اليقظة السياسية في زمن الحوار السياسي

يأتي الحوار السياسي عادة في اللحظة التي يصل فيها الصراع إلى نقطة يصبح معها الاستمرار في الطريق نفسه أكثر كلفة من البحث عن طريق آخر، أو حين تدرك الأطراف المتصارعة، بصورة مباشرة أو تحت ضغط الوقائع، أن ما عجزت عن حسمه بالقوة لا بد أن تبحث له عن مخرج في السياسة.
وفي مثل هذه اللحظات تبدو الدعوة إلى الحوار وكأنها النافذة التي يمكن أن يمر منها الجميع إلى مساحة أقل توترا، ولذلك سرعان ما تتحول إلى قيمة سياسية وأخلاقية يصعب الاعتراض عليها، وكأن مجرد الانتقال من ساحة الصراع إلى طاولة الحوار يعني أن شيئا جوهريا قد تغير في طبيعة الأزمة.
غير أن هذه الصورة، على الرغم من جاذبيتها، تخفي وراءها حقيقة أكثر تعقيدا؛ فالحوار لا يبدأ بالضرورة عندما ينتهي الصراع، وإنما قد يكون في كثير من الأحيان صورة أخرى من صور استمراره، تنتقل فيها أدوات المواجهة من الميدان إلى الطاولة، ومن السلاح إلى التفاوض، ومن السيطرة المباشرة إلى القدرة على التأثير وصناعة المواقف وتحديد من يملك حق الكلام ومن يملك حق تمثيل الآخرين.
ولهذا فإن مجرد الجلوس حول طاولة واحدة لا يعني بالضرورة أن الأطراف قد انتقلت من منطق الصراع إلى منطق التسوية، كما أن الرغبة المعلنة في الوصول إلى السلام لا تكفي وحدها لصناعة سلام قابل للحياة.
فكل طرف يدخل الحوار وهو يحمل معه تاريخه ومصالحه ومخاوفه وحساباته، ويحمل أيضا تصوره الخاص لما ينبغي أن تكون عليه النتيجة؛ وقد يدخل بعض الأطراف بحثا عن تسوية حقيقية، بينما يدخله آخرون سعيا إلى تحسين مواقعهم أو الحصول على اعتراف سياسي أو إعادة ترتيب موازين القوة أو كسب الوقت إلى أن تتغير الظروف من حولهم.
وقد تجتمع هذه الأهداف المتباينة في مساحة تفاوضية واحدة من دون أن تكون متطابقة أو معلنة، وهنا بالضبط تبدأ الحاجة إلى ما يمكن تسميته اليقظة السياسية؛ تلك القدرة التي تجعلنا نرى الحوار في مستواه الظاهر، من دون أن نفقد القدرة على قراءة ما يتحرك خلفه من مصالح وتوازنات وأسئلة تتجاوز الكلمات التي تقال على الطاولة.
واليقظة السياسية، بهذا المعنى، ليست حالة من سوء الظن الدائم بالآخرين، وليست بحثا عصبيا عن مؤامرة وراء كل موقف، كما أنها لا تعني أن ننظر إلى كل محاولة للتفاهم باعتبارها فخا سياسيا ينبغي الابتعاد عنه.
اليقظة في جوهرها شيء أكثر هدوءا وأكثر صعوبة؛ فهي أن ندخل الحوار ونحن نعرف أن السياسة لا تتحرك بالنوايا وحدها، وأن الكلمات التي تبدو متشابهة قد تحمل معاني مختلفة لدى أصحابها، وأن الموقف المعلن لا يكشف دائما عن كامل المصلحة التي تقف وراءه، وأن فهم أي طرف لا يكتمل بالنظر إلى ما يقوله عن نفسه، وإنما يحتاج إلى قراءة تاريخه وموقعه وقدرته على التأثير وما يملكه من أدوات وما يسعى إلى الوصول إليه.
ولذلك فإن اليقظة ليست نقيضا للثقة، وإنما هي الصورة الناضجة للثقة حين تتحرر من السذاجة، وليست رفضا للحوار، وإنما هي الشرط الذي يمنع الحوار من أن يتحول إلى مساحة للغفلة السياسية.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظات الحوار أن تتحول الرغبة المشروعة في السلام إلى سبب للتخلي عن الأسئلة الصعبة، وأن يصبح مجرد الاعتراض على شروط الحوار أو أطرافه أو مساره نوعا من الاعتراض على مبدأ الحوار نفسه.
