مقالات وآراء

الخرطوم.. قيامة النيل وعودة الروح

السماني شكرالله

لا يُنكر عُسرَ اليوم في الخرطوم إلا مكابر، ولا يتغاضى عن جراحها إلا من أعمى الله بصيرته عن جلال الصمود. تبدأ صباحك في هذه العاصمة الجريحة بمكابدة المجهول؛ مواصلاتٌ شحيحة تنهك الجسد، وخدماتٌ تداعت أرشاشُها، وفتيل كهرباءٍ ينطفئ ليمتحن صبر الصابرين. أما الماء—وما أدراك ما الماء—فليس الحديث هنا عن نقائه وسطائه، بل عن أصل وجوده كيفما اتفق، يُطارد كما تُطارد الأطياف. أضف إلى ذلك غلاءً يلتهم القوت، وجشعاً في نفوس بعض الباعة لم تزدها المأساة إلا قسوة، وتجاوزاتٍ على الطرقات تثقل كاهل المنهكين، وكأن المصيبة لم تكن كافية لتهذيب النفوس!

إنها حقيقةٌ لا تجملها العبارات: الحياة في الخرطوم اليوم ليست سهلة، وتستصرخ جهوداً مخلصة وعاجلة من حكومة الولاية والمركز، بل ومن المجتمع الدولي بأكمله، كي تعود هذه المدينة العريقة كما كانت دائماً: صالحة للسكن، ومرحابة بأهلها وضيوفها، تسكب الضياء على جانبَي النيلين.
ولكن، وعلى الرغم من كل هذا الوجع، تظل الخرطوم تمارس سحرها القديم؛ للعودة مغرياتٌ لا تقاومها الأرواح، أولها ذلك الشوق الدافق إلى الديار، والحنين إلى حضن العاصمة الدافئ الذي لا يعوضه زيف اللجوء ولا برودة المغتربات. إن المعاناة على تراب الوطن أرحم ألف مرة من النزوح والشتات في بلادٍ ضاق أهلها ذرعاً بشعبٍ كريم أبت عليه الأقدار إلا أن يغادر أحن أرض.
انظر حولك في الصباح الباكر، وستبصر الشواهد التي تهزم اليأس: أولئك السمر الصغار، بوجوههم الوضاءة وحقائبهم البسيطة، يحملون الكراريس ويخطون بنشاط نحو مدرسةٍ كانت مجرد حلمٍ غائم قبل أشهر. انظر إلى السواعد السمراء للعمال المتعبين وهم يبتغون رزقهم الحلال بين الركام. وأعظم الحوافز جميعاً هي تلك البيوت التي عبث بها العابثون، لكنها ما زالت واقفة شامخة تحرس الذكريات؛ ترى ذلك جلياً في أزقة الأحياء المحيطة بالمدرعات: في “الشجرة”، و”اللاماب”، و”غزة”، و”يثرب”، و”الشهيد طه الماحي”، و”البجراوية”. وهناك يقف “مسجد الشهيد صبير”، تصمت مأذنته اليوم بعد أن كانت تصدح بالأذان، تحكي لك جدرانه عن عظم المصيبة وحزن الأيام بعد أن غادرها معظم أهلها لينجوا بأنفسهم من حربٍ غاشمة استهدفت المواطن في ماله وعرضه ونفسه.
لكن الحق يقال: الحياة بدأت تنبض في أوصال الخرطوم من جديد، والأمل يكبر مع كل صباح. فها هو مطار الخرطوم يعاود العمل—ولو من صالة الحج والعمرة—لتدب الفرحة في القلوب برغم توقف الطيران الأجنبي. والأمل الأعظم ينبعث من روح الجسد الطبي، مع عودة المستشفيات المرجعية للخدمة، كمستشفى أُم درمان التعليمي، وبحري التعليمي، وحوادث جبرة، وشيخ المستشفيات “مستشفى الخرطوم التعليمي”، ولو بأجزاء منه. كلها أضواء تُسرج في قنديل التعافي.

لقد تجاوزنا المرحلة الأصعب، وبدأت رحلة الأمل لتخرج الخرطوم لسان السخرية لكل من راهن على مقتلها ودمارها الداخلي. السمر قادمون لا محالة من كل فج عميق؛ عائدون من “فيصل”، و”كعابيش”، و”المطبعة”، و”حدائق الأهرام”، راجعين إلى ديار هم أصلها وعزها. وكما قال إخوتنا في شمال الوادي: “من خرج من داره قل مقداره”، وهي حكمة تجسد سنة الله في الخلق، لكن دوام الحال من المحال، وسيُبدل الله بعد عسرٍ يسراً، ومن بعد الضيق فرجاً ومخرجا.

سوف نعود لنغني مع الخليل، وسيد خليفة، والتجاني يوسف بشير، سنشدو للخرطوم مع أحمد المصطفى ونحتفي بـ “الخرطوم تلاتة”، نودع إلى غير رجعة عهد الانحطاط والرداءة، ونطوي صفحة العابثين، لنسترد قيمنا الأصيلة؛ فنحن شعبٌ مؤدب، متدين، عفيف اليد واللسان، لا تكسره الحروب ولا تغير نقاءه الأيام.

تعليق واحد

  1. عادت الخرطوم علي حساب الآخرين في الشرق والغرب والشمال حيث لجأ اهلها الي الأقاليم وتخطيء الحكومة في إهمال باقي البلاد فقط لنقول عادت الخرطوم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..