مقالات وآراء

حوار ام بلوط

الفاضل سعيد سنهوري

عبدالفتاح البرهان يقدم مبادرته للحوار السوداني بإعتبارها مخرجاً من الأزمة، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل السودان محتاج حوار؟ بالطبع محتاج. السؤال هو: أي حوار سياسي يحتاجه السودانيين؟ ومن يملك حق تحديد أطرافه وأجندته ومخرجاته؟
المشكلة أن الحوار، إذا كانت السلطة القائمة هي التي تحدد المشاركين، وتضع الأجندة، وتحدد سقف النقاش، وتحتفظ في الوقت نفسه بالقدرة على تعليق الأحكام والعفو عن من تشاء، فإنه لا يكون حواراً وطنياً متكافئاً بالمعنى الحقيقي، بل يصبح أقرب إلى عملية سياسية تديرها السلطة من موقع القوة بهدف إنتاج شرعية جديدة للأمر الواقع.
والأخطر أن يتحول الحوار إلى وسيلة لتحديد المستقبل قبل أن يجلس السودانيون إلى طاولة واحدة. فإذا كانت النتائج المطلوبة محددة سلفاً، وإذا كان استمرار القيادة العسكرية في السلطة خلال المرحلة المقبلة أمراً غير قابل للنقاش، فما الذي تبقى للحوار كي يقرره؟
السودان لا يحتاج إلى حوار وظيفته الأساسية إعادة تدوير النخب السياسية والعسكرية نفسها، ولا إلى مؤتمر تتغير فيه الأسماء بينما تبقى قواعد اللعبة كما هي.
المطلوب عملية سياسية حقيقية تعالج جذور الأزمة السياسية وعلاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية، مستقبل القوات المسلحة والقوات النظامية، الحرب والسلام، العدالة والمحاسبة، بناء مؤسسات الدولة، وتقاسم السلطة والثروة بصورة عادلة بين أقاليم السودان ومكوناته ومنحها الحق في تقرير مصيرها من الدولة المشوهة القائمة الأن.
كذلك لا يمكن أن تكون المصالحة مجرد ترتيبات بين قوى سياسية محددة في العاصمة المدمرة أو في مراكز السلطة، بينما تُستبعد قوى أخرى متأثرة بالحرب أو تُعامل باعتبارها مجرد أطراف ينبغي احتواؤها.
السلام الحقيقي لا يُصنع باختيار المشاركين على أساس من يقبل بشروط السلطة القائمة “سلطة الجلابة والحركة الاسلامية”، وإنما بإيجاد صيغة تضمن مشاركة أصحاب المصلحة الحقيقيين، بما في ذلك المدنيون والمتضررون من الحرب والقوى السياسية وحركات الكفاح المسلح والمجتمعية والأقاليم المختلفة ولا يحضره ولا يشارك فيه أزلام النظام البائد بواجهات مصطنعة معدة خصيصا لهذا الحوار.

أما منح السلطة الحالية شرعية انتقالية جديدة من دون تفويض شعبي واضح، ثم تأجيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم بعد ذلك، فسيكون مجرد إعادة إنتاج للأزمة تحت مسمى جديد.
الشرعية لا تُكتسب بإطالة الفترة الانتقالية أو بتنظيم حوار تحت رعاية الطرف الأقوى “إفتراضا”، وإنما عبر ترتيبات متوافق عليها، ومؤسسات مستقلة، ومناقشة حرة ونزيهة في نهاية مسار واضح ومحدد زمنياً.

السودان جرّب كثيراً حوارات النخب المركزية وحكومات العسكر والاتفاقات التي تُكتب في القاعات ثم تفشل أمام واقع البلاد وتطلعات ورغبات الشعب.
لذلك فإن المطلوب هذه المرة ليس مجرد «حوار سوداني ـ سوداني» كشعار، وإنما عملية سياسية شفافة ومستقلة، لا تكون نتائجها مكتوبة مسبقاً، ولا يكون طرف فيها هو الحكم والخصم وصاحب القرار في الوقت نفسه.

إذا كان الحوار المقترح سيؤدي إلى وقف الحرب، وإقامة سلطة مدنية حقيقية، وإصلاح مؤسسات الدولة، وضمان العدالة، وتهيئة الطريق لانتخابات حرة، وضمان حق تقرير المصير فهو يستحق الدعم.

أما إذا كان الهدف منه منح شرعية جديدة للسلطة القائمة “حكومة البرهان والحركة الاسلامية”، وترتيب انتقال سياسي على مقاسها، ثم إعادة إنتاج النخب المركزية نفسها “الجلابة المندكورات” بعد سنوات من الحرب، فسيكون ذلك مجرد تأجيل للأزمة لا حلاً لها.

السودان لا يحتاج إلى تدوير الأزمة في حلقة جديدة، يحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة نفسها وتغير نظام الحكم فيه والإ لا داعي لبقائه موحد تحت سلطة نخب المركز العنصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..