مقالات وآراء

السودان في المنطقة العمياء

في الرواية الحديثة، لم يعد السؤال عن الحكاية مقصوراً على معرفة من يرويها، لأن الراوي الذي يحمل صوت السرد ليس بالضرورة هو العين التي نرى من خلالها العالم الحكائي. قد يكون الصوت واحداً بينما تتغير زاوية النظر، وقد يظل الحدث ثابتاً في وقائعه بينما يتبدل معناه كلما انتقل من وعي إلى آخر، حتى يصبح اختلاف الرؤية جزءاً من بناء الحقيقة نفسها، لا مجرد اختلاف في طريقة وصفها. ومن هنا جاء مفهوم التبئير في السرديات الحديثة، بوصفه تنظيماً لمجال الرؤية والمعرفة داخل النص، وتحديداً لما يصل إلى القارئ وما يبقى خارج مجال إدراكه.

ولعل ما يجعل هذا المفهوم صالحاً للتأمل خارج الأدب أن الإنسان، في حياته السياسية والاجتماعية، لا يرى العالم من مكان محايد؛ إنه ينظر إليه من موقع صنعته التجربة والذاكرة والمصلحة والخوف، ومن داخل منظومة من المعلومات والتوقعات التي تحدد له، في الوقت نفسه، ما يبدو واضحاً وما يصعب عليه حتى أن يراه. ولهذا فإن كل رؤية، مهما بدت واسعة، تحمل في داخلها منطقة لا تصل إليها.

وعندما نضع هذه الفكرة أمام السودان في لحظته الراهنة، تبدو المسافة بين السرد والسياسة أقل مما قد نتخيل. فالسودان الذي يظهر في خطاب المؤسسة العسكرية ليس هو السودان الذي يظهر في خطاب الدعم السريع، والسودان الذي تراه القوى المدنية من موقع الثورة والانتقال ليس هو السودان الذي تسكنه ذاكرة الإسلاميين، بينما يعيش المواطن العادي داخل سودان آخر لا يحتاج في وصفه إلى كثير من المصطلحات السياسية؛ يكفيه أن يعرف إن كان بيته ما يزال قائماً، وإن كان الطريق آمناً، وإن كان أبناؤه في مأمن، وإن كان الغد سيأتي بالطريقة التي اعتاد أن يعرفها.

لا يعني ذلك أن هناك سودانات متخيلة لا علاقة لها بالواقع، وإنما يعني أن الواقع نفسه أصبح موزعاً بين مواقع نظر متعددة، يحمل كل منها جزءاً من الصورة، ويعيد ترتيب ذلك الجزء وفقاً لتاريخه وموقعه ومخاوفه ومصالحه، حتى يصبح ما هو واضح في عين ما غامضاً في عين أخرى، وما يبدو ضرورة في مكان يبدو خطراً في مكان آخر.

من داخل المؤسسة العسكرية، تبدو الدولة مركز الحكاية، وتصبح وحدة القرار واحتكار القوة والسيادة وحماية المؤسسات عناصر أساسية في تعريف الأزمة. ومن هذه الزاوية يمكن أن تبدو الحرب، قبل أي شيء آخر، معركة على بقاء الدولة ومنع تفككها، ويصبح استعادة احتكار القوة شرطاً لاستعادة الدولة نفسها.

لكن العين التي تنظر إلى الدولة من داخل المؤسسة قد لا ترى بالوضوح نفسه كيف تبدو المؤسسة من خارجها، وكيف يمكن أن يراها مواطن أو سياسي أو جماعة اجتماعية باعتبارها جزءاً من تاريخ طويل تداخلت فيه الدولة بالمؤسسة العسكرية، وتحولت فيه العلاقة بين السلطة والسلاح إلى واحدة من أعقد مشكلات الحياة السياسية السودانية. فما يبدو من الداخل حماية للدولة يمكن أن يُقرأ من الخارج باعتباره استمراراً للدور السياسي للمؤسسة، وما يبدو ضرورة للحفاظ على النظام العام قد يُفهم باعتباره خوفاً من انتقال السلطة إلى المجال المدني.

