أي حوار سوداني نريد؟ بين المخاوف المشروعة وشروط المصداقية

يجيء هذا المقال في أعقاب نقاشات وملاحظات وردتني من بعض قيادات التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” حول الدعوة إلى حوار سوداني سوداني داخل البلاد، اتسم بعضها بقدر من الحدة، وفي ضوء مقال مهم للأستاذ عمر الدقير، القائد البارز في التحالف ورئيس حزب المؤتمر السوداني، حول رفض تعبير “العفو” وأهمية ألا تنفصل أي دعوة للحوار عن هدف إنهاء الحرب بالحل السياسي.
وقد وجدت في هذه المواقف، رغم اختلاف نبرتها، ما يستحق التوقف عنده، لا للرد أو السجال، بل لمحاولة نقل النقاش من دائرة المواقف المتبادلة إلى سؤال أوسع:* أي حوار سوداني نريد؟ وما الشروط التي تجعله مستقلاً، آمناً، مرتبطاً بوقف الحرب، ومستحقاً للثقة؟*
أثار الحديث المتجدد عن حوار سوداني سوداني داخل البلاد، وما صاحبه من تسريبات ومواقف وتحفظات، أسئلة مشروعة حول طبيعة هذا الحوار، ومن يملكه، ومن يشارك فيه، وما علاقته بوقف الحرب، وما الضمانات التي تمنع تحوله إلى مسار شكلي أو جزئي أو خاضع لأي طرف من أطراف الحرب.
هذه الأسئلة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها رفضاً للحوار من حيث المبدأ، كما لا ينبغي، في المقابل، تجاوزها أو التقليل من شأنها.
فالمشكلة ليست في مبدأ الحوار، وإنما في شروطه ومنهجه وضماناته وموقعه من أولوية وقف الحرب.
وقد عكست مواقف وكتابات صدرت عن قيادات في “صمود” حساسية واضحة ومفهومة تجاه أي حديث عن حوار داخل السودان إذا بدا منفصلاً عن وقف الحرب، أو قريباً من سلطة الأمر الواقع، أو قابلاً لأن يتحول إلى إلهاء عن الهدنة الإنسانية والترتيبات الأمنية والسياسية الجادة.
وهذه حساسية لا ينبغي تجاهلها أو التخفيف من شأنها، لأنها لا تأتي من فراغ، بل من تجارب سودانية سابقة جرى فيها استخدام شعار الحوار أحياناً لاحتواء الأزمات لا لمعالجتها، أو لتوسيع قاعدة القبول بسلطة قائمة لا لفتح مسار وطني مستقل، أو لإنتاج توافقات شكلية لا تمس جوهر الأزمة.
ولذلك فإن التخوف من أي حوار لا يسبقه وضوح في الهدف، ولا تحكمه ضمانات حقيقية، ولا يملك استقلاله عن أطراف الحرب وسلطة الأمر الواقع، هو تخوف مفهوم ومشروع.
ومن المهم هنا، أيضاً، التمييز بين إلغاء الإجراءات التعسفية والبلاغات ذات الطابع السياسي، وبين تسميتها “عفواً”.
فالعفو يفترض وجود جريمة، بينما الموقف السياسي السلمي لا ينبغي أن يُجرّم أصلاً.
ولذلك فإن المطلوب ليس منّة سياسية على من طالتهم البلاغات، بل تصحيح وضع خاطئ نشأ عن استخدام القانون في الصراع السياسي، وضمان حرية النشاط السياسي السلمي وحرية الرأي والتنظيم.
كما أن المعيار الذي تطرحه بعض قيادات “صمود”، وهو أن يكون هدف أي عملية سياسية إنهاء الحرب لا التكيّف مع واقعها، معيار صحيح ولا ينبغي القفز فوقه.
لكن هذا المعيار يحتاج إلى ترجمة عملية: كيف نضمن أن يكون وقف الحرب في قلب أجندة أي حوار؟ وكيف نمنع أن يتحول الحوار إلى ترتيب سياسي ينطلق من الأمر الواقع الذي أنتجته الحرب، بدلاً من أن يكون مدخلاً لتغييره وإنهائها؟
ومن المهم، بالقدر نفسه، ألا يُقرأ موقف “صمود” باعتباره رفضاً للحوار من حيث المبدأ.
فقد أكدت قياداتها، في أكثر من مناسبة، الانفتاح على التواصل والحوار من أجل وقف الحرب.
لكن تحفظها الأساسي ينصب على أي حوار لا يجعل إنهاء الحرب هدفه المركزي، أو يبدو منفصلاً عن المسارات الأمنية والإنسانية، أو قريباً من سلطة الأمر الواقع.
لكن الاعتراف بمشروعية هذه المخاوف لا يعني أن يتحول كل حديث عن حوار سوداني سوداني إلى موضع اشتباه مسبق، أو أن يُترك المجال كله للمسارات الخارجية وحدها، أو للمبادرات الناقصة التي قد تتحرك دون مساءلة أو تصحيح.
فالسؤال العملي اليوم ليس: هل نتحاور أم لا؟ بل: أي حوار نريد؟ ومن يملكه؟ وتحت أي شروط؟ وبأي ضمانات؟ وما علاقته بوقف الحرب وبالمسارات الأمنية والإنسانية والسياسية القائمة؟
إن أي حوار جاد لا يمكن أن يكون بديلاً عن وقف الحرب، ولا عن الهدنة الإنسانية، ولا عن الترتيبات الأمنية والعسكرية اللازمة لإنهاء القتال.
كما لا يمكن أن يكون غطاءً لسلطة الأمر الواقع، أو وسيلة لإعادة إنتاج قوى بعينها، أو منصة للإفلات من العقاب.
لكنه، في الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون معزولاً تماماً عن الحرب، لأن الحرب نفسها نتاج أزمة سياسية ووطنية عميقة، ولا يكفي وقف إطلاق النار وحده لمعالجة جذورها أو منع تكرارها.
لذلك، فإن المطلوب هو التمييز بين المسارات دون الفصل الكامل بينها.
فوقف الحرب يحتاج إلى مسار عسكري وأمني وإنساني عاجل، لكن بناء السلام يحتاج إلى مسار سياسي سوداني واسع يعالج أسباب الحرب، وقضايا الانتقال، واستعادة الدولة، والعلاقة بين المدني والعسكري، والإصلاح الأمني والعسكري، والعدالة والمساءلة، والحكم اللامركزي، وإدارة التنوع.
وبهذا المعنى، فإن أي حوار سياسي لا يضع وقف الحرب والاستجابة الإنسانية في قلب أجندته سيكون ناقصاً ومثيراً للشك.
وفي المقابل، فإن المسار الأمني والإنساني، مهما كان ضرورياً وعاجلاً، يحتاج إلى أفق سياسي يعالج أسباب الحرب ويمنع إعادة إنتاجها.
المطلوب إذن ليس الفصل بين المسارات، ولا الخلط بينها، بل ترتيب العلاقة بينها بصورة واضحة ومتكاملة.
ومن هنا، فإن أي مبادرة للحوار السوداني السوداني يجب ألا تبدأ بإرسال الدعوات أو إعلان المواعيد أو ترتيب المنابر الإعلامية، بل بسؤال أصعب وأسبق:* كيف نقنع الأطراف المتشككة أو المتخوفة أو الرافضة بأن هذه الطاولة ليست فخاً سياسياً، ولا غطاءً لطرف من أطراف الحرب، ولا تكراراً لتجارب سابقة؟*
وهنا تبرز أهمية الإعداد الجاد.
فليست مهمة أي لجنة أو مبادرة أن تعرض ورقة جاهزة وتطلب من الآخرين الالتحاق بها، بل أن تبدأ بالاستماع إلى مخاوف الأطراف وشروطها، وأن تجعل من ذلك مدخلاً لبناء الثقة وتحديد الضمانات ومعايير المشاركة.
فالحوار الجاد لا يبدأ بالدعوات، بل بتهيئة المناخ الذي يجعل الجلوس إلى الطاولة ممكناً ومفيداً.
ومن المهم كذلك ألا يتحول الخلاف حول وسائل إنهاء الحرب إلى مزايدة في الوطنية.
فالمناخ السياسي السوداني أصبح مثقلاً بالتصنيفات الحادة: هذا مع الجيش، وذاك مع الدعم السريع، وثالث مع الحكومة، ورابع مع الخارج.
ولا شك أن بعض هذه المخاوف له أساس في واقع الحرب والاستقطاب، لكن تحويل كل اختلاف في التقدير إلى اتهام سياسي أو وطني يضعف القوى المدنية كلها، ويترك الساحة لأطراف الحرب وللمبادرات غير المكتملة.
كما أن جانباً من التوتر المحيط بأي دعوة للحوار يعود إلى أن القوى المدنية نفسها تعمل اليوم في مناخ شديد الاستقطاب، تُقرأ فيه المواقف لا على أساس مضمونها فقط، بل على أساس ما يُظن من اصطفافات أصحابها.
وفي مثل هذا المناخ، قد تُفهم الدعوة إلى النقاش أو النصح السياسي كاتهام، وقد يُقرأ النقد الهادئ كخصومة، بينما المطلوب هو العكس تماماً: تحرير النقاش من أسر التصنيفات المسبقة، واختبار كل مبادرة بمعاييرها لا بالظنون المحيطة بها.
فليس المطلوب أن يبرئ كل طرف نفسه قبل أن يتكلم، ولا أن يصنف الآخرين قبل أن يسمعهم، بل أن يتفق الجميع على معيار واحد: هل تقرّب هذه المبادرة السودانيين من وقف الحرب وبناء مسار سياسي مستقل، أم تعيد إنتاج الحرب واصطفافاتها؟
المعيار الأهم، إذن، ليس هوية الجهة التي طرحت الفكرة وحدها، بل طبيعة الفكرة نفسها: هل هي مستقلة؟ هل تضع وقف الحرب في قلب أولوياتها؟ هل ترفض الخضوع لأي طرف من أطراف الحرب؟ هل تضمن مشاركة واسعة؟ هل تميّز بين الحوار والمساءلة؟ هل ترفض الإفلات من العقاب؟ هل تمنع إعادة إنتاج الأزمة؟ وهل تملك ضمانات قانونية وسياسية وأمنية واضحة؟
كما ينبغي التمييز بين طلب الضمانات من الدولة وبين استمداد الشرعية منها.
فأي حوار يتصل بالداخل لا يمكن أن يتجاهل الحاجة إلى ضمانات قانونية وسياسية وأمنية تكفل حرية المشاركة، وحرية الحركة، وعدم الملاحقة، وسلامة المشاركين.
لكن هذه الضمانات لا تعني أن الدولة تملك الحوار، أو تحدد أطرافه، أو ترسم أجندته، أو تتحكم في مخرجاته.
نحتاج إلى ضمانات من الدولة، لا إلى تفويض منها؛ وإلى دعم قانوني ولوجستي، لا إلى رعاية سياسية للحوار.
وفي المقابل، فإن رفض أي جهد تحضيري من البداية، لمجرد أنه قد يُساء استخدامه أو قد يتحول إلى إلهاء، لا يحل المشكلة.
فالخطر لا يكمن فقط في وجود مبادرات ناقصة، بل أيضاً في ترك هذه المبادرات تتحرك دون مساءلة أو محاولة تصحيح.
ولذلك فإن الموقف الأكثر فاعلية ليس الانسحاب من النقاش، بل الاشتباك الإيجابي معه: بوضع الشروط، وتحديد الضمانات، وطرح المعايير، وكشف أي محاولة لتحويل الحوار إلى غطاء سياسي أو مسار شكلي.
كما أن وصف النقاش حول شروط الحوار بأنه إلهاء قد يصبح، في حد ذاته، مدخلاً لتفادي السؤال الصعب: كيف نمنع أي حوار قادم من أن يكون فعلاً إلهاءً أو غطاءً سياسياً؟
فالرد على خطر الإلهاء لا يكون بالابتعاد عن النقاش، بل بتحديد الشروط والمعايير التي تمنع الحوار من الانحراف عن هدفه الأساسي: وقف الحرب وفتح مسار سياسي ذي مصداقية.
إن السودان لا يحتاج إلى حوار وثبة جديد، ولا إلى حوار تحت وصاية أي سلطة، ولا إلى حوار جزئي في ظل الحرب، ولا إلى عملية سياسية منفصلة عن أولوية وقف القتال ومعالجة الكارثة الإنسانية.
لكنه يحتاج، في الوقت نفسه، إلى مسار سوداني جاد، مستقل، شامل، وذي مصداقية، يبدأ من وقف الحرب ولا يتوقف عندها، بل يذهب إلى جذور الأزمة التي جعلت الحرب ممكنة أصلاً.
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام القوى السياسية والمدنية السودانية ليس أن ترفض الحوار أو تقبله في المجرد، بل أن تجيب على السؤال الأصعب: كيف نجعل أي حوار قادم حواراً مستقلاً، آمناً، واسعاً، مرتبطاً بوقف الحرب، ومفتوحاً على مساءلة عادلة، لا على إفلات من العقاب ولا على تقاسم جديد للسلطة؟
هذا هو النقاش الذي ينبغي أن ينفتح الآن، بين كل القوى السودانية المعنية، داخل البلاد وخارجها.
