار الحركة الإسلامية السودانية في السعي إلى موطئ قدم في ترتيبات المرحلة القادمة، رغم سجلها الموثق في الحرب والقمع والإبادة. غير أن قوة المقال في تشخيصه الأخلاقي تكشف في الوقت نفسه حدوده، فهو ينتهي عند عتبة المطالبة الأخلاقية دون أن يعبرها إلى آلية مؤسسية قابلة للتطبيق. وهذه بالضبط هي الفجوة التي عالجها ميثاق النجاة وبناء الدولة بوصفه انتقالاً من التشخيص إلى الآلية.

    أولاً: الحياء كمفهوم أخلاقي فردي لا كآلية جماعية

    يبني أبوأحمد حجته على مفهوم “الحياء” بوصفه “حاجزاً داخلياً يمنع الإنسان من فعل ما يستحق الخجل حتى لو لم يره أحد”، ويخلص إلى أن غياب هذا الحاجز عند الإسلامويين هو ما يفسر إصرارهم على العودة إلى المشهد السياسي رغم جرائمهم. وهو محق في أن التنظيم “يقيس نجاحه بمقياس مختلف عن مقياس الناس”، وأن إعادة إنتاج الخطاب دون مراجعة الجوهر دليل على أن ما يحكمه ليس قناعة أخلاقية قابلة للمراجعة بل حسابات بقاء متجددة.
    لكن الاعتماد على “الحياء” بوصفه المعيار الوحيد يحمل مشكلة بنيوية: الحياء فضيلة تفترض وجودها أصلاً عند الطرف المطالَب بها. حين يخلص المقال إلى أن “الحياء الذي غاب عنهم لن يعوضه إلا غيابهم هم عن المشهد بالكامل”، فإنه يضع النتيجة الصحيحة، لكنه يترك السؤال الأهم بلا جواب: من الذي يقرر هذا الغياب، وبأي معيار، وعبر أي مسار قانوني يمنع أن يتحول الإقصاء نفسه إلى انتقام جديد يعيد إنتاج نفس دائرة التفرد بالسلطة؟

    ثانياً: من انتظار الخجل إلى الشرعية الوظيفية التصاعدية

    هنا يكمن الفارق الجوهري بين المطلب الأخلاقي والآلية المؤسسية. الشرعية الوظيفية التصاعدية، كما يؤسس لها الميثاق، لا تنتظر خجل الجاني أو انسحابه الطوعي من المشهد، بل تبني هرم تمثيل يصعد من القاعدة المحلية عبر الركيزة الرابعة (التمثيل الإقليمي الموزون)، بحيث يُقصى من لا يملك رصيداً وظيفياً حقيقياً في إعادة البناء بصرف النظر عن ندمه من عدمه. الإقصاء هنا ليس عقاباً أخلاقياً ينتظر توبة، بل نتيجة تلقائية لبنية تمثيل لا تمنح الشرعية إلا لمن يشارك فعلياً في العبء المشترك ، وهو ما يعبّر عنه الميثاق بمفهوم الافتقار (iftiqar) كأساس فلسفي: لا شرعية لمن لا يقيم علاقة تبادلية حقيقية مع من تضرر منه.
    بهذا المعنى، فإن مطلب أبوأحمد “لا مكان للإسلامويين في أي ترتيب قادم” يتحول من نداء أخلاقي إلى نتيجة هيكلية: لا حاجة لانتظار اعترافهم برفضهم، لأن آلية التمثيل نفسها لا تفتح لهم باباً أصلاً.

    ثالثاً: العدالة الانتقالية الثلاثية بديلاً عن الإقصاء الجماعي غير المُميَّز

    يسرد المقال وقائع موثقة بدقة: فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، مقتلة أمري وكجبار، معسكر العيلفون، شهداء ديم عرب، والحملة الممنهجة ضد المرأة السودانية بعد ثورة ديسمبر. هذه الوقائع تستحق فعلاً مساراً قضائياً لا مجرد إدانة خطابية. غير أن المقال يعامل “الإسلامويين” ككتلة واحدة متجانسة، وهذا تسطيح يخاطر بتكرار خطأ منهجي خطير: معاقبة الانتماء التنظيمي المجرد بنفس ميزان معاقبة الجريمة الموثقة، وهو ما يفتح الباب أمام اتهامات لاحقة بالانتقام الجماعي بدل العدالة.
    العدالة الانتقالية الثلاثية التي يقترحها الميثاق تعالج هذا التمييز مباشرة: مجالس المصالحة المحلية تتعامل مع درجات الانخراط التنظيمي والمسؤولية الأدنى، لجنة الحقيقة والتعويض توثق الانتهاكات وتحدد المسؤوليات المؤسسية، وغرفة الجرائم الكبرى، بلا عفو، تحاسب من ارتكب جرائم موثقة كالتي عددها أبوأحمد. بهذا التدرج، يتحول “الغياب الكامل عن المشهد” الذي طالب به المقال من شعار جماعي إلى نتيجة قانونية متمايزة بحسب درجة المسؤولية الفعلية، لا بحسب الانتماء وحده.

    خاتمة: من السؤال “لماذا لا يستحون؟” إلى السؤال “كيف نبني بنية لا تحتاج إلى حيائهم؟”

    يطرح أبوأحمد سؤالاً مشروعاً ومؤلماً: كيف يُطلب من ضحية أن تجلس مع جلادها باسم “الشراكة” أو “الواقعية السياسية”؟ والإجابة التي يقدمها الميثاق ليست مناشدة الجلاد بالخجل، بل بناء بنية دولة لا تحتاج أصلاً إلى موافقته أو انسحابه الطوعي كي تستقر. غياب الحياء عندهم ليس ثغرة أخلاقية عابرة يمكن سدها بالمناشدة أو التذكير بالفضيلة، بل نتاج بنية تمكين ثلاثة عقود لم تُفكَّك بعد مؤسسياً. وحين تُفكَّك هذه البنية عبر الشرعية الوظيفية التصاعدية والعدالة الانتقالية الثلاثية، يصبح السؤال عن حيائهم من عدمه سؤالاً ثانوياً، لأن المشهد السياسي الجديد لن يكون بحاجة أصلاً لانتظار جوابه.

  2. الدكتور علي عبدالله الخليفة طه المحترم

    أشكرك على هذه القراءة النقدية المطولة والجهد الذي بذلته في تحليل المقال، وأثمّن أن موضوعاً بهذا الحجم من الألم استحق منك وقفة فكرية جادة. لكن اسمح لي بملاحظة أساسية حول طبيعة ما كتبته.

    مقالي لم يكن، ولم يدّعِ يوماً، أنه ورقة سياسية أو مشروع آلية دستورية لإدارة المرحلة الانتقالية. هو مقال رأي يشخّص ظاهرة أخلاقية بأدواتها الخاصة: الحياء، الخجل، الإصرار على تكرار الفعل رغم العلم بنتائجه. الكاتب حين يفضح واقعة أو يشخّص خللاً لا يُلزَم بالضرورة أن يقدم بديلاً مؤسسياً كاملاً لكل ما يكشفه، فهذه مهمة أخرى، تخص صنّاع القرار والباحثين في هندسة الدولة، لا كاتب الرأي الذي دوره الأول أن يسمّي الأشياء بأسمائها ويضع القارئ أمام الحقيقة كما عاشها.

    وما لفت انتباهي في قراءتك، أنك استخدمت مقالي كمنصة انطلاق لعرض تفصيلي لما تسميه “ميثاق النجاة وبناء الدولة”، بمصطلحاته ومفاهيمه الخاصة كـ”الشرعية الوظيفية التصاعدية” و”الافتقار” و”العدالة الانتقالية الثلاثية”. هذا حقك بالطبع أن تروّج لأفكارك ومشروعك، لكن الأمانة تقتضي أن يُقال هذا بوضوح، بدل تقديم الأمر وكأنه “كشف لثغرة” في مقال لم يكن أصلاً في وارد الإجابة على سؤال “كيف نبني آلية؟”، بل في وارد الإجابة على سؤال مختلف تماماً هو “لماذا لا يخجلون؟”.