ففي المجتمعات التي أنهكها الصراع، تكون الحاجة إلى السلام شديدة إلى درجة تجعل الناس مستعدين أحيانا للتعلق بأي فرصة يمكن أن توقف النزيف، وهذا مفهوم إنسانيا وسياسيا، لكنه قد يصبح خطرا إذا دفعنا إلى التعامل مع الحوار باعتباره غاية في ذاته، بدلا من النظر إليه باعتباره وسيلة ينبغي أن تقود إلى نتيجة يستطيع المجتمع أن يعيش معها بعد انتهاء التفاوض.
فالسلام الذي يوقف إطلاق النار من دون أن يقترب من الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة قد يمنح الناس هدنة يحتاجون إليها، لكنه لا يمنحهم بالضرورة سلاما يستطيعون الوثوق في استمراره، والاتفاق الذي يجمع النخب حول صيغة سياسية لا تجد طريقها إلى المجتمع قد ينجح في إنتاج ترتيب مؤقت للسلطة، لكنه يظل عاجزا عن إنتاج الاستقرار الذي يفترض أن يكون الغاية النهائية من كل عملية سياسية.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق أي دعوة إلى الحوار ليس فقط ما إذا كنا مع الحوار أو ضده، لأن هذه الثنائية البسيطة لا تساعد كثيرا في فهم تعقيدات الأزمة، وإنما السؤال الذي يسبق ذلك هو: أي حوار نريد، ومن هم أطرافه الحقيقيون، وبأي تفويض يدخل كل طرف إليه، وما الذي يملك أن يقدمه وما الذي يريد الحصول عليه، ومن يملك القدرة الفعلية على تنفيذ ما يمكن الاتفاق عليه، ثم كيف يمكن تحويل ما ينتج عن الحوار من تفاهمات إلى قواعد سياسية ومؤسسية قادرة على الصمود عندما تنتهي لحظة التفاوض وتعود الأطراف إلى مجتمعاتها وقواعدها ومصالحها؟
وهذه الأسئلة لا تعطل الحوار كما قد يبدو لأول وهلة، وإنما تحاول أن تحميه من أن يصبح مجرد حدث سياسي آخر ينتهي بانتهاء جلساته، ثم تظل الأزمة في مكانها وإن تغيرت اللغة التي نصفها بها.
وضعت الحرب أمامنا، بصورة قاسية، كل ما حاولت السياسة خلال عقود أن تؤجله أو تتجاوزه؛ أزمة الدولة، وأزمة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وأزمة العلاقة بين السياسي والعسكري، والأخطر من ذلك كله تعدد مراكز القوة المسلحة خارج مؤسسة وطنية واحدة.
فالمسألة لم تعد متعلقة فقط بمن يحكم ومن يشارك في الحكم، وإنما بمن يملك القوة التي تستطيع أن تفرض إرادتها حين تعجز السياسة عن إدارة الخلاف، ومن يملك قرار استخدام السلاح، ومن يملك القدرة على تحريك قوة مسلحة خارج منظومة الدولة، وما إذا كان ممكنا بناء نظام سياسي مستقر في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة وتباين ولاءاتها ومصالحها.
ومن أكثر القضايا التي لا يستطيع أي حوار جاد أن يتجاوزها تلك العلاقة المأزومة بين السياسي والعسكري، وهي علاقة لم يعد من المفيد النظر إليها باعتبارها مجرد خلاف بين أشخاص أو مؤسسات، لأن جذورها أعمق من ذلك بكثير.
إنها في جانب منها أزمة في تعريف موقع كل من السياسة والمؤسسة العسكرية داخل الدولة، وفي جانب آخر أزمة ثقة متبادلة جعلت كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خطرا محتملا على وجوده أو نفوذه.
