البرهان يريد الحكم… وهيهات

لم تمضِ إلا أيامٌ قلائل على إعلان “دعوة المراكبية” لحوار سوداني – سوداني حتى أثبت البرهان، في خطابٍ متوقع سمج، ما كنا قد أكدناه مراراً، وما يؤكده الواقع كل يوم، أنه لا يبحث في حواره المزعوم عن سلامٍ يضع حداً للحرب، ولا عن تسويةٍ تعيد للسودانيين دولتهم وتفتح أمامهم طريق الخلاص.
فلو كان السلام غايته، لكان أول ما يفعله أن يضع مصلحة الوطن فوق مصلحة السلطة، وأن يقبل بحوارٍ جاد لا يكون مدخلاً لإعادة إنتاج حكم العسكر وفلول “الكيزان” المرضى النفسيين.
ولنؤكد للبرهان أن لن تستطيع أن “تمشطها بي قملها”، إذ لن يسمح لك الوقت بذلك..
المشكلة أعمق من كل تلك الأكاذيب المكرورة المكشوفة.
فالرجل يريد أن يحكم؛ يريد أن تكون نهاية الحرب بوابةً إلى تثبيت موقعه في قمة الدولة.
ولكن هل تأكد أن في القصر الجمهوري “بيدرووم” آمن؟
يريد البرهان أن يتحول السلاح الذي فشل في صناعة الانتصارات المتوهمة إلى وسيلة لصناعة الشرعية.
ولذلك يبدو الحوار عنده غايةً في ذاته حين يخدم هذا الطموح، ووسيلةً حين يحتاج إلى كسب الوقت، ومناورةً حين تقتضي الضرورة السياسية ذلك.
ولكن، ألم تشعر يا برهان، أن الزمن يتسرب من بين يديك دون جدوى؟
إن الشعب السوداني، وحتى المطبلون لك، تأكدوا أن السلام الحقيقي لا يحتاج إلى كل هذا الالتفاف.
وأن السلام قرار أخلاقي قبل أن يكون اتفاقاً سياسياً؛ يبدأ بالاعتراف بأن السودان ليس ضيعةً لأحد، وأن السلطة ليست غنيمةً لمن امتلك القوة، وأن الشعب هو صاحب الحق في اختيار من يحكمه وكيف يحكمه.
لقد أرهقت الحرب البلاد، ومزقت المجتمع، وأفقرت الناس، وشردت الملايين، وجعلت الوطن كله يدفع ثمن صراعٍ على السلطة.
وفي مثل هذه اللحظة التاريخية، يصبح الإصرار على الحكم بأي ثمن نوعاً من العمى السياسي والأخلاقي.
فالسودان لا يحتاج إلى حاكمٍ جديد بوجهٍ قديم، ولا إلى إعادة تدوير الاستبداد تحت شعارات الأمن والاستقرار.
إن أراد البرهان السلام حقاً، فليتنحى ويضع السلطة جانباً، وليفتح الطريق أمام انتقالٍ مدني حقيقي، وليقبل بأن السودان أكبر من طموح أي فرد، وأبقى من أي مؤسسة، وأكرم من أن يُختزل مستقبله في رغبة رجلٍ في البقاء على كرسي الحكم.
أما أن يكون الحوار مجرد جسرٍ يعبر عليه إلى السلطة، فذلك ليس سلاماً، بل مشروع حكمٍ يبحث عن غطاء.
وهنا نقولها بوضوح: قد يطول الطريق، وقد تتعقد المناورات، وقد تتبدل الوجوه والشعارات، لكن إرادة الشعوب لا تُهزم إلى الأبد.
والسودان ليس ملكاً للبرهان، ولن يكون.
وهيهات أن يكون حكمه قدراً على هذا الشعب.



