
من علامات اختلال الموازين أن نصفق للإنسان قبل أن يعمل، وأن نكرمه قبل أن ينجز، وأن نحيطه بهالة من العظمة لمجرد أنه تولى منصبًا، أو نال ترقية، أو عاد من سفر، أو قدم من رحلة علاج، أو عاد من ساحات العمليات العسكرية. فالتكريم الحقيقي لا يسبق الإنجاز، بل يأتي تتويجًا له، وشهادة من المجتمع بأن صاحبه أدى الأمانة وأحسن العمل.
ومن الظواهر التي تستحق المراجعة في السودان، انتشار ثقافة الاحتفاء المبالغ فيه بمناسبات لا تستوجب كل هذا الزخم. فبمجرد تعيين شخص في منصب، أو ترقيته، أو عودته من سفر، أو رحلة علاج، أو رجوعه من ساحات العمليات، أو حتى لمجرد حضوره مناسبة اجتماعية، تنطلق مواكب السيارات، وتذبح الذبائح، وتتعالى الأغاني والأهازيج والهتافات، وتلقى كلمات المديح والثناء. بل تجاوز الأمر ذلك إلى تكريم أشخاص لا يعرف لهم إنجاز يذكر، ولا أثر واضح في خدمة المجتمع، حيث أصبح التكريم عادةً اجتماعية تمارس بلا معايير، ففقد كثيرًا من هيبته وقيمته.
وليس المقصود من هذا الحديث التقليل من شأن من يخدم وطنه، أو يؤدي واجبه، سواء كان مسؤولًا أو جنديًا أو موظفًا، فكل هؤلاء يستحقون الاحترام والدعاء بالتوفيق. لكن هناك فرقًا بين التهنئة والدعاء في بداية المهمة، وبين إقامة مهرجانات التكريم قبل أن يرى الناس ثمرة العمل.
فالمنصب ليس تشريفًا بقدر ما هو تكليف، والترقية ليست شهادة نجاح، وإنما بداية اختبار، والعودة من أداء الواجب العسكري شرفٌ يؤديه صاحبه لوطنه، لكنها ليست في ذاتها إنجازًا يقاس إلا بما تحقق من نتائج وآثار.
ومن المظاهر التي تستوقف المتأمل أن تتحول هذه المناسبات إلى استعراضات اجتماعية؛ فتسير مواكب طويلة من السيارات التي تقل أبناء قبيلة المحتفى به أو منطقته، وتتعالى أهازيج الفخر، وترفع الشعارات، وكأن المنصب أو المناسبة أصبحت مكسبًا للقبيلة، لا مسؤولية وطنية. وقد لا يقصد الناس بذلك إلا التعبير عن محبتهم، غير أن الرسائل التي تبعثها هذه المشاهد مختلفة؛ إذ تُغذي الانتماءات الضيقة، وتوحي بأن القبيلة شريك في المنصب، بينما الأصل أن المسؤول يخدم جميع أبناء الوطن بلا تمييز.
ولا تقف آثار هذه الظاهرة عند هذا الحد، بل تمتد إلى الشخص المحتفى به نفسه؛ إذ قد تُضخم هذه الاحتفالات صورته في نفسه، وتزرع فيه شعورًا بالعظمة قبل أن يحقق ما يستحق عليه ذلك الاحتفاء. فالمديح الذي يسبق الإنجاز قد يورث الغرور، ويصرف صاحبه عن الاجتهاد لإثبات كفاءته، حتى إذا واجه تحديات الواقع، ظهرت الفجوة بين الهالة التي صنعتها الاحتفالات وبين حقيقة الأداء.
كما تُرسل هذه الثقافة رسالة خاطئة إلى الأجيال، مفادها أن النجاح يُقاس بالمظاهر، وعدد المستقبلين، وطول مواكب السيارات، وعلو الأهازيج، بينما الحقيقة أن الإنسان يُقاس بما يتركه من أثر، لا بما يقام له من احتفالات.
ولا يعني هذا رفض التكريم أو التقليل من قيمته، فالتكريم من أنبل صور الوفاء إذا جاء في موضعه. ومن أجمل ما استقرت عليه المؤسسات الناجحة أن تكرم الإنسان بعد أن يؤدي رسالته، أو عند انتهاء مدة خدمته، أو بعد أن يحقق إنجازًا ملموسًا، فيكون التكريم توثيقًا لنجاحه، ورسالةً للأجيال بأن المجد يكتسب بالعمل والإخلاص، لا بالمناصب والألقاب.
ولو أن جانبًا من الأموال والجهود والأوقات التي تنفق في هذه الاحتفالات وجه إلى دعم المدارس، أو المستشفيات، أو كفالة الطلاب، أو مساعدة الأسر المحتاجة، أو تنفيذ مشروعات تنموية، لكان ذلك أنفع للمجتمع، وأبقى أثرًا، وأصدق تعبيرًا عن الوفاء للوطن.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى ثقافة تقدم العمل على المظاهر، والإنجاز على الشعارات، والوطن على القبيلة، والكفاءة على المجاملة.
فلنبارك لمن تولى منصبًا، ولندع له بالتوفيق، ولنستقبل أبناءنا العائدين من أداء واجبهم بما يليق من الاحترام، لكن لنجعل التكريم الحقيقي بعد أن يتحدث العمل عن صاحبه. فالإنجاز هو الذي يصنع المكانة، أما التكريم الذي يسبق الإنجاز، فإنه يفقد التكريم معناه، وقد يصنع غرورًا، ويغذي ثقافة المظاهر، ويبعث رسائل قبلية لا تخدم وحدة الوطن ولا مستقبل أبنائه.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.