وحين تصل العلاقة بين الطرفين إلى هذه الدرجة من التوتر، يصبح من السهل أن يتحول الخلاف حول وظيفة الجيش إلى خلاف حول الدولة نفسها، وأن يتحول الخلاف حول السلطة المدنية إلى صراع على من يملك الحق في تعريف المصلحة الوطنية.
غير أن الخروج من هذه الأزمة لا يكون بوضع العسكريين والسياسيين في معسكرين متقابلين، وكأن الحل يكمن في انتصار أحدهما على الآخر؛ فالدولة تحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية قوية ومحترفة، كما تحتاج إلى سلطة مدنية ذات شرعية سياسية، والمشكلة ليست في وجود الجيش داخل الدولة، وإنما في اختلاط وظيفته الوطنية بالتنافس على السلطة.
كما أن المشكلة ليست في أن يكون للسياسيين موقف من قضايا الأمن والدفاع، وإنما في أن يتحول المجال السياسي إلى محاولة للسيطرة الحزبية على المؤسسة العسكرية أو إخضاعها لمنطق الولاءات السياسية.
الدولة لا تحتاج إلى جيش يحكمها، كما أنها لا تحتاج إلى سياسيين يحكمون الجيش بمنطق الحزب؛ وإنما تحتاج إلى صيغة مؤسسية تجعل الجيش مؤسسة وطنية تحت سلطة الدولة، وتجعل السلطة المدنية مسؤولة أمام المجتمع وقادرة في الوقت نفسه على إدارة شؤون الأمن والدفاع باعتبارها جزءا من مسؤوليتها عن الدولة.
لكن الحديث عن العلاقة بين السياسي والعسكري يظل ناقصا إذا جرى التعامل مع المؤسسة العسكرية وكأنها المؤسسة المسلحة الوحيدة، لأن إحدى أكثر القضايا حساسية تتصل بوجود تشكيلات وقوات مسلحة خارج منظومة الجيش الوطني، وما ترتب على ذلك من تعدد في مراكز القوة والقيادة والقرار.
فالدولة لا تستطيع أن تكون صاحبة القرار الكامل في الحرب والسلم إذا كان السلاح موزعا بين مؤسسات أو تشكيلات متعددة، ولا يمكن أن يستقر النظام السياسي إذا ظلت هناك قوى مسلحة تستطيع، عند تعثر السياسة، أن تتحول إلى بديل عنها.
ولهذا فإن توحيد المنظومة العسكرية والأمنية تحت سلطة الدولة ليس بندا تقنيا يمكن ترحيله إلى ما بعد التسوية، وإنما هو جزء من جوهر التسوية نفسها، لأن إنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة هو أحد الشروط التي تجعل السلام قابلا للاستمرار.
ومن هنا يصبح دمج التشكيلات المسلحة خارج منظومة الجيش جزءا من إعادة تأسيس الدولة، لا مجرد عملية لإعادة توزيع الأفراد والأسلحة.
فالدمج الحقيقي لا يعني أن تدخل تشكيلات متعددة إلى مؤسسة واحدة مع احتفاظ كل تشكيل بولاءاته الخاصة وتراتيبه الداخلية وذاكرته القتالية، وإنما يعني انتقالا مؤسسيا من الولاء للتشكيل أو القائد إلى الولاء للمؤسسة الوطنية، ومن تعدد سلاسل القيادة إلى سلسلة قيادة واحدة، ومن تعدد العقائد والانتماءات إلى عقيدة عسكرية وطنية، ومن معايير مختلفة للتجنيد والتأهيل والترقية إلى معايير مهنية واحدة تسري على الجميع.
أما من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة العسكرية، فلا يكون الطريق أمامهم استمرار حمل السلاح خارج المؤسسة، وإنما برامج واضحة للتسريح وإعادة الدمج في المجتمع، بما يحول دون إعادة إنتاج التشكيلات المسلحة في صورة جديدة.
غير أن هذه العملية، حتى تنجح، لا ينبغي أن تتحول إلى مشروع لإذلال طرف أو إلغاء تاريخه أو تصفية حساباته، لأن مثل هذا المنطق سيجعل الدمج نفسه مصدرا لصراع جديد.