فالحوار الجاد لا يبدأ بالبيانات وحدها، ولا بالدعوات العامة، ولا بالمؤتمرات الصحفية، بل يبدأ بالاتفاق على شروط المصداقية: من يملك الحوار؟ من يضمنه؟ من يشارك فيه؟ ما علاقته بوقف الحرب؟ وما الذي يمنع تكرار المأساة؟
ومن دون إجابات واضحة على هذه الأسئلة، سيبقى أي حديث عن الحوار محاطاً بالشكوك والاتهامات، وسيبقى رفض الحوار، في المقابل، عاجزاً عن تقديم بديل عملي.
والنتيجة أن السودانيين سيجدون أنفسهم بين مبادرات لا يثقون فيها، ومواقف رافضة لا تفتح طريقاً جديداً.
لذلك فإن المطلوب الآن ليس إطلاق دعوة عامة للحوار، ولا رفضها من حيث المبدأ، بل الاتفاق أولاً على الشروط التي تجعل الحوار ممكناً، آمناً، ومستحقاً للثقة.



هذا المقال، في تقديري، يتجاوز التعليق على مواقف «صمود» أو الدفاع عن فكرة الحوار السوداني السوداني، إلى سؤال أوسع وأعمق يتعلق بطبيعة العملية السياسية نفسها وشروط مشروعيتها.
ما لفتني في المقال أنه ينقل النقاش من سؤال «هل نتحاور أم لا؟» إلى السؤال الأهم: «أي حوار نريد، وتحت أي شروط، وبأي ضمانات؟» وأحسب أن هذه هي الأطروحة الأساسية التي ينتظم حولها المقال كله.
وتكمن قوة المقال المنهجية، في تقديري، في أنه لا يتعامل مع المخاوف المطروحة باعتبارها مواقف ينبغي دحضها، وإنما يبدأ بالاعتراف بمشروعيتها، ثم يفككها وينقل النقاش إلى مستوى المعايير والشروط. ويظهر ذلك بوضوح في التمييز بين الحوار ووقف الحرب، وبين المسارات الأمنية والإنسانية والسياسية، وبين طلب الضمانات من الدولة واستمداد شرعية الحوار منها، وكذلك بين إلغاء الإجراءات التعسفية وتسميتها «عفواً».
ومن هنا بدا لي أن منهج المقال تحليلي معياري؛ يقوم على تفكيك بعض الثنائيات التي تحكم النقاش، ثم الانتقال من الحكم على المبادرة من خلال الجهة التي تقف وراءها إلى الحكم عليها من خلال طبيعتها وشروطها وضماناتها والنتائج المحتملة التي يمكن أن تترتب عليها.
لكن قراءة المقال بهذا المستوى تقود، في تقديري، إلى سؤال أعمق: أشعر أن المقال، في جوهره، لا يناقش «الحوار» بقدر ما يناقش شرعية العملية السياسية نفسها: من أين تستمد شرعيتها؟ من يملك حق تحديد شروطها؟ وما الذي يجعل الأطراف السودانية تنظر إليها باعتبارها عملية وطنية مستقلة، لا امتداداً لصراع النفوذ بين أطراف الحرب؟
وعند هذه النقطة تصبح «شروط المصداقية» أكثر من مجرد شروط إجرائية للحوار؛ تصبح محاولة لإعادة تأسيس الثقة في الفعل السياسي السوداني نفسه. فالمسألة ليست فقط أن نجلس إلى طاولة واحدة، وإنما أن نطمئن إلى أن هذه الطاولة لا يملكها أحد، ولا صممت لخدمة طرف، ولا تتحول إلى غطاء للحرب أو إلى وسيلة لإعادة إنتاج أسبابها.
