
قصة
التماسيح
استيقظ حسان قبل الفجر بساعة. المنبه الشمسي القديم أطلق صفيره الخافت، فأطفأه بكفّه. جلس على حافة السرير، وضع قدميه على البلاط البارد، ولم يُضئ المصباح. لم يكن هناك ما يُضيء سوى الشمس، والشمس لم تُشرق بعد.
في الزاوية، اللوحة الشمسية التي اشتراها بالتقسيط منذ عام تتكئ على الحائط. تذكّره بأنّ الشهر القادم سيأتي رجل يرتدي زياً رسمياً، ويكتب رقماً في دفتره: ضريبة الطاقة البديلة. حسان لا يفهم المنطق، لكنه سيدفع.
خرج. الشارع مظلم، والماء لم يصل إلى الحنفية منذ ثلاثة أيام. جركن فارغ في يده، قرّر أن يملأه في طريق العودة — إن وجد ماء — لأن الوقت لا يسمح.
—
السوق يستيقظ ببطء. دكاكين تفتح أبوابها الخشبية، وأخرى لم يعد أصحابها بعد الحرب. تجار ينفضون الغبار عن بضائعهم. حسان هنا منذ عشرين عاماً: ينقل الصناديق، يرتّب البضاعة، يكتب الأرقام في دفتر صاحب المحل. في المساء، يأخذ أجره اليومي.
لكن قبل أن يضع الصناديق الأولى، جاء رجلان. لم يكونا من الشرطة. أحدهما حمل دفتراً، والآخر كيساً بلاستيكياً. قالوا: “الرسوم.” دفع صاحب المحل نصف ما في جيبه في حنق. سألهم حسان عن الكهرباء، فقالوا: “هذا شأن آخر.” سأل عن الماء، فقالوا: “هذا شأن ثالث.” ثم مضوا إلى الدكان المجاور.
واصل العمل. حمل الصناديق الثقيلة. كلما انحنى، شعر بشيء في ظهره يتآكل. عند الظهر، اشترى كسرة خبز وجلس يأكلها في الزاوية. نظر إلى السماء: الشمس قاسية، والغبار يعلو من الشارع. في الأفق، سمع صوتاً خافتاً. ليس رصاصاً — الرصاص الطائش صار مألوفاً لدرجة أن الناس يميّزونه الآن — كان صوت شاحنة تمر بعيداً.
—
بعد العصر، حين انتهى العمل، لم يذهب مباشرة إلى البيت. مشى نحو النيل، طمعاً في راحة نفسية قصيرة. الطريق إلى الضفة يمر بأرض خالية. منذ توقف الصيد، صار الناس يتجنبون المكان. الحرب التي مرّت من هنا قبل أشهر تركت في النهر ما يكفي لإطعام حيوانات لم تكن تجرؤ في السابق على الاقتراب من القرى. جثث أُلقيت في الماء — لا أحد يعرف لمن كانت — كانت وليمة دسمة. التماسيح سمنت، وتكاثرت، وصارت تسبح قرب السطح بلا خوف، كأن النهر صار مملكتها.
وقف حسان بعيداً عن الماء. جلس على حجر. أمامه، على الضفة، ثلاثة تماسيح تتوسد الرمال البيضاء. ضخمة، بطونها منتفخة تكاد تلامس الأرض. أخرى صغيرة، تفتح فمها ببطء، تظهر أسنانها الصفراء. نصفها في الماء، ونصفها على الطين، عيناها مغلقتان، كأنها تنام.
لم يكن هناك صيادون. ولا قوارب. فقط النهر، والتماسيح، وهو.
جلس ساعة. لم يفعل شيئاً. لم يفكر في شيء محدد. كان ينظر إلى الماء يجري، وإلى التماسيح التي لا تتحرك إلا نادراً. في لحظة، فتح التمساح الكبير عينيه. نظر إليه. لم يهرب بادله النظرات. العينان صفراوين، باردتين، ثابتتين. ثم أغمضهما، وعاد إلى نومه.
نهض حسان. الظلام يقترب.
—
في البيت، أشعل المصباح الشمسي. وضع الجركن الفارغ في الزاوية. أخرج رغيفاً من الأمس، وقطعة جبن صغيرة، وكوباً من الشاي البارد. جلس على الأرض.
زوجته تخيط ثوباً قديماً. ابنه الصغير نائم في الزاوية. لم يتكلما كثيراً. بعد صمت، قالت: “سمعت طلقات اليوم.”
قال: “كنا نخاف الرصاص الطائش.”
سكتا. عرفا المعنى: أن الرصاص صار عادياً، كالعطش، كالظلام، كالجباية. أن الخوف الحقيقي لم يعد الرصاص، بل ما تبقى بعده.
نام حسان مبكراً. متعب، ظهره يوجعه، رجلاه منتفختان. نام على ظهره، ينظر إلى السقف. رأى النهر. أوسع مما هو عليه في الحقيقة، ماؤه أسود كالزيت. أمامه، على الضفة، صف من التماسيح. عشراتها، مئاتها، بطونها منتفخة، عيونها صفراء تلمع في الظلام. كانت تنتظر. لا تهاجم. فقط تنتظر.
التفت. خلفه، على البر، كان هناك صف آخر. رجال في زي رسمي، دفاتر الرسوم في أيديهم. كانوا ينتظرون أيضاً. بين النهر والبر، لم يكن هناك مخرج.
لكن حسان لم يجلس. في يده معول. لم يتذكر متى أخذه. المعدن بارد، الخشب متشقق. نظر إلى الأرض بين قدميه: تراب جاف، متشقق، يابس. رفع المعول. ضرب الأرض. صوت خشن، طنين معدني. ضرب ثانية. ثالثة. رابعة. التراب يتطاير، والتماسيح تراقب، والرجال يراقبون.
ثم، من تحت التراب، ظهر شيء أخضر. برعم رفيع، نحيل، يتلوى للأعلى. وضع المعول جانباً، وبدأ يحفر بيديه. التراب تحت أظافره، العرق على جبينه، لكنه استمر. البرعم كبر، صار ساقاً، ثم غصناً، ثم ورقة.
لم ينظر خلفه. لم ينظر أمامه. كان ينظر فقط إلى ما بين يديه.
استيقظ على صوت الأذان. الظلام لا يزال خارج النافذة، لكنه عرف أن الفجر قادم. نهض ببطء. ظهره يوجعه، رجلاه منتفختان.
في الزاوية، اللوحة الشمسية تلمع بخفة. الجركن لا يزال فارغاً. على الطاولة، بقية الخبز من الليلة الماضية.
لبس ملابسه. حمل الجركن. قبل رأس ابنه النائم. نظر إلى زوجته التي فتحت عينيها للتو.
“السوق”، قال.
مضى في الشارع المظلم. الهواء بارد، والسماء مليئة بالنجوم. في الأفق، سمع صوت شاحنة تمر بعيداً. لم يتوقف. واصل المشي.
النهر على يمينه، في اتجاه آخر، يسكنه من يأكل وينتظر. والسوق على يساره، حيث من يأخذ ويحسب. وهو في الوسط، يحمل الجركن الفارغ، يمشي ببطء، خطوة خطوة، نحو يوم آخر.




هو المواطن السودانى لا غيره بين الالتهام والالتهام لكن الامل مش بتاع كامل ادريس دائما موجود بغد افضل ان ساء الله