
إلى الأصدقاء محمد مدني، وعادل القصاص، ومحمد خلف، وإلى كل الذين حملوا محبة عادل عبد الرحمن بعد رحيله، ولم يتركوا الغياب ينتصر على القصيدة. فهذا الديوان، كما هذه المقالات، ليس إلا ثمرة وفاءٍ آمن بأن الشعر لا يرحل ما دام هناك من يصون ذاكرته.
حين صدر ديوان «جسد… وقصائد أُخر»، بجهد ومحبة من أصدقاء عادل عبد الرحمن بعد رحيله، بدا للقارئ أنه يفتح كتابًا لشاعر ظل بعيدًا عن الأضواء أكثر مما ينبغي. لكن القراءة المتأنية تكشف أن الديوان لا يستعيد شاعرًا بقدر ما يستعيد مدينة كاملة كانت تختبئ بين السطور دون أن تذكر اسمها مرة واحدة. فليست كل المدن تدخل القصائد بوصفها جغرافيا، وبعض المدن يبلغ حضورها حدَّ أن تتحول من مكان إلى طريقة في التفكير، ومن شارع إلى رؤية، ومن ذاكرة شخصية إلى حساسية إنسانية كاملة. هكذا تبدو ود مدني في شعر عادل عبد الرحمن؛ مدينة لا تظهر في العناوين، لكنها تسكن اللغة، ولا تُرى في المشهد، لكنها تحركه من الداخل.
منحت ود مدني عادل شوارعها المفتوحة على النيل، فمنحها هو قصائد مفتوحة على العالم.
ليست هذه عبارة مجازية، وإنما مفتاح لقراءة واحدة من أكثر التجارب الشعرية خصوصية في السودان. فمن يبحث عن ود مدني في قصائد عادل، كما يبحث عن أسماء المدن في الشعر التقليدي، سيعود خالي الوفاض. لن يجد وصفًا للنيل الأزرق، ولا احتفاءً بالبيوت القديمة، ولا حنينًا مباشرًا إلى الأزقة والميادين والأسواق. غير أن المدينة كلها ستكون هناك؛ في انحياز القصيدة إلى الإنسان، وفي اتساع أفقها، وفي رفضها لكل يقين مغلق، وفي إيمانها بأن العالم أوسع من الحدود التي يرسمها السياسيون، وأرحب من الهويات التي يختبئ الناس خلفها.
ولعل هذه هي الخصيصة الأولى التي أورثتها ود مدني لشاعرها. فهذه المدينة، التي نشأت عند ملتقى الماء والزراعة والهجرة، لم تكن مجرد حاضرة في قلب مشروع الجزيرة، بل كانت مختبرًا مبكرًا لفكرة السودان الممكن؛ مدينة توافدت إليها وجوه البلاد كلها، واختلطت فيها اللهجات والعادات والمهن، حتى غدا التنوع فيها أسلوبًا للحياة، لا شعارًا ثقافيًا. ولذلك لم يكن غريبًا أن تنشأ فيها حركة أدبية وفنية سبقت كثيرًا من المدن، وأن تتحول أنديتها الثقافية، وفي مقدمتها رابطة الجزيرة للآداب والفنون، إلى فضاء حر مفتوح تتجاور فيه الأفكار كما تتجاور ضفاف النيل.
لم تكن هذه البيئة تمنح أبناءها الثقافة وحدها، بل كانت تمنحهم شيئًا أكثر عمقًا؛ كانت تعلمهم أن الإنسان لا يُختزل في قبيلته، ولا في جهته، ولا في عقيدته، وإنما في قدرته على أن يكون إنسانًا. وهذه الفكرة، أكثر من أي شيء آخر، هي التي تسربت إلى شعر عادل عبد الرحمن.
ولذلك، حين يفتتح إحدى أشهر قصائده بالسؤال:
«كيف الحال أيها العالم؟»
فإنه لا يبدأ من الخرطوم، ولا من السودان، ولا حتى من ود مدني. يبدأ من العالم كله. وليس في ذلك استعراضًا لثقافة كونية، ولا رغبةً في تجاوز المكان الأول، وإنما تعبير عن وعي تشكل في مدينة لم تكن تخاف الآخر، ولم تكن ترى في العالم تهديدًا لهويتها، بل امتدادًا طبيعيًا لها. ومن هنا تبدو القصيدة وكأنها تنتمي إلى كل مكان، لأنها خرجت من مدينة علمت أبناءها أن الانفتاح وقبول التنوع ليسا رفاهية فكرية، بل شرطًا من شروط الحياة.
وفي القصيدة نفسها لا يكتفي الشاعر بمخاطبة العالم، بل يعبر القارات دون عناء؛ من هيروشيما إلى أمريكا، ومن الماء إلى الثلج، ومن المرأة إلى الحروب، ومن الجسد الفردي إلى مصير البشرية. هذا الاتساع ليس مجرد تقنية شعرية، وإنما انعكاس لوعي لم يتربَّ على الأسوار. لقد تعلم الشاعر، منذ خطواته الأولى، أن النهر لا يسأل المياه القادمة إليه من أي جهة جاءت، وأن المدينة التي تتسع لكل الناس لا تستطيع قصيدتها أن تضيق بالإنسان.
ولذلك أيضًا، حين يكتب في قصيدته «هذه مائدتي… والدعوة غير عامة»، سرعان ما تتحول المائدة الخاصة إلى مائدة لفقراء الأرض جميعًا، فيقول:
«لنتقاسم الشقاء الطازج… ونهدم جدار المذلة… ونبني العالم الذي نحلم.»
إنه لا يدعو أبناء مدينته وحدهم، ولا أبناء وطنه، بل يدعو الإنسانية كلها إلى مشاركة الحلم. وهنا تتجلى ود مدني مرة أخرى، لا بوصفها اسمًا، بل بوصفها أخلاقًا. فالمدينة التي عرفت مبكرًا كيف يعيش المختلفون معًا، هي نفسها التي جعلت شاعرها يرى الإنسان إنسانًا قبل أن يرى الحدود، ويرى الجوع قبل أن يرى الخرائط، ويرى الكرامة قبل أن يرى الشعارات.
ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر في قراءة تجربة عادل عبد الرحمن هو أن تُصنف بوصفها تجربة محلية. فهي محلية في جذورها، لكنها كونية في ثمارها. أخذ من مدينته روحها المدنية، ثم ترك تلك الروح تمضي في القصيدة حتى آخر الأرض. ولذلك لا نشعر، ونحن نقرأه، بأن العالم يبتلع السودان، بل نشعر بأن السودان، في أجمل صوره، يفتح نافذة على العالم.
لذلك لا أعتقد أن ود مدني كانت مجرد المكان الذي نشأ فيه عادل عبد الرحمن، بل كانت النص الأول الذي تشكل فيه وعيه قبل أن يقرأ الكتب، والقصيدة الأولى التي سكنت وجدانه قبل أن يسكن القصيدة. ولهذا لم يكن في حاجة إلى أن يكتبها، لأنها كانت قد كتبت لغته منذ البداية. فالمدن العظيمة لا تطلب من شعرائها أن يخلدوا أسماء شوارعها، وإنما تمنحهم رؤية تجعلهم، أينما كتبوا، يحملون شيئًا من روحها.
يتبع