ولهذا وجدت أن أهم انتقال في المقال هو، ربما، الانتقال من سؤال الموقف إلى سؤال التصميم: من يشارك؟ من يضمن؟ ما الأجندة؟ ما علاقة الحوار بوقف الحرب؟ ما حدود المساءلة؟ وما الذي يمنع أن يتحول الحوار إلى إعادة إنتاج للأزمة؟
ومن هذه الزاوية تحديداً، يفرض نفسه سؤال مهم عند النظر إلى المبادرة المطروحة من جانب البرهان: من يقف وراء هندسة هذه المبادرة؟ هل نحن أمام تصور يعكس رؤية المؤسسة العسكرية للعملية السياسية ومصالحها وموقعها منها؟ أم أن وراءها شبكة سياسية أو أيديولوجية تعمل من داخل المشهد أو من خلفه؟ أم أن هندستها جاءت أساساً من الدائرة السياسية المحيطة بالبرهان، وبالذات مستشاره السياسي؟
ولا أطرح هذا السؤال باعتباره إدانة مسبقة أو افتراضاً لنتيجة، وإنما لأن معرفة من صمم المبادرة، ومن وضع أجندتها، ومن حدد شروطها، ومن يملك تعديلها أو توجيهها، تبدو جزءاً من الإجابة عن السؤال الذي يطرحه المقال نفسه: من يملك الحوار، ومن يملك حق تصميم العملية السياسية؟
وهنا يفتح المقال، من حيث لا يقف عنده مباشرة، على مسألة مهمة تتعلق باختلاف زاوية النظر بين الأكاديمي والسياسي. فهما قد يلتقيان في تشخيص كثير من عناصر المشهد، لكن موقع كل منهما منه يفرض عليه زاوية مختلفة في النظر.
السياسي يرى المشهد من داخل اللحظة السياسية؛ يقرأ موازين القوى، وحساسية التوقيت، ومخاطر الخطوة، وإمكان استغلالها، وما يمكن أن تنتجه المبادرة في الواقع السياسي المباشر. أما الأكاديمي، حين ينظر إلى المسألة من موقعه التحليلي، فإنه يميل إلى النظر إلى البنية الأوسع: كيف صممت العملية؟ ما شروط مشروعيتها؟ من يملكها؟ وما الذي يمكن أن تنتجه على المدى الأبعد؟
لذلك قد يرى السياسي في مبادرة ما خطراً ينبغي التحسب منه الآن، بينما يرى الأكاديمي أن هذا الخطر يمكن التعامل معه من خلال وضع الشروط والمعايير والضمانات التي تمنع تحوله إلى واقع. وليس في ذلك بالضرورة تناقض بين الرؤيتين؛ إنما هو اختلاف في مستوى التبئير. السياسي يركز على ما يمكن أن يحدث الآن، بينما يحاول الأكاديمي أن يرى أيضاً ما الذي قد تفعله العملية في بنية المشهد إذا مضت إلى نهايتها.
ومن هنا أرى أن قيمة المقال لا تكمن فقط في الدفاع عن فكرة الحوار، وإنما في محاولة نقل النقاش من الحكم على المبادرة إلى مساءلة هندستها. فليست المسألة فقط: هل نشارك أم لا؟ وإنما: من صمم الطاولة؟ من يحدد قواعدها؟ من يضع أجندتها؟ من يضمن استقلالها؟ ومن يستطيع أن يحول دون أن تصبح أداة لإعادة إنتاج موازين القوة التي صنعتها الحرب؟
وبهذا المعنى، لا أرى أن المقال يدافع عن «حوار» بعينه بقدر ما يدافع عن شروط تجعل الحوار نفسه جديراً بالثقة: أن يكون مستقلاً، واسعاً، آمناً، مرتبطاً بوقف الحرب، ومفتوحاً على معالجة جذور الأزمة، من دون أن يكون طريقاً للإفلات من المساءلة أو لإعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع.
وربما لهذا السبب يبدو المقال أوسع من النقاش الراهن حول «صمود» أو أي مبادرة بعينها. فهو يضع أمام القوى السياسية والمدنية سؤالاً أصعب: هل نستطيع أن ننتج عملية سياسية سودانية تستمد مصداقيتها من شروطها، لا من الجهة التي ترعاها؟
وأحسب أن قيمة المقال هنا أنه لا يطلب من المختلفين التخلي عن مخاوفهم، وإنما يحاول تحويل هذه المخاوف نفسها إلى شروط يمكن أن تجعل الحوار ممكناً ومفيداً.
ومن هذه الزاوية، قد يكون «الاشتباك الإيجابي» مع أي مبادرة أكثر فاعلية من القبول غير المشروط أو الرفض المسبق؛ أي الدخول في النقاش لا باعتبار أن هناك حواراً جاهزاً علينا القبول به، وإنما باعتبار أن تصميم الحوار نفسه موضوع للتفاوض.
وفي النهاية، تبدو القضية أبعد من مجرد الدعوة إلى الحوار، أو قبول الحوار أو رفضه. القضية هي: من يملك حق تصميم العملية السياسية، وبأي شروط، ولأي غاية؟
وهنا، في تقديري، تكمن أهمية «شروط المصداقية» التي يطرحها المقال: فهي تتجاوز الحوار بوصفه حدثاً أو طاولة، إلى محاولة بناء أساس جديد للثقة في العملية السياسية السودانية نفسها.