المطلوب هو نقل القوة من المجال الخاص إلى المجال الوطني، بحيث تصبح الدولة هي الإطار الوحيد الذي يحتضن السلاح المنظم، وتصبح المؤسسة العسكرية مؤسسة لجميع المواطنين لا امتدادا لجماعة أو إقليم أو تيار سياسي.
وهذا يتطلب ترتيبات مهنية وقانونية واضحة، ومعايير موحدة، وسلسلة قيادة محددة، ورقابة مؤسسية، وضمانات تمنع استخدام عملية الدمج نفسها كأداة للانتقام أو الإقصاء، كما يتطلب في المقابل اتفاقا سياسيا صريحا على أن الاحتفاظ بقوة مسلحة مستقلة لا يمكن أن يكون جزءا دائما من أي تسوية وطنية.
وهنا تظهر اليقظة السياسية في معناها الأكثر عمقا؛ فالحوار الذي يتجاهل سؤال السلاح قد ينجح في إنتاج تفاهم سياسي، لكنه يترك تحت سطح ذلك التفاهم مصادر القوة التي يمكن أن تعيد إنتاج الصراع في وقت آخر.
كما أن الحوار الذي يتعامل مع دمج القوات باعتباره انتصارا لطرف على طرف قد يجعل العملية نفسها مستحيلة، لأن المطلوب ليس أن ينتصر جيش على جيش، وإنما أن تنتصر فكرة الدولة على تعدد مراكز القوة، وأن تنتقل العلاقة بين الأطراف من منطق امتلاك السلاح إلى منطق الخضوع للقانون والمؤسسة.
ولذلك فإن مسألة الدمج ينبغي أن تكون جزءا من العقد الوطني، لا بندا تفاوضيا تستخدمه الأطراف لتحسين مواقعها.
ومن هنا ينبغي أن ينتقل الحوار بين السياسي والعسكري من سؤال السلطة إلى سؤال الدولة، ومن سؤال من يحكم إلى سؤال كيف تحكم الدولة نفسها، لأن التوافق الحقيقي لا ينبغي أن يكون صفقة حول عدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك، ولا ترتيبا مؤقتا لتوزيع النفوذ بين النخب، وإنما اتفاقا على قواعد اللعبة التي تجعل الدولة أكبر من جميع الأطراف.
فالجيش لا ينبغي أن يكون حزبا سياسيا يرتدي زيا عسكريا، والسياسي لا ينبغي أن يتعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها غنيمة تنتظر من يضع يده عليها، وإنما ينبغي أن يلتقي الطرفان عند قاعدة أكثر بساطة وأعمق دلالة: الدولة هي صاحبة السيادة، وليست أي مؤسسة أو حزب أو قوة مسلحة.
وعندما يصل الحوار إلى هذه النقطة، يصبح ممكنا أن نتحدث عن صيغة توافق لا تقوم على إقصاء المؤسسة العسكرية ولا على إطلاق يدها في السياسة، وإنما على إعادة تعريف موقعها داخل الدولة؛ مؤسسة وطنية مهنية تحمي البلاد وتلتزم بالدستور والقانون، وتخضع في شؤونها العامة للسلطة المدنية والرقابة المؤسسية، من دون أن تتحول هذه الرقابة إلى تدخل حزبي في مهنيتها أو إلى محاولة لإضعافها أو تفكيكها.
وفي المقابل، تحتاج القوى السياسية إلى أن تدرك أن السلطة المدنية لا تكتسب قوتها من قدرتها على إخضاع الجيش حزبيا، وإنما من شرعيتها المجتمعية والدستورية ومن قدرتها على بناء مؤسسات دولة تجعل الجيش جزءا من منظومة الدولة، لا بديلا عنها.
وهنا لا بد من الانتباه إلى أن السياسيين لا يمثلون المجتمع تلقائيا لمجرد أنهم سياسيون، كما أن المؤسسة العسكرية لا تختصر الدولة لمجرد أنها تملك القوة المنظمة.
فالمطلوب ليس أن ينتصر السياسي على العسكري أو العسكري على السياسي، وإنما أن ينتصر مفهوم الدولة على منطق احتكارها من أي طرف كان.
ولذلك فإن التوافق المطلوب لا ينبغي أن يكون بين العسكري والسياسي وحدهما، وإنما بينهما وبين المجتمع الذي دفع ثمن الصراع، بحيث لا تتحول التسوية إلى اتفاق بين النخب على مستقبل مجتمع لم يشارك في صياغته.
وهذه النقطة تعيدنا إلى قضية التمثيل السياسي، لأن السؤال ليس فقط من يجلس حول الطاولة، وإنما من يملك حق الحديث باسم الذين لا يجلسون عليها، ومن يضمن أن تكون مخرجات الحوار قابلة للقبول الاجتماعي وليست مجرد تفاهمات بين القوى الأكثر قدرة على الوصول إلى مراكز التفاوض.
فالمجتمع أوسع من القوى السياسية والعسكرية التي تظهر في المشهد، وأعمق من النخب التي اعتادت أن تتحدث باسمه، وقد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة ما بعد الحرب أن يجري اختزال المجتمع مرة أخرى في مجموعة محدودة من القوى التي تتفاوض على السلطة باسمه.
ومن هنا فإن الحوار الذي نحتاج إليه ليس حوارا لإنهاء الحرب فقط، وإنما حوار لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمؤسسات، وبين المدني والعسكري، وبين السياسة والقوة.
وهذه مهمة أكبر من مجرد توقيع اتفاق، لأنها تتطلب الانتقال من التفكير في التسوية باعتبارها نهاية للأزمة إلى النظر إليها باعتبارها بداية لترتيب سياسي جديد، تكون فيه المؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف قبل أن يتحول إلى عنف، وتكون فيه السلطة قابلة للتداول، وتكون فيه المؤسسة العسكرية محمية من التسييس، ويكون فيه المجتمع قادرا على مساءلة من يتحدثون باسمه ومن يتولون السلطة باسمه.
ولذلك فإن اليقظة السياسية المطلوبة في هذه المرحلة لا تعني التشدد في شروط الحوار إلى درجة يستحيل معها الحوار، كما لا تعني التساهل في الشروط إلى درجة يصبح معها أي اتفاق مقبولا لمجرد أنه يحمل اسم السلام.
إنها تعني القدرة على التمييز بين الواقعية السياسية والاستسلام للأمر الواقع، وبين التنازل الذي يجعل التسوية ممكنة والتنازل الذي يهدم أساسها، وبين الاعتراف بحق الآخر في المشاركة ومنحه حقا دائما في تعريف مستقبل الدولة، وبين بناء الثقة وبين التخلي عن أدوات التحقق والمساءلة.
فالثقة السياسية الحقيقية لا تقوم على افتراض حسن النية، وإنما على بناء مؤسسات وقواعد تجعل حسن النية أقل أهمية من قوة النظام الذي يحكم العلاقة بين الأطراف.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الحوار بين السياسي والعسكري مختلفا عن مجرد حوار بين طرفين متخاصمين؛ لأن المطلوب في النهاية ليس أن يتفقا على اقتسام السلطة، وإنما أن يتفقا على الحدود التي تمنع أي طرف منهما من ابتلاع الدولة.
السياسي يحتاج إلى أن يدرك أن قوة الدولة لا تأتي من إضعاف مؤسساتها العسكرية، والعسكري يحتاج إلى أن يدرك أن قوة المؤسسة العسكرية نفسها لا تستقيم على المدى الطويل إذا ظلت خارج الإطار السياسي والدستوري للدولة.
وبين هذين الإدراكين يمكن أن تبدأ صياغة علاقة جديدة، لا تقوم على الشك المتبادل ولا على الهيمنة المتبادلة، وإنما على وضوح الوظائف والمسؤوليات والحقوق والواجبات.
ومن هنا يمكن أن يصبح الحوار نفسه أداة لإعادة بناء الثقة، لا بمجرد تبادل الكلمات، وإنما عبر اتفاقات واضحة وقابلة للقياس حول القضايا التي ظلت مصدر نزاع؛ إصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية، وتوحيد القوات المسلحة، ودمج التشكيلات المسلحة المؤهلة، وتسريح وإعادة دمج من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة، وتحديد العلاقة بين القيادة العسكرية والسلطة السياسية، ووضع إطار للرقابة المدنية، وتنظيم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد، وