مقالات وآراء

سوف نتعافى… عندما نتعلم كيف نحكي

زكريا علي عبدالرسول

قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تفتح باباً واسعاً على علاقتنا بأنفسنا وبذاكرتنا وبالآخرين. فالمجتمعات لا تتعافى فقط عندما تتوقف الحروب، ولا بمجرد أن يصمت السلاح أو تجلس الأطراف المتصارعة إلى طاولة واحدة. هناك شيء أعمق من ذلك يبقى حاضراً بعد توقف المعارك، شيء يسكن الذاكرة ويظهر في المواقف واللغة ونظرتنا إلى بعضنا البعض. إنه ما لم نستطع قوله في وقته.
السودانيون مجتمع كثير الكلام، لكننا كثيراً ما نتحدث حول القضايا أكثر مما نتحدث عنها. نعرف مواضع الألم، ونلمح إليها، ونسمع رواياتها في المجالس، ثم نتراجع عندما يصبح الحديث عنها علنياً. ومع الوقت تتحول الأشياء التي لم نجد الشجاعة الكافية لمواجهتها إلى طبقات من الصمت، بينما تستمر آثارها في تشكيل وعينا وسلوكنا.
المشكلة في الصمت أنه لا يلغي الحقيقة. ما لا نستطيع قوله يبقى في الذاكرة، وقد يتحول مع الزمن إلى غضب أو خوف أو مرارة. ثم تنتقل المشاعر من جيل إلى آخر، فلا يرث الأبناء الأحداث وحدها، وإنما يرثون أيضاً الطريقة التي فُسرت بها تلك الأحداث. يعرفون منذ وقت مبكر من هو الظالم ومن هو المظلوم، ومن هم «نحن» ومن هم «الآخرون»، قبل أن تتاح لهم فرصة النظر إلى التاريخ بأنفسهم.
وهكذا يتحول الماضي من تجربة انتهت إلى حاضر مستمر. تصبح الذاكرة أحياناً جزءاً من الصراع بدلاً من أن تكون وسيلة لفهمه، ويصبح الإنسان أسيراً لرواية ورثها ولم يختبر كل تفاصيلها. وربما لهذا تظل بعض النزاعات حية حتى بعد أن يتغير جيل كامل من أطرافها.
التعافي يبدأ من هنا. لا من النسيان، وإنما من القدرة على مواجهة الذاكرة.
نحتاج إلى مساحة نستطيع فيها أن نقول ما حدث لنا من دون خوف، وأن يستمع الآخر إلى روايتنا من دون أن يعتبر مجرد الاستماع اعترافاً بالذنب. وفي المقابل نحتاج إلى أن نسمح للآخر بأن يروي تجربته حتى عندما تتعارض مع تجربتنا. عند هذه النقطة نكتشف أن الحقيقة الإنسانية ليست دائماً رواية واحدة، وأن الألم يمكن أن يكون موزعاً بين أطراف مختلفة، وأن الإنسان قد يكون ضحية في موقف ومخطئاً في موقف آخر.
هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها صعبة في المجتمعات المنقسمة؛ لأننا نميل إلى الرواية التي تمنحنا البراءة الكاملة وتضع المسؤولية كلها على الطرف الآخر. غير أن النضج يبدأ عندما ننتقل من سؤال «من المذنب؟» إلى سؤال «كيف وصلنا إلى هنا؟». السؤال الثاني لا يلغي المسؤولية، لكنه يوسع زاوية النظر ويجعلنا نبحث عن الجذور بدلاً من الاكتفاء بتوزيع الاتهامات.
عندها نستطيع أن نتحدث عن تاريخ السودان بصورة أكثر هدوءاً وصدقاً. نتحدث عن السلطة وكيف توزعت، وعن المناطق التي شعرت بالتهميش، وعن المركز والأطراف، وعن القبيلة والهوية والدين، وعن الحروب التي تركت آثارها في نفوس الناس، من دون أن نحول أي قضية إلى اتهام جماعي. يمكن أن نتحدث عن دارفور باعتبارها تجربة تاريخية وسياسية وإنسانية، لا باعتبارها صورة نمطية. ويمكن أن نتحدث عن الشرق والوسط والشمال والجنوب بالطريقة نفسها، فنرى داخل كل منطقة تنوعاً في التجارب والمواقف بدلاً من اختزال الناس في كتلة واحدة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة. نحن لا نحتاج إلى أن نتفق في كل شيء حتى نعيش معاً. الاختلاف جزء طبيعي من أي مجتمع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى نزع للإنسانية. حين يصبح الآخر مجرد قبيلة أو جهة أو لون أو موقف سياسي، يصبح من السهل كراهيته، ويصبح من السهل أيضاً تبرير الأذى الذي يقع عليه.
لذلك فإن الكلام عن قضايانا المسكوت عنها يحتاج إلى أخلاق. فالكلام يمكن أن يكون بداية علاج، لكنه قد يصبح أيضاً امتداداً للصراع. يمكن للحقيقة أن تحرر الإنسان، ويمكن استخدامها للتحريض. ويمكن للنقد أن يصحح المسار، ويمكن أن يتحول إلى إهانة. الفرق لا يكمن في الموضوع وحده، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه.
لهذا نحتاج إلى شجاعة من نوع مختلف؛ شجاعة الاعتراف. من السهل أن نتحدث عن أخطاء الآخرين، لكن مراجعة الذات أكثر كلفة. المجتمع الذي يستطيع أن يقول «أخطأنا» يملك فرصة حقيقية للتغيير، بينما المجتمع الذي يبحث دائماً عن مذنب خارج نفسه سيظل يدور حول الجرح ذاته.
المصالحة، من هذا المنظور، لا تبدأ بالمصافحة. المصافحة قد تكون رمزاً جميلاً، لكنها لا تكفي وحدها. المصالحة تبدأ عندما يصبح الحديث ممكناً، وعندما يستطيع كل طرف أن يروي ما عاشه، ثم يسمع ما عاشه الآخر. عندها يتحول الماضي من ساحة للاتهام إلى مادة للفهم، ويصبح الألم معرفة يمكن التعلم منها بدلاً من أن يبقى وقوداً للانتقام.
وليس المطلوب أن نتفق على رواية واحدة للماضي. ربما يكون من المستحيل الوصول إلى رواية واحدة في مجتمع عاش كل هذه التجارب المتباينة. المطلوب هو أن نمتلك القدرة على التعايش مع تعدد الروايات، وأن نبحث عن الحقيقة دون أن نجعل اختلافنا حولها سبباً جديداً للعداء.
التعافي الحقيقي ليس محواً للذاكرة. هو أن نتذكر دون أن نكره، وأن نعترف دون أن ننتقم، وأن نفهم دون أن نبرر، وأن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء. وحين نصل إلى هذه المرحلة تصبح الذاكرة جسراً إلى المستقبل بدلاً من أن تكون جداراً يفصلنا عنه.
ربما لهذا السبب لا يحتاج السودان إلى المزيد من الصمت بقدر ما يحتاج إلى تعلم الكلام الصحيح. نحتاج إلى فتح الملفات التي ظلت مغلقة، لا لكي نحاكم الماضي إلى الأبد، وإنما لكي نفهمه ونضعه في مكانه الصحيح. نحتاج إلى مساحة يستطيع فيها المظلوم أن يتحدث، ويستطيع المختلف أن يرد، ويستطيع الجميع أن يراجعوا أنفسهم من دون خوف.
في النهاية ليست المشكلة أننا اختلفنا، فالاختلاف طبيعي. المشكلة أننا لم نتعلم كيف ندير اختلافنا، ولم نتعلم كيف نتحدث عن جراحنا من دون أن نحولها إلى أسلحة. وحين نتعلم ذلك، يصبح الكلام بداية للوعي، وتصبح الذاكرة طريقاً للتعلم، ويصبح الاختلاف جزءاً من الحياة بدلاً من أن يكون مقدمة للصراع.
سوف نتعافى عندما نتعلم كيف نحكي.
ليس المقصود أن نتحدث أكثر، وإنما أن نتحدث بصدق، وأن نمتلك شجاعة مواجهة ما ظللنا نخشى مواجهته. فحين نستطيع أن نقول ما يؤلمنا دون أن نكره من يختلف معنا، وحين نستطيع أن نسمع ألم الآخرين دون أن نشعر بأن ذلك ينتقص من ألمنا، نكون قد بدأنا بالفعل في تجاوز الماضي.
فقط نتعلم كيف نحكي… وربما عندها يبدأ التعافي.
تحياتي