    وأغتنم هذه المساحة لأؤكد على نقطة أراها أهم من أي خلاف حول منهجية المقال، وهي ضرورة توسيع وترسيخ المعرفة بما جرى من دمار وانهيار كامل لمؤسسات الدولة السودانية بسبب رعونة الإسلامويين وإصرارهم على ممارسة مناهجهم التدميرية على الإنسان والبلاد. هذه المعرفة ينبغي أن تعم كل الجغرافيا السودانية وامتدادات مهاجر السودانيين في كل مكان، ويشارك في ترسيخها الجميع، كل في مجاله، لكشف حقيقة ما حدث من ضياع للإمكانيات المادية والبشرية، وتشريد للكفاءات، وضرب متعمد للمكونات المجتمعية. وتكفي الإشارة إلى أن دولاً كانت قبل ستة وثلاثين عاماً تعيش أوضاعاً مأساوية لا تقل قتامة عما نعيشه اليوم، كإثيوبيا وكينيا وأوغندا وبوركينا فاسو ورواندا، أصبحت اليوم، وللمفارقة المؤلمة، ملاذات آمنة يهرب إليها السودانيون بحثاً عن الاستقرار والتنمية والتعليم والصحة والبنى التحتية الحديثة، بينما ظل السودان تحت حكم من ادعوا أنهم يبنون “مشروعاً حضارياً” غارقاً في نفس الدائرة من الدمار والانهيار.

    ختاماً أرحب بأي نقاش جاد حول ما أكتبه لكن من الأنصف أن يُقيَّم كل نص بمقياس ‏ما قصد إليه لا بمقياس ما كان يمكن أن يكون عليه لو كتبه شخص آخر بغرض ‏آخر.‏
    وللجميع تقديري واحترامي..‏
    خالد ابواحمد

  3. الأستاذ خالد أبوأحمد المحترم، تحية طيبة وبعد،

    أشكرك على تعقيبك الكريم، وأعترف بصراحة أن ملاحظتك في محلّها ووصلتني بوضوح: مقالك (لماذا لا يستحي الإسلامويون؟) كان تشخيصاً أخلاقياً بذاته، له غرضه وأدواته، ولم يكن يوماً مطالَباً بتقديم بديل مؤسسي أو آلية دستورية. حين علّقتُ عليه واستدعيتُ فيه مصطلحات (ميثاق النجاة وبناء الدولة)، فعلتُ ما لم أقصده صراحةً: استخدمتُ ألمك الموثّق ومقالك المستقل كمنصة انطلاق لعرض مشروعي الخاص، دون أن أُقرّ بذلك بوضوح كما تفضّلتَ وأشرتَ. وهذا خلط غير مقصود بين الإشادة بتشخيصك وبين الترويج لأطروحتي، أعتذر عنه بصدق.

    كان الأولى بي أن أُثني على دقة ما كتبتَ في بابه، وأن أفصل ذلك تماماً عن أي حديث عن مشروعي، إن كان له مكان، بدل تقديم الأمر وكأنه امتداد طبيعي لمقالك أو “كشف لثغرة” فيه. أنت محق في أن كل نص يُقيَّم بمقياس ما قصد إليه صاحبه لا بمقياس ما كان يمكن أن يُبنى عليه.

    وأؤكد أنني أشارك معك تماماً القناعة بأهمية ما دعوت إليه في ختام تعقيبك، من ضرورة توسيع المعرفة بحجم الدمار الذي أصاب مؤسسات الدولة السودانية وشعبها، وهذا هدف يستحق أن يُخدم بصدق النية ووضوح الحدود بين الأجناس الكتابية، لا بخلطها.

    مع خالص تقديري واحترامي لجرأتك في التشخيص وصراحتك في الملاحظة،
    علي عبدالله الخليفة طه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..