مقالات وآراء

نقد العقل السوداني: بين مأزق الهوية وتحديات النهضة

د. عوض النقر بابكر محمد

شغلت المراجعات الفكرية لبنية “العقل الجمعي” اهتمام العديد من المفكرين العرب والأفارقة في العقود الأخيرة، ولم يكن الفكر السوداني استثناء من هذا المسار. إن محاولة “نقد العقل السوداني” ليست مجرد ترف فكري، بل هي ضرورة وجودية لتفكيك الأزمات المتكررة التي يعيشها السودان؛ سياسية كانت، أو اقتصادية، أو اجتماعية.
تكمن أهمية هذا النقد في الانتقال من لوم “الظروف الخارجيّة” أو “الانتهازية السياسية” إلى الغوص في العمق الثقافي والاجتماعي الذي ينتج هذه الأزمات ويُعيد إنتاجها بشكل متكرر.

أولاً: إشكالية الهوية والازدواجية الثقافية

أحد الملامح البارزة في بنية العقل السوداني هومأزق الهوية؛ تلك المساحة المترددة بين العروبة والأفريقانية.
الصراع المستمر: على مدى عقود، عانى التفكير السياسي والثقافي السوداني من محاولة إلباس الدولة ثوباً أحادي النمط، متجاهلاً التنوع العرقي والثقافي الهائل.
الاستقطاب الحاد: أدى هذا العجز عن إيجاد “صيغة تعايش جامع” إلى تفتيت الجسد الوطني، وجعل العقل السياسي السوداني يتعامل مع التنوع كتهديد لا كمصدر ثراء.

ثانياً: النخبة والسلطة.. متلازمة الشفهية والأبوية

عند تشريح سلوك النخبة السودانية (السياسية والفكرية)، نجد مجموعة من الخصائص الثقافية التي أثرت سلباً على عملية بناء الدولة الحديثة:

1. السيادة الأبوية والرمزية (Patriarchy):
تأثر العقل السياسي السوداني كثيراً بالبنية العشائرية والصوفية، حيث يُقدم “الرمز” أو “الشيخ” أو “الزعيم” على المؤسسة والبرنامج. أدى ذلك إلى تقديس الأشخاص على حساب نقد الأفكار.
2. هيمنة الثقافة الشفهية (Orality):
يميل العقل الجمعي السوداني إلى الشفاهية والخطاب المباشر والعاطفي، على حساب التوثيق، والتحليل المكتوب، والتخطيط طويل المدى. أدى ذلك إلى إدارة أزمات الدولة بـ “ما يعرف عندنا برزق اليوم باليوم” والانفعالات المباشرة بدلاً من الاستراتيجيات المنظمة.
3. غياب المراجعة والمساءلة الذاتية:
يتسم الخطاب السياسي السوداني بظاهرة “إلقاء اللوم على الآخر”. فالأحزاب والقيادات نادراً ما تقدم مراجعات فكرية أو اعتذارات تاريخية عن الأخطاء، مما يجعل الأخطاء ذاتها تتكرر بانتظام.

ثالثاً: مأزق الدولة الحديثة في الفكر السوداني

لم يستطع العقل السوداني -حتى الآن- توطين مفهوم “الدولة الحديثة” القائمة على دولة المواطنة والمؤسسات.

الدولة كـ “غنيمة”: تعاملت القوى السياسية المتعاقبة مع جهاز الدولة كغنيمة يتم توزيعها بناءً على الولاءات الضيقة (الحزبية، الجهوية، أو العشائرية)، بدلاً من التعامل معها كخادم للمجتمع.
القطيعة بين الشارع والنخبة: ظهرت فجوة كبيرة بين تطلعات الشارع (خاصة الشباب) وبين أنماط تفكير النخب التليدة التي تعتمد على أدوات قديمة لم تعد صالحة لمعالجة واقع معقد.

رابعاً: نحو أفق جديد لنقد الذات

إن نقد العقل السوداني لا يعني جلداً للذات أو تقليلاً من الموروث الثقافي والاجتماعي الغني بالتسامح والشهامة والتكافل، بل يعني تطهير هذا الموروث مما علق به من شوائب تعيق النهضة.

لتحقيق هذا التحول، يحتاج المجتمع والفكر السوداني إلى:

1. إعادة تعريف الهوية: القبول بالهوية السودانية الشاملة (السودانوية) القائمة على المواطنة والتعدد.
2. تأسيس العقلانية والمؤسسية: الانتقال من إدارة الدولة بالحدس والشعارات إلى إدارتها بالمعرفة، التخطيط، والمؤسسات.
3. تشجيع الحس النقدي: إتاحة المساحة للأجيال الجديدة لتفكيك المسلمات القديمة ونقد التراث السياسي والثقافي دون خوف أو تخوين.
خاتمة

إن مأزق السودان الحقيقي ليس في نقص الموارد الطبيعية أو الكوادر البشرية، بل يكمن في طريقة التفكير التي تُدار بها البلاد. ولن يبدأ الإصلاح السياسى أو الاقتصادي الشامل إلا عبرثورة فكرية ونقدية تطال بنية العقل السوداني، لتنتقل به من خانة إعادة إنتاج الأزمات إلى آفاق التأسيس لدولة العقل والمواطنة والحرية.
أعلم أن هذا المقال سوف يمر كما مرّ غيره؛ وذلك ببساطة لأن فكرة “الدولة كغنيمة” ليست مجرد سلوك سياسي عابر، بل هي “العقيدة الحاكمة” التي شكّلت العقل السياسي السوداني عبر عقوده المختلفة والى واقعنا الراهن.
طالما تُدار الدولة بمنطق “تقاسم الكعكة” لا بمنطق “بناء الوطن”، فإن كل نقدٍ فكري يُكتب يُعامل كضجيجٍ هامشي لا يعطل قطار المصالح الضيقة. إن المأزق الحقيقي يكمن في أن النخبة التي يُفترض بها تقديم الحلول، هي ذاتها التي تتغذى على الأزمة؛ تتصارع على كراسي السلطة وموارد المجتمع، وتلتحف بالشعارات الوطنية أو الأيديولوجية فقط لشرعنة الغنيمة.

تكمن الكارثة في تحوّل هذا الفكر من سلوكٍ سياسي إلى ثقافة مجتمعية عامة؛ حيث يُقاس نجاح السياسي أو المسؤول بحجم ما يحققه لحزبه، لإقليمه، أو لقبيلته من مكاسب، لا بحجم ما يقدمه من مؤسسية وحكم راشد للجميع. لقد أُنهكت الدولة حتى أصبحت هيكلاً خاوياً، يُعاد تقاسمه في كل دورة سياسية، ثم يتفاجأ الجميع بانهيار البناء فوق رؤوس الجميع!

إن الخروج من هذه الدوامة لن يتحقق بإعادة توزيع الغنائم وجوهًا وأحزابًا، بل بإسقاط “منطق الغنيمة” نفسه، وإحلال “عقد اجتماعي جديد” محله؛ يسترد الدولة لصالح المواطنة، ويجعل السلطة تكليفًا ومسؤولية تُحاسب عليها المؤسسات، لا تشريفًا تُصنع به الزعامات.
إلى أن يحدث ذلك الصدم الفكري والمجتمعي الكبير، ستظل هذه المقالات صرخة في وادٍ.. لكنها صرخة واضحة تُسجّل للتاريخ أن الأزمة لم تكن في غياب التشخيص، بل في غياب الإرادة.

‫2 تعليقات

  1. كتب الدكتور على عبدالله الخليفة طه نقدا قيما لهذا المقال بمنتديات سودانيز اون لاين لمن يريد الاطلاع عليه-لترى ادب النقاش الجاد الفكر بالفكر صراحة استمتعت بقراءة الكل لكم الشكر جميعا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..