مقالات وآراء

مرايا الذات وطناً يُولد من جديد

لقد ظللنا، بوعي أو بغير وعي، نُمرِّر أمراض الجاهلية الأولى في شراييننا الاجتماعية، متخذين من القبيلة درعاً، ومن الانتماء الضيق سكيناً نذبُّ به عن أوهامنا. أجل، القبيلة ليست عيباً في قليلها ولا كثيرها، فنحن كما قال الحق سبحانه “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (الحجرات: 13)، وهي نسيجُ هويتنا وتنوعُ ثقافتنا. لكن العيب كل العيب أن نحول هذه الشعوب إلى خنادق، نتنابز فيها بالألقاب، ونتفاخر بالأحساب، ونظن أن الغنى أو المنصب يمنحنا أفضلية على أخينا السوداني. ألم يقل النبي ﷺ “لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجَمِيٍّ، ولا لعَجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ، ولا لأَحْمَرَ على أَسْوَدَ، ولا أَسْوَدَ على أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى”؟ فكيف نُقدس الحُطام، ونترك الجوهر؟
إن السودان، بهذا الاتساع وهذا التنوع، ليس فسيفساء متنافرة، بل لوحة متكاملة الأطراف، يكمل بعضها بعضاً؛ فلا غنى عن رعاة الغرب لمزارعي الشرق، ولا عن تجار الشمال لصيادي الجنوب، ولا عن طالب علم في الخرطوم لفلاح في كسلا. تأملوا معي مثالاً بسيطاً كيف كان أبناء النيل الأبيض وكردفان يتعاونون في مواسم الري، فيسقي الجار لأخيه قبل أرضه، ويشدُّ الرجال بعضهم بعضاً على حبال السواقي؟ ذلك هو التعاضد الذي يدرُّ الخير، وذاك هو التراحم الذي قال فيه رسولنا ﷺ”مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”. وهذا التسامح والاعتراف بأن الآخر مكملٌ لنا، هو السبيل الوحيد لوقف نزيف الحروب، وهو الحصن المتين الذي يقي البلاد شرور الأعداء المتربصين بنا، ويجعلنا كالجسد الواحد، لا كالأيدي المتفرقة التي يأكل بعضها بعضاً.
ومع هذا الإصلاح الاجتماعي، تبرز ضرورة إصلاح السياسة ذاتها، بإجبار القوى المتصارعة على تبني الخيار الوطني السمح، وأن تعي أن السلطة ليست غنيمة، بل أمانة في الرقاب؛ تنبع من الشعب وتُمارس لخدمته، لا لتكريس الفئوية. أليس من العجب أن نطالب بإصلاح النظام، ونحن نهمل أول خطوة فيه وهي إصلاح قلوبنا تجاه بعضنا؟ إن القيادة الحكيمة هي التي تدرك أن كلمة “الوطن” ليست شعاراً في الأعياد، بل تكليفٌ يومي يُمارس في العدل وتوزيع الثروات، فخيرات النيل والذهب والزراعة تكفي الجميع، لكن الجشع والأنانية يحولانها إلى سراب.
ولا ننسى الأجيال الصاعدة، فهي أمانتنا في الغد. علينا أن نربي أبناءنا على حب هذا التراب، وأن نغرس فيهم أن الانتماء للوطن عقيدة، وأن نُحوِّل أقلامنا ومنابرنا إلى جسورٍ للمحبة، نجتث من خلالها خطاب الكراهية والبغضاء، ونفضح كل من يثير الفتنة ليحصد ثمناً بخساً من أعراض الناس. إن القلم الذي يكتب الفرقة يشبه السيف الذي يقطع الأرحام، وقد نهانا الله عن التنابز بالألقاب وعن سوء الظن، فقال تعالى “وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ” (الحجرات: 11)، فكيف بنا وقد صرنا نتسابق إلى إطلاقها وكأنها ميداليات؟
وأخيراً، إلى الذين تلوَّت أعناقهم زمامُ الأمور، وإلى كل من يحمل همَّ الوطن في قلبه، تذكروا أن الموت لا يستأذن كبيراً، وأن هذه الدنيا دارُ بلاءٍ وابتلاء، وأن الحساب يوم القيامة دقيق لا تُغفل فيه هباءة. كلنا من تراب، كلنا من آدم وحواء، فلا يغرنَّكم جاهٌ أو مال. إن هذه الأمانة التي بين أيديكم، إن لم تحملوها بإخلاص وخافت الله فيها، كانت وبالاً عليكم، خزيًا وندامةً يومَ تبيضُّ وجوهُ وتَسْوَدُّ وجوه. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه “إنا والله ما نُعطي أحداً فضله، ولكن نُعطي الناس بحقوقهم”، فهل آن الأوان لنردَّ الحقوق، ونكسر مرآة الغرور، ونبني سوداناً جديداً عنوانه الوحيد “الكلُّ سواسية، والكلُّ مسؤول”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..