أخبار السودان

السودان في مصيدة الفقر… ومساعدات عشوائية

تهاوت أرقام الدعم الحكومي للسلع في السودان وسط زيادة المخاطر الجيوسياسية والأمنية، وأزمة إنسانية واقتصادية طاحنة تعاني منها البلاد منذ سنوات، وزيادة الإنفاق العسكري. وتراجعت مخصصات الموازنة العامة عن تقديم دعم للسلع الاستهلاكية والتموينية مقارنة بالسنوات السابقة، وتحولت أغلب برامج الإعانة القائمة إلى مساعدات نقدية وعينية محدودة تديرها المنظمات الأممية والدولية مثل برنامج الأغذية العالمي.

وطالب مختصون بضرورة إجراء مسح شامل لتحديد الأسر الهشة في السودان، وسط تحذيرات من الدعم العشوائي في ظل افتقاد قاعدة بيانات واضحة المعالم للمواطنين الذين يستحقون المساعدات، ويأتي ذلك في ظل التداعيات المعيشية التي ترتبت على الاضطرابات والصراعات العسكرية المستمرة منذ سنوات. ووفقاً لما أفاد به وزير الموارد البشرية في السودان، معتصم أحمد صالح، في يونيو/ حزيران الماضي، ارتفعت نسبة الفقر في السودان من 45% إلى 73%، الأمر الذي يعكس حجم التدهور الكبير في معيشة المواطنين الذي خلفته الحرب التي تعيشها البلاد منذ إبريل/ نيسان من العام 2023.
وفي السياق، حدد أستاذ الاقتصاد بجامعات سودانية، محمد الناير، في حديثه لـ”العربي الجديد” أوجه دعم الفقراء في السودان، وقال إنها تتمركز حول دعم تقوم به وزارة الضمان الاجتماعي وديوان الزكاة وبعض المؤسسات التي تقوم بدعم الفقراء عبر التمويل الأصغر، بجانب ما يُمنح للمتقاعدين في الأعياد.

ويرى الناير أن ذلك ارتبط بصورة مباشرة بحقيقة رفع الدعم في السابق عن المحروقات حتى يذهب الدعم لمستحقيه. ولكنه يرى أن الدعم المطلوب حالياً لا يتوافق مع الحجم المتوقع من سياسات الحكومة في رفع الدعم لتوظيفه نحو الأسر الفقيرة والأكثر فقراً. ويشدد الناير على أهمية رفع تقارير رسمية عن حجم الدعم الذي تقدمه الحكومة والمؤسسات الدولية للفقراء في السودان، رغم أن بعض الوزارات المختصة بدعم الفقراء تبذل مجهودات مقدرة، ولكن لا توجد إحصاءات رسمية تصدر عن تلك المؤسسات تبين مدى حجم الدعم المقدم.
ورغم أن الحكومة السودانية تعتزم بناء شراكات لتنفيذ 500 ألف مشروع يستهدف الشباب، إلى جانب مشروعات زراعية لتوفير التقاوي والأسمدة، وعمل شراكات لدعم مجموعات نسوية، إلا أن نسبة محدودي الدخل تأثرت بصورة مباشرة بالحرب السودانية المستمرة، الأمر الذي قلص من تلبية احتياجات الأسر الفقيرة، في ظل معوقات عمل المنظمات التطوعية والخيرية في دعم الأسر الأكثر حاجة في السودان.
ويرى خبراء اقتصاد أن عدم وجود بيانات دقيقة حول الفقراء في السودان أعاق الجهد الذي تبذله بعض الجهات الخيرية في دعم الأسر الفقيرة، كما أن البيروقراطية في عمل بعض البنوك الداعمة للشرائح الفقيرة فاقمت من التحديات الماثلة.
وكان تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في إبريل الماضي قد توقع أن يصل حوالي 36 مليون شخص بحلول العام 2030 إلى مستويات فقر مدقع إذا استمر الصراع في السودان دون حلول. وتقول الحكومة السودانية إنها تسعى إلى تنفيذ خطة خماسية للفترة من 2026 إلى 2030 تستهدف دعم أكثر من ثلاثة ملايين مشروع صغير لتحسين سبل العيش، وتجهيز أكثر من عشرة آلاف مشروع للمستفيدين.

وحذرت الخبيرة الاقتصادية إيناس إبراهيم من خطورة تجاهل الوضع الاقتصادي الحالي، وقالت إن الحكومة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية، تشكل أرضية لإصلاح الوضع المعيشي للمواطن، وتجنب انفلات الأوضاع في حال استمرار الأزمة هكذا دون حلول جذرية.
وقالت إن البيئة الاقتصادية الحالية لا تساعد على تحقيق أدنى طموحات المواطنين، ودعت إلى أن تشمل الإصلاحات المقترحة التركيز على المشروعات الإنتاجية، خاصة الزراعة وما يتصل بها من الصناعات التحويلية، ورفع حجم الصادرات، وتذليل العقبات الحكومية أمام المنتجين والتي قالت إنها تتمثل في تعدد الرسوم والجبايات إلى حدٍّ أخرج الكثيرين من دائرة الإنتاج لصعوبة العمل في ظل أوضاع غير محفزة على الإنتاج، وكثيراً ما يتكبدون الخسائر، الأمر الذي أدخل كثيرين تحت طائلة الفقر.
ويرى الاقتصادي هيثم فتحي أن التوجه إلى التمويل الصغير وتدريب الأسر على إطلاق مشاريع تنموية ريفية بسيطة، ومنح قروض دائمة لمشاريع دون فوائد ولمدة طويلة خاصة بهذه الأسر هو الحل الأفضل لحالة الاقتصاد السوداني، ولا سيما أن الأسر يمكن أن تعتمد على نفسها بالإنتاج. ويقول: في الوقت الحالي إن الدعم المالي المباشر هو إحدى القضايا الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها، على أن يتوجه للفئات الفقيرة وصاحبة الدخل المحدود والقطاعات الإنتاجية، بعد إجراء دراسات ومسح إحصائي دقيق.

العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..