وفي الجهة الأخرى، يتشكل السودان من موقع مختلف داخل قيادة الدعم السريع، حيث تتقاطع تجربة القوة مع تاريخ آخر في العلاقة مع المركز والدولة، ومع شعور بأن هذه القوة أصبحت جزءاً لا يمكن تجاهله في معادلة السلطة، وأن إقصاءها من إعادة تشكيل الدولة ليس أمراً يمكن قبوله. من هذه الزاوية يمكن أن يبدو الصراع مع المؤسسة العسكرية معركة على موقع جديد في الدولة وعلى شكلها القادم، بينما تبدو القوة نفسها، من زاوية أخرى، تهديداً لوجود الدولة وللمجتمع وللمبدأ الذي يجعل السلاح خاضعاً لمؤسسة وطنية واحدة.

لا تتغير الوقائع بالضرورة عندما تنتقل العين من موقع إلى آخر، لكن معناها السياسي يتغير، لأن الفعل الواحد لا يصل إلى الوعي مجرداً من الموقع الذي يراه. ما يراه طرف دفاعاً عن موقعه قد يراه الطرف الآخر تهديداً لوجوده، وما يبدو من الداخل ضرورة لا بديل عنها قد يبدو من الخارج محاولة لفرض أمر واقع، وكلما اتسعت المسافة بين موقعي الرؤية أصبح من الممكن أن يتحدث الطرفان عن الحدث نفسه بلغة لا تكاد تلتقي، لأن كلاً منهما لا يصف العالم كما هو في تجرده، وإنما كما يظهر له من المكان الذي يقف فيه.

أما القوى المدنية فقد دخلت إلى المشهد من نافذة مختلفة، صنعتها الثورة وفكرة الانتقال والدولة المدنية، ولذلك بدا لها أن جذور الأزمة تكمن في العلاقة التاريخية بين السياسة والسلاح، وفي استمرار بنية تجعل المؤسسة العسكرية لاعباً سياسياً يتجاوز وظيفتها المهنية، وفي العجز عن تأسيس عقد جديد يضع السلطة في المجال المدني ويعيد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع.

هذه الرؤية تلتقط جانباً أساسياً من المأزق، لكنها لا تخلو بدورها من حدود الموقع الذي جاءت منه؛ إذ يمكن للسودان الذي ينبغي أن يكون أن يصبح أكثر حضوراً من السودان الموجود فعلاً، ويمكن للصورة المعيارية للدولة المدنية أن تتقدم على تعقيدات القوة التي تتحرك على الأرض، وعلى المصالح التي تجعل بعض الفاعلين يتعاملون مع السياسة بوصفها صراعاً على البقاء لا مجرد منافسة بين تصورات دستورية مختلفة.

والإسلاميون يدخلون إلى المشهد من نافذة صنعتها تجربة أخرى، تجعل الحاضر متصلاً بذاكرة الإنقاذ وبما يرونه تاريخاً من الإقصاء والاستهداف، ولذلك يمكن أن تبدو التحولات التي أعقبت الثورة بالنسبة إليهم جزءاً من صراع يتجاوز تغيير الحكومة إلى محاولة إعادة تعريف موقع مشروعهم في السودان.

لكن الذاكرة التي تجعل الإقصاء واضحاً في عين صاحبها قد تحجب عنه، في الوقت نفسه، ذاكرة الآخرين تجاه التجربة نفسها؛ فهناك سودانيون يحملون سنوات الإنقاذ بوصفها تجربة مختلفة تماماً، ويقرؤون احتمال عودة الإسلاميين من موقع تاريخي يجعل ما يراه طرف استهدافاً سياسياً يبدو للطرف الآخر خوفاً من إعادة إنتاج الماضي.

وهكذا لا يدخل الماضي إلى الحاضر بوصفه أرشيفاً منتهياً، وإنما يدخل معه إلى طريقة رؤية الحاضر نفسه. العسكري لا يحمل إلى الحرب اللحظة الراهنة وحدها، والمدني لا ينظر إلى المؤسسة العسكرية منفصلاً عن تاريخها السياسي، والإسلامي لا يقرأ خصومه بعيداً عن ذاكرة ما يعتبره إقصاءً، والهامش لا يرى المركز باعتباره جغرافيا فحسب، وإنما باعتباره تاريخاً متراكماً من التهميش والحرب واختلال توزيع السلطة والثروة.

كل واحد من هؤلاء يحمل سوداناً سابقاً داخل السودان الذي يراه الآن، ولذلك لا تكون المواجهة دائماً بين مصالح حاضرة فقط، وإنما بين ذواكر تتصارع داخل الحاضر أيضاً.

غير أن المواطن السوداني يقف في مكان آخر، وربما كان موقعه أكثر قسوة لأنه لا يملك ترف النظر إلى البلاد من مركز السلطة أو من موقع المشروع السياسي. الحرب تصل إليه في صورة مختلفة؛ بيت يغلق أبوابه قبل الغروب، سوق يفقد أمانه، مستشفى يصبح بعيداً، راتب يتوقف، أسرة تتفرق، مدينة مألوفة تتحول إلى مكان ينبغي النجاة منه، ومستقبل كان يبدو عادياً يصبح فجأة سؤالاً مفتوحاً.

السياسي يستطيع أن يتحدث عن السودان الذي سيأتي بعد الحرب، والعسكري يستطيع أن يتحدث عن الدولة التي يريد استعادتها، والقوة المسلحة تستطيع أن تتحدث عن موقعها في السودان القادم، لكن المواطن يعيش السودان الذي يحدث الآن. ولذلك فإن المسافة بين اللغة التي تتحدث بها النخب عن البلاد وبين الحياة التي يعيشها الناس ليست مجرد اختلاف في التعبير، وإنما قد تكون واحدة من أكثر الفجوات تأثيراً في إنتاج الأزمة نفسها.

ويذهب النازح بهذه الفجوة إلى أقصاها، لأنه يرى الدولة من خارج المكان الذي كان يجعلها ملموسة في حياته. بالنسبة إليه لا تختبر الدولة في البيانات ولا في المؤتمرات ولا في الخرائط السياسية، وإنما في إمكانية العودة إلى بيت لم يعد مجرد عنوان، وفي طريق يمكن عبوره دون خوف، وفي سوق يستطيع الوصول إليه، وفي ليل لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن ينام وهو يتوقع أن يتغير كل شيء قبل الصباح.

ومن هذه الزاوية يصبح النازح شاهداً، من حيث لا يريد، على المسافة بين الدولة كما تظهر في الخطاب والدولة كما تُختبر في الحياة.ثم تأتي عين أخرى لا تكتفي برؤية المشهد، وإنما تشارك في تحديد ما يصل إلى الآخرين منه، وهي عين الإعلام. فالخبر لا يستطيع أن ينقل مدينة كاملة، والصورة لا تستطيع أن تحتوي الحرب كلها، والتغطية تختار بطبيعتها ما يدخل إلى الكادر وما يبقى خارجه، فتظهر مدينة أكثر من أخرى، وتصبح مأساة ما أكثر حضوراً من مأساة ما، وتتحول بعض الصور إلى رموز بينما تختفي صور أخرى في مساحة لا تقل قسوة عن الحدث نفسه.وبذلك لا يكون الإعلام مجرد ناقل للرؤية السياسية، وإنما يصبح جزءاً من صناعة مجال الرؤية، لأنه لا يحدد فقط ما نعرفه عن السودان، وإنما يشارك أيضاً في تحديد ما ننتبه إليه وما يمكن أن يظل خارج انتباهنا.
والخارج يأتي بدوره إلى السودان بعين ليست سودانية بالضرورة. قد يراه بوصفه أزمة إنسانية، أو حرباً تهدد الاستقرار الإقليمي، أو ساحة تتقاطع فيها مصالح دول متعددة، أو ملفاً يحتاج إلى تسوية سياسية.
وكل واحدة من هذه الرؤى تلتقط جانباً حقيقياً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحتوي وطناً كاملاً، لأن السودان الذي يراه الخارج كملف قد يكون في عين السوداني بيتاً وذاكرة وأرضاً وأهلاً، وما يبدو في لغة السياسة الدولية رقماً أو منطقة نفوذ قد يكون في حياة شخص ما المكان الوحيد الذي عرفه وطناً.
تعدد هذه العيون ليس المشكلة في حد ذاته، بل ربما يكون ضرورياً لفهم بلد معقد مثل السودان، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الرؤية الجزئية إلى يقين كامل، وعندما يصبح ما يقع خارج مجال النظر شيئاً لا يدخل في الحساب أصلاً. عندها لا تعود لكل طرف منطقة عمياء تخصه وحده، وإنما تبدأ هذه المناطق في التأثير في بعضها بعضاً، فتنتج شبكة من التصورات المتبادلة التي يصعب على أي طرف أن يخرج منها دون أن يعيد النظر في الطريقة التي يرى بها نفسه والآخر.قد لا يرى العسكري خوف المدنيين من استمرار الدور السياسي للمؤسسة، فيفسر اعتراضهم باعتباره عداءً للمؤسسة نفسها، وقد لا ترى القوى المدنية حجم المخاوف التي تتحرك داخل المؤسسة، فتقرأ تحفظاتها باعتبارها رغبة خالصة في الاستمرار في السلطة، وقد لا ترى القوة المسلحة أثر وجودها في مخيلة مواطن يخاف من تكرار تجربة السلاح، فتفسر مقاومة مشروعها باعتبارها محاولة لإقصائها، بينما لا يرى المدني في خطاب الإسلاميين إلا احتمال عودة الماضي، ولا يرى الإسلامي في الموقف المدني إلا امتداداً لمشروع يريد إبعاده من المجال العام.عند هذه النقطة لا يكون ما يجري مجرد سوء فهم عابر يمكن أن تزيله جلسة تفاوض أو بيان سياسي، لأن كل طرف يبدأ في تفسير سلوك الآخر من خلال الصورة التي كوّنها عنه، ثم يتصرف على أساس ذلك التفسير، فيأتي رد الطرف الآخر متأثراً بالصورة التي يحملها بدوره، فتبدو الاستجابة الجديدة دليلاً على صحة الصورة الأولى، وتتحول المخاوف القديمة إلى وقائع جديدة تؤكدها.هكذا يمكن للرؤية المحدودة أن تنتج الواقع الذي كانت تخشاه، لا لأنها كانت صحيحة في كل ما افترضته، وإنما لأن القرارات التي بنيت عليها دفعت الأطراف إلى سلوك جعل بعض أسوأ الاحتمالات أقرب إلى التحقق.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الخلاف السياسي لتلامس طريقة اشتغال العقل نفسه في بيئة يختلط فيها الخوف بالمعلومة الناقصة، والذاكرة بالمصلحة، والتوقع بالسلوك.
فالإنسان لا يتخذ قراره في عالم كامل المعلومات، ولا يتعامل مع الآخرين كما هم دائماً، وإنما يتعامل معهم من خلال صورة ذهنية عنهم، وهذه الصورة لا تتشكل من الوقائع وحدها، وإنما تدخل في تركيبها التجربة السابقة، والهوية، واللغة التي يسمع بها الأخبار، والبيئة التي ينتمي إليها، والأشياء التي يصدقها قبل أن يبدأ في التفكير.
لذلك قد يكون الفاعل عقلانياً تماماً داخل العالم الذي يراه، وقد يبدو قراره ضرورياً من داخل خريطته الذهنية، بينما يبدو القرار نفسه مدمراً لمن يقف خارج تلك الخريطة.
وليس الخطأ دائماً في الحساب؛ فقد يكون الخطأ أعمق، في الخريطة التي جرى الحساب داخلها، وفي الأشياء التي اعتبرها العقل ممكنة منذ البداية والأشياء التي لم يسمح لها حتى بالدخول إلى مجال الاحتمال.
بهذا المعنى تصبح العقلانية المقيدة أكثر من مجرد وصف لطريقة اتخاذ القرار، لأنها تكشف كيف يمكن لعقول مختلفة، يعمل كل منها وفق منطق داخلي يمكن فهمه، أن تدفع في مجموعها نحو نتيجة لا يريدها أي منها كاملة.
ليست الكارثة بحاجة إلى عقول مجنونة حتى تقع؛ يكفي أن تعمل عقول متعددة بكفاءة داخل خرائط ناقصة، وأن تتفاعل قراراتها مع بعضها بطريقة تجعل كل خطوة تبدو معقولة في لحظتها، بينما يقود تراكمها إلى مسار شديد القسوة.
وقد لا يكون السودانيون أسرى ما يعرفونه فقط، وإنما أسرى ما لا يستطيعون رؤيته؛ فالمنطقة العمياء لا تعني مجرد معلومة غائبة، وإنما تعني أحياناً شيئاً لا يظهر أصلاً داخل طريقة التفكير التي ننظر بها إلى العالم، ولهذا قد يكون من الصعب على الإنسان أن يبحث عنه قبل أن يدرك أن هناك شيئاً غائباً.
ومن هنا يصبح توسيع مجال الرؤية شرطاً من شروط الخروج من الدائرة، لا بمعنى أن تتساوى الرؤى أو تتساوى المسؤوليات، ولا بمعنى أن يتحول الصواب والخطأ إلى وجهتي نظر متكافئتين، وإنما بمعنى أن يستطيع كل طرف أن يرى شيئاً من الواقع الذي يصعب عليه رؤيته من موقعه الأصلي.
أن يرى العسكري الدولة أيضاً من عين المواطن الذي يخاف من استمرار السياسة داخل المؤسسة، وأن يرى السياسي قوة الواقع من عين من يحمل السلاح، وأن يرى صاحب السلاح أثر قوته في عين من يعيش تحتها، وأن يرى المدني حدود مشروعه داخل عالم لا تتحرك فيه الأفكار وحدها، وأن يرى الإسلامي ذاكرة الآخرين كما يرى ذاكرته، وأن يرى الجميع أن المواطن الذي يدفع ثمن هذه الصراعات ليس هامشاً في الحكاية، وإنما هو المعنى الذي يفترض أن تستعاد الدولة من أجله.
ليست الغاية أن تتطابق العيون، لأن التطابق ليس شرطاً للحقيقة، وإنما أن تعرف كل عين حدودها، وأن تدرك أن الموقع الذي يمنحها رؤية معينة يحجب عنها، في الوقت نفسه، جزءاً آخر من المشهد.
فالمبئّر ليس الحقيقة نفسها، وإنما هو الموقع الذي تمر عبره الحقيقة إلى الوعي، وحين يتحول هذا الموقع إلى مركز وحيد للرؤية يصبح كل ما يقع خارجه قابلاً لأن يُنفى أو يُساء تفسيره أو يُختزل في صورة مسبقة.
وربما لهذا لا يحتاج السودان إلى رواية واحدة جديدة بقدر ما يحتاج إلى قدرة جديدة على رؤية الروايات المتعددة التي صنعته، وعلى التمييز بين ما هو واقع فيها وما هو أثر للموقع الذي جاءت منه، لأن البلاد أكبر من المؤسسة العسكرية، وأكبر من الدعم السريع، وأكبر من القوى المدنية والإسلاميين والنخب التي تتحدث باسمها، وأكبر من كل مشروع يريد أن يختصرها في صورته الخاصة.
هناك سودان لا يظهر كاملاً في أي خطاب، لأنه موزع بين كل هذه المواقع، وفي الوقت نفسه يقع خارجها جميعاً؛ سودان المواطن الذي لا يملك بندقية ولا منصة، وسودان النازح الذي يحمل بيته في ذاكرته، وسودان القرية التي لا تصل إليها الكاميرات، وسودان المدينة التي لا تظهر إلا عندما تدخلها الحرب، وسودان الأجيال التي ستولد وهي تحمل نتائج قرارات لم تشارك في صنعها.
ذلك السودان هو الجزء الذي لا تراه أي عين منفردة، وربما كانت المأساة أن القوى المتصارعة تنشغل، كل واحدة منها، بالدفاع عن السودان الذي تراه، بينما يواصل السودان الذي لا تراه أي منها دفع الثمن.
في الرواية، قد يكتشف القارئ في نهاية الحكاية أن المشهد الذي بدا مكتملاً لم يكن سوى زاوية من زواياه، وأن الحقيقة كانت موزعة بين شخصيات لم تكن تملك، منفردة، القدرة على رؤيتها كلها.
أما السودان فلا يملك رفاهية انتظار الصفحة الأخيرة، لأن الحكاية التي تكتب الآن لا تترك لنا فرصة العودة إلى البداية بعد أن نعرف ما غاب عن أعيننا.
ولذلك ربما لا يبدأ التغيير الحقيقي من تبديل الراوي، وإنما من توسيع مجال الرؤية؛ من أن نتعلم، وسط هذا الركام الهائل من اليقين، أن نترك مكاناً لما لم نره بعد، وأن ندرك أن السودان الذي نبحث عنه قد لا يكون موجوداً كاملاً في أي رواية نملكها الآن.
ربما يكون السودان الذي نحتاج إلى إنقاذه هو، في نهاية الأمر، ذلك السودان الذي ظل طويلاً خارج الكادر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..