مقالات وآراء

ما هو رجلُ الدين؟

بشير محمد الحسن

في زمنٍ اختلطت فيه المقامات، وارتدى فيه كثيرون أثوابَ القداسة قبل أن يحملوا أعباءَ المعرفة، لم يعد «رجلُ الدين» ـ ذلك العالمُ الزاهد الذي نذر عمره للبحث عن الحقيقة، بل غدا، في حالاتٍ كثيرًا شخصًا أخفق في ميدان العلم، فعجز عن مجاراة أسئلته، وانسحب من ساحاته مذعورًا أمام صرامة البرهان ودقة التجربة. وما إن أدار ظهره لمختبرات المعرفة، حتى احتمى بمنابر الوعظ، واستبدل معادلات الفيزياء والكيمياء والطب بخطبٍ مطوّلة، لا تحتاج إلى دليلٍ بقدر ما تحتاج إلى جمهورٍ يصفق ويُسلِّم.

فرَّ من عالمٍ لا يعترف إلا بالبرهان، إلى عالمٍ يكفي فيه الادعاء ليصبح حقيقةً عند الأتباع. ترك ميادين البحث التي لا تكافئ إلا المجتهدين، وارتدى جُبّةً فضفاضة وعمامةً منتفخة، ليُعلن أن مفاتيح الغيب قد استقرت بين يديه، وأنه أصبح الوسيط بين السماء والأرض، والناطق باسم الإرادة الإلهية، والحارس الوحيد لبوابات النجاة.

ويُحدِّث أتباعه من قطيع الأغنام والماعز بيقينٍ لا يعرف التردد، وكأن ستائر الغيب قد كُشفت له، فيبيعهم وعودَ الجنة كما لو كان قد جال في رياضها، ويصف لهم أهوال النار كما لو كان قد عاد منها لتوّه. يتحدث عن الحساب والميزان والصراط والخلود بثقةٍ مطلقة، بينما لا يملك على دعواه شاهدًا يمكن اختباره، ولا برهانًا يمكن التحقق منه، سوى سلطته الخطابية، وهيبته المصنوعة، وإيمان أتباعٍ اعتادوا التسليم أكثر مما اعتادوا السؤال.

ولأن العقل النقدي يُربك أصحاب السلطان، يصبح السؤال جريمة، والشك خطيئة، والتفكير المستقل بابًا إلى الضلال. تُقدَّم الطاعة على الفهم، ويُقدَّم النقل على العقل، ويُطالَب الإنسان بإغلاق نافذة التفكير حتى لا تهتز المنظومة التي بُنيت على التسليم لا على البرهان مع الحركة الإسلامية.. صراع على الورثة

❝ تقول قوانيين الكون:”تسقط المشاريع الكبرى و تبدأ رحلة التلاشي حين يتحول أصحابها من حراس للفكرة إلى متنافسين على مقاعد القيادة”.. فالفكرة التي تفقد قدرتها على مراجعة نفسها ومحاسبتها، تترك لأبنائها معركة يصبح فيها الجميع خاسراً. ❞

يذكر المؤرخون أن من أسباب ضعف الأندلس في مراحلها الأخيرة لم يكن فقط قوة أعدائها، وإنما انتقال الصراع داخل البيت الحاكم من الدفاع عن الدولة إلى التنافس على النفوذ.

فقد أصبحت بعض الممالك المنشغلة بتثبيت مواقعها أكثر من انشغالها بالسؤال الأكبر:” كيف تبقى الدولة؟ وتحول الخلاف من اختلاف في الرؤية إلى صراع على القيادة، حتى غدت القوة موزعة بين أطراف عديدة، بينما كان كل طرف يرى في الآخر منافساً أخطر من خصوم الخارج.

لم يكن السقوط لحظة واحدة، بل كان نتيجة تراكمات بدأت يوم أصبحت الزعامة غاية، وتراجعت الفكرة التي جمعت الجميع يوماً.

ولعل التاريخ لا يعيد نفسه بصورة مطابقة، لكنه يعيد أسئلته القديمة بثياب جديدة.

في السياسة، لا تكون أخطر اللحظات دائماً حين يشتد الصراع بين الخصوم، بل حين يبدأ الصراع داخل البيت الواحد .. حين يصبح السؤال: “من يمثل المشروع؟ ومن يملك حق رسم مستقبله؟”.