‫5 تعليقات

  1. سوف نتعافي… عندما نتعلم كيف نحكي…

    من تخاطب يا استاذ زكريا، ؟؟..

    هذا الخطاب يجب توجيهه للمجتمعات الدارفورية، عسي ولعل ان ينصلح حالهم،.

    .. نصحي لك استاذ زكريا ان تصلحوا حالكم أولا في دارفور،وان يتقبل بعضكم البعض، قبل ان تدعوا للبقاء في دولة موحدة مع بلاد النيلين ،وهذا لعمري ضربا من المستحيل..

    بلاد النيلين لم تمتثل للحديث النبوي الشريف ( لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)..
    لدغت بلاد النيلين ثلاث (3) مرات من دارفور، وما زال بعضنا يتعشم في بقاء دولة السودان التي لملم اطرافها المستعمر لتحمل اسباب فنائها في دواخلها..

    … استاذ زكريا ذهب الجنوب لحاله، لان الجنوبيين كانوا اصحاب قضية،لم يختاروا البقاء ضمن دولة السودان، لكي يمارسوا الابتزاز وبه ينالوا المناصب والهبات والعطايا, كما يفعل القادة والساسة الدارفوريون.الذين استمرؤا حياة الدعة والبذخ، لم يعيروا اهلهم في المعسكرات أي التفاته. ربما بعض الزيارات امام كاميرات الإعلام ، في معية فوج من العربات الفاخرة، وحرس مدجج بالسلاح..!!!.

    .. استاذ زكريا اصلحوا ذات بينكم في دارفور واعمل بالمثل القائل ( يا واعظ الناس،عظ نفسك), قبل ان توجه النصح لبقية اهل السودان…
    ويبقي خيار تقسيم السودان، هو الخيار الذي لا بديل له،شاء من شاء، وابي من ابي.حتي تنعم بلادنا بالامن والامان……

    1. يا اخي سيف العزل لا تظلم استاذنا الجليل زكريا فقد وجه خطابه الي كل المكونات السودانيه من دارفوريين وشماليين ووسطيين وعرب وزرقه
      يا رجل كلنا خطاءون وخير الخطاءون التوابون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..