
قراءة نقدية في مدرسة تصميم الدساتير ومقاربة لمستقبل الدولة السودانية
لم تكشف حرب أبريل عن انهيار سلطة أو تعثر مرحلة انتقالية فحسب، بل كشفت سقوط فرضيةٍ هيمنت طويلاً على التفكير الدستوري في السودان؛ وهي أن إصلاح الدولة يبدأ بإعادة تصميم الدستور. غير أن الحرب أثبتت أن الدساتير لا تنهار أولاً، بل تنهار الدولة التي تمنحها الحياة. فحين تتشظى السيادة، ويتعدد احتكار القوة، وتتآكل المؤسسات، يفقد النص حامله التاريخي، ويغدو إصلاح الدستور معالجةً للأثر بعد انهيار سببه.
من هذه الزاوية، لا تبدو الأزمة السودانية أزمة دستور، وإنما أزمة دولة. فالدساتير لا تُنشئ الدول، بل تُنظّم دولاً امتلكت، عبر مسارها التاريخي، حداً أدنى من الوحدة المؤسسية والقدرة العامة. أما حين تصبح الدولة نفسها موضوعاً للصراع، فإن السؤال الدستوري يغدو سابقاً لأوانه، لأن الخلل لم يعد في تنظيم السلطة، بل في وجود الإطار الذي يجعل السلطة ممكنة.
تكتسب أدبيات تصميم الدساتير للمجتمعات المنقسمة أهميتها لأنها نقلت الدستور من كونه وثيقةً قانونية إلى كونه أداةً لإدارة التعدد السياسي والاجتماعي. فقد انطلقت من فرضية أن الانقسامات يمكن احتواؤها عبر مؤسسات دستورية توازن بين الاعتراف بالتنوع والحفاظ على وحدة الدولة.[1] غير أن هذه المدرسة، على عمقها، افترضت وجود دولة مستقرة يدور النزاع داخلها، بينما تكشف التجربة السودانية أن النزاع قد يتحول إلى صراع على الدولة نفسها، لا على كيفية إدارة السلطة فيها.
وهنا تتجلى حدود هذه المقاربة. فحرب أبريل لم تكن تنافساً بين قوى سياسية داخل إطار دستوري، بل لحظة انكشف فيها التآكل العميق للرأسمال المؤسسي للدولة؛ أي قدرتها على احتكار القوة، وإدارة المجال العام، وإنفاذ القانون بوصفه مرجعيةً مشتركة. لذلك لم يعد مفهوم المجتمع المنقسم كافياً لتفسير الحالة السودانية، لأن الانقسام أصاب المؤسسة التي كان يفترض أن تحتوي المجتمع، لا المجتمع وحده.
ولا يكفي، كذلك، ردُّ الحرب إلى الهويات أو التنوع الثقافي. فالهوية لا تتحول إلى قوة مدمرة إلا حين تجد اقتصاداً سياسياً يعيد إنتاج التفاوت، ويجعل السيطرة على الموارد والسلطة أكثر ربحاً من التسوية. ومن ثم فإن العدالة الاجتماعية ليست نتيجةً لاحقة للتسوية الدستورية، بل شرطها البنيوي؛ إذ لا يستقر نظام سياسي يحتكر فيه المركز السلطة والثروة، بينما تتحمل الأطراف كلفة التهميش والحرب.
ومن هنا ينتقل السؤال من تصميم الدستور إلى بناء الدولة. فالدستور لا يخلق القدرة المؤسسية، وإنما يفترضها. أما الدولة فتُبنى حين تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من موازين القوة، والمصلحة العامة أسبق من شبكات الامتياز. وعندما تغيب هذه الشروط، يتحول الدستور إلى نص يصف دولةً لم تعد موجودة، لا إلى أداة تعيد إنتاجها.
وتؤكد المقاربات المؤسسية الحديثة أن قوة الدولة لا تُقاس بعدد دساتيرها، بل بقدرتها على تحويل القواعد إلى ممارسة مستقرة، وعلى إنتاج الثقة العامة واستمرارها.[2] وهذا ما تكشفه التجربة السودانية بوضوح؛ فالأزمة ليست في نقص النصوص، وإنما في تآكل المؤسسات التي تمنح النصوص معناها. لذلك فإن أي انتقال سياسي يبدأ بإعادة كتابة الدستور قبل إعادة بناء الدولة يظل انتقالاً في مستوى الخطاب، لا في مستوى التاريخ.
ومن هذا المنطلق يبرز مفهوم الذكاء التاريخي للدولة بوصفه تطويراً يتجاوز مدرسة تصميم الدساتير دون أن ينفيها. فالسؤال لم يعد: كيف نوزع السلطة؟ بل: كيف نبني دولة تمتلك القدرة على حمل أي توزيع للسلطة؟ إن الدولة الذكية تاريخياً هي التي تتعلم من أزماتها، وتراكم مؤسساتها قبل نصوصها، وتجعل الشرعية خاصيةً للمؤسسات لا للأشخاص، والعدالة قاعدةً لتوزيع الفرص والثروة لا شعاراً للمساومة السياسية.
لقد كشفت حرب أبريل أن السودان لا يفتقر إلى دستور جديد بقدر ما يفتقر إلى دولة تستحق دستوراً. فالدساتير لا توقف انهيار الدول، وإنما تُقنن استقرارها بعد أن يتحقق. لذلك لن يبدأ الخروج من الأزمة بإعادة هندسة النصوص، بل بإعادة بناء الرأسمال المؤسسي، واستعادة المجال العام، وترسيخ العدالة الاجتماعية، حتى تصبح الدولة مصلحةً مشتركة لا غنيمةً متنازعاً عليها. عندئذ فقط يغدو الدستور خاتمةً للتأسيس، لا محاولةً لتعويض غيابه.
المراجع
[1] سوجيت شودري (محرر)، تصميم الدساتير للمجتمعات المنقسمة: الاندماج أم التوافق، مطبعة جامعة أكسفورد، 2008 (ويتضمن دراسة ياش غاي وجيل كوتريل). [2] فرانسيس فوكوياما، النظام السياسي والانحلال السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية، دار فارار، شتراوس وجيرو، 2014م.