وفي السودان، تكشف بعض السجالات التي ظهرت إلى العلن خلال الفترة الأخيرة عن أزمة تتجاوز الخلاف حول شخص أو موقف سياسي.. إنها أزمة مشروع سياسي يواجه اختباراً صعباً بعد سنوات طويلة من الحكم، وحرب غيّرت موازين القوى، وجعلت أجنحته المختلفة تعيد حساباتها بحثاً عن موقع في المرحلة المقبلة.

ولعل المقال الذي نشره الكاتب محمد عثمان إبراهيم، والذي تناول موقع الفريق البرهان داخل معادلة السلطة، لا تكمن أهميته فقط فيما قاله عن الرجل، وإنما فيما كشفه من صورة لصراع أوسع داخل التيار الإسلامي حول القيادة والتحالفات وشكل الدولة القادمة في وجود الفريق البرهان.

فحين يصبح الحليف موضع مراجعة، والقائد موضع اختبار، والرفيق القديم منافساً محتملاً، فإن القضية لا تعود خلافاً عابراً، بل تصبح معركة حول من يملك حق صياغة المستقبل.

وهنا يظهر السؤال:

(هل ما يجري داخل الحركة الإسلامية خلاف حول الوسائل، أم صراع على وراثة مشروع أنهكته التحولات وأجبرته الحرب على مواجهة أسئلته المؤجلة؟).

(1)

تكشف القراءة المتأنية للسجالات داخل التيار الإسلامي أو حوله، أن الخلاف لم يعد محصوراً في تقييم أداء الفريق البرهان، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية:” من يحدد شكل المرحلة المقبلة؟”.
فالبرهان لم يعد مجرد رئيس لمؤسسة عسكرية أو رأس للسلطة القائمة، بل أصبح نقطة تتقاطع عندها حسابات تيارات مختلفة.. فهناك من يراه ضرورة مرحلية، وهناك من يراه عائقاً أمام مشروعه، وبين هؤلاء جميعاً يحاول الرجل إدارة مساحة مليئة بالتناقضات.
وهنا تكمن المفارقة..
فالذين يختلفون حول البرهان لا يختلفون حول أهمية موقعه، بل حول كيفية التعامل معه .. ولو كان خارج المعادلة تماماً، لما أصبح محوراً لكل هذا الجدل.

(2)

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الصراع داخل الحركة الإسلامية بوصفه اختلافاً حول إدارة المرحلة، أكثر من كونه خلافاً بين أشخاص.
فهناك من الاجنحة، من يرى أن السياسة تقوم على التدرج، وأن الحفاظ على مواقع التأثير داخل مؤسسات الدولة يمثل طريقاً للعودة، بينما يرى آخرون أن المرحلة لا تحتمل الانتظار، وأن أي مساحة تُمنح للبرهان أو لغيره قد تصبح خصماً من نفوذهم في المستقبل.
وبين الرؤيتين يبقى السؤال الأهم:
“هل الأولوية لبقاء الفكرة، أم لبقاء أدوات السيطرة عليها؟” .. فحين ينتقل الخلاف من سؤال:” كيف نصلح التجربة؟ إلى سؤال: من يقود التجربة؟”.. تبدأ الأزمة في التحول من مجال الفكر إلى مجال النفوذ.

(3)

لكن القراءة التي تختزل البرهان في صورة الرجل المحاصر أو التابع لأحد الأجنحة قد تغفل جانباً مهماً من طبيعة السياسة..
فالرجل، منذ بداية المرحلة الانتقالية وحتى الحرب، تعامل مع مراكز قوى متعددة، ولم يمنح طرفاً واحداً قدرة كاملة على احتكار القرار .. حتى اقرب الاجنحة لديه، جناح (العلييان) علي عثمان وعلي كرتي، وقد يُقرأ هذا السلوك باعتباره براغماتية سياسية، وقد يراه آخرون قدرة على المناورة، لكن المؤكد أنه أبقى لنفسه مساحة حركة بين القوى المتنافسة.
فالسياسة ليست فقط امتلاك القوة، وإنما القدرة على إدارة تناقضات الآخرين.
وربما تكمن إحدى نقاط قوة البرهان في أن كل طرف يعتقد أنه الأقرب إليه أو الأكثر تأثيراً عليه، بينما يظل هو محتفظاً بمسافة تمنحه هامشاً للمناورة.

(4)

وهنا تظهر المشكلة الأعمق داخل أي مشروع سياسي.. فحين تصبح العلاقة مع السلطة أو المؤسسة العسكرية هي الطريق الأساسي لحماية المشروع، فإن ذلك يكشف تحولاً مهماً: “انتقال مركز الثقل من المجتمع إلى أدوات القوة”.
فالمشاريع التي تمتلك جذوراً فكرية حقيقية لا تبحث فقط عن من يحميها، بل تسأل نفسها:” لماذا فقدت قدرتها على الإقناع؟ ولماذا أصبحت بحاجة إلى مظلات النفوذ أكثر من حاجتها إلى ثقة الناس؟”.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن تواجهه الحركة الإسلامية، التي تعتقد أن امتلاك القوة والمال والسلطة يغني عن مراجعة التجربة.

(5)

إن أخطر ما في الصراعات الداخلية ليس ظهور الخلافات، فكل المشاريع البشرية تعرف الاختلاف، وإنما الخطر حين يصبح الخلاف بديلاً عن الحوار، وتصبح المنافسة على القيادة أهم من مراجعة المسار.
فالحركة الإسلامية التي حكمت السودان لثلاثة عقود ظلت مختصرة تجربتها في شخص واحد، وحينما انتبه التلاميذ لذلك نزعوها من عرابها، ولكنهم تنازعوها فيما بينهم، ففشل ريحهم، وبقى مستقبلها مرهون بالأشخاص، غابوا أو حضروا..
لذلك .. فالتاريخ لا يسأل فقط:” من بقي في السلطة؟ .. بل يسأل أيضاً: ماذا قدم حين امتلك السلطة؟ وكيف تعامل مع أخطائه حين أصبحت الأسئلة أكثر إلحاحاً؟”.

(6)

ولهذا فإن اللحظة الحالية قد تكون فرصة للمراجعة أكثر من كونها لحظة لتصفية الحسابات.. فالمشاريع السياسية لا تستعيد حضورها بالبحث عن الحلفاء الأقوى، ولا بمحاولة السيطرة على أدوات الدولة، وإنما بامتلاك الشجاعة لمواجهة التجربة كما هي، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، والبحث في اضابيرها لمزيد من نقدها ..
فالأوطان لا تُدار بمنطق الغلبة الدائمة، لأن كل قوة تصل إلى القمة تحمل في داخلها سؤال الرحيل، وكل مشروع يرفض مراجعة نفسه يفتح الباب أمام الآخرين ليكتبوا نهايته بدلاً عنه.

(7)

وفي النهاية، فإن ما تكشفه هذه السجالات ليس مجرد خلاف حول الفريق البرهان، ولا مجرد تنافس بين أجنحة داخل تيار سياسي واحد، وإنما أزمة أعمق تتعلق بمصير مشروع يحاول أن يجد لنفسه مكاناً في سودان تغير كثيراً.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول من يقترب من السلطة أكثر، بل حول قدرة أي مشروع على الإجابة عن أسئلة المرحلة الجديدة.
فالذين يظنون أن السيطرة على اللحظة تكفي لصناعة المستقبل، ينسون أن التاريخ لا يمنح البقاء لمن يملك القوة وحدها، بل لمن يملك القدرة على التعلم والتجدد.
وقد تكون الرسالة الأهم لكل القوى السياسية السودانية أن زمن الاعتماد على الأشخاص أو التحالفات المغلقة قد تجاوزته البلاد؛ فالمستقبل يحتاج إلى أفكار قادرة على الإقناع، ومشاريع قادرة على الاعتراف بأخطائها قبل أن تتحول الأخطاء إلى إرث ثقيل.
أما الفريق البرهان، فإن موقعه في هذه المعادلة يؤكد طبيعة السياسة القائمة على التوازنات؛ فهو ليس خارج الصراع، لكنه استطاع أن يجد لنفسه مساحة بين القوى المتنافسة، مستفيداً من تناقضاتها، ومبقياً قراره بعيداً عن الهيمنة الكاملة لأي طرف.
يعلمنا التاريخ، أن إدارة التناقضات تمنح السياسي وقتاً، لكنها لا تصنع بالضرورة مستقبلاً دائماً.. فالمستقبل يصنعه المشروع القادر على مخاطبة الناس، لا فقط المشروع القادر على إدارة مراكز النفوذ.
وفي السودان اليوم، ليست المعركة الحقيقية معركة أشخاص، بل معركة أفكار حول الدولة التي يريدها السودانيون بعد هذه الحرب الطويلة.. فكل مشروع يقف أمام لحظة امتحان: إما أن يراجع نفسه فيرتفع من جديد، أو يتمسك بصورة الماضي حتى يصبح جزءاً منه.
ما نود قوله هنا:” إن أخطر لحظات المشاريع السياسية ليست حين يختلف أبناؤها، وإنما حين يفقدون القدرة على تذكر لماذا اجتمعوا في البداية.. فالأفكار لا تعيش بقوة التنظيم وحدها، ولا بطول البقاء في السلطة، وإنما بقدرتها على التجدد، والاعتراف بأن الشعوب لا تبقى أسيرة لتجارب اثبتت فشلها.
والحركة الإسلامية، مثلها مثل غيرها من القوى السياسية، أمام سؤال لا يمكن تأجيله:
ليس:”من يملك النفوذ؟ بل: ماذا تعلمت من التجربة؟ وكيف يمكن أن تقدم نفسها للسودانيين بصورة جديدة؟”..
فالتاريخ لا يغلق الأبواب أمام من يراجع نفسه، لكنه لا يمنح فرصة دائمة لمن يرفض رؤية أخطائه ونقدها.

ومضة أفق الحرف:

❝ حين ينشغل أصحاب المشروع بمن يرث القيادة، ينسون أن التاريخ لا يمنح البقاء للأسماء.. بل للأفكار التي تملك شجاعة التجدد. ❞
وهكذا يتحول الفشل في ميادين المعرفة إلى سلطةٍ دينية، ويتحوّل الخوف من العلوم الحديثة إلى خطابٍ يُخوِّن العقل ويُحذِّر من الفلسفة ويُشيطن البحث العلمي كلما تعارض مع الرواية التي يعتاش عليها. ويغدو الجهل بالواقع شهادةً مزعومة في معرفة ما وراء الواقع، حتى يصبح العاجز عن تفسير ظاهرةٍ فيزيائية، أو فهم قانونٍ بيولوجي، أو استيعاب أبسط مبادئ المنهج العلمي، هو نفسه من يتحدث بثقةٍ مطلقة عن أسرار الكون، وعن مصير الأرواح، وعن تفاصيل العالم الآخر.
والمفارقة الكبرى أن كثيرًا من هؤلاء لا يكتفون بادعاء المعرفة، بل يحتكرونها، فيجعلون أنفسهم أوصياء على ضمائر الناس، وموزعين لصكوك الإيمان والكفر، والجنة والنار، فيُصادرون حق الإنسان في التفكير، ويستبدلون سلطان الدليل بسلطان الخوف، وسلطة العقل بسطوة القداسة، حتى يصبح النقد تمردًا، والاختلاف زندقة، والاستقلال الفكري خطرًا ينبغي القضاء عليه.
غير أن التاريخ يشهد بأن الحضارات لم تنهض يومًا على أكتاف المقلدين، وإنما قامت على أيدي أولئك الذين تجرؤوا على السؤال، وناقشوا المسلَّمات، وفتحوا أبواب العقل أمام الإنسان. فالعلم لا يخشى النقد، لأنه يتغذى عليه، أما الخطاب الذي يخشى السؤال، ويُحارب البرهان، ويُقدِّس قائله أكثر مما يُقدِّس الحقيقة، فهو خطابٌ يخشى أن يسقط إذا أُضيئت حوله مصابيح المعرفة.
ولذلك، فإن المشكلة ليست في الدين بوصفه إيمانًا روحيًا أو منظومةً أخلاقية، ولا في العلماء الذين يخلصون للبحث والتدبر، وإنما في كل من يحوّل الدين إلى وسيلةٍ للنفوذ، وإلى تجارةٍ بالخوف، وإلى سلطةٍ تُمارَس باسم السماء على عقول البشر. فحين تصبح القداسة درعًا ضد النقد، ويتحوّل الإيمان إلى أداةٍ لإسكات العقول، يكون المجتمع قد انتقل من عبادة الحقيقة إلى عبادة الأشخاص، ومن احترام المعرفة إلى تقديس الادعاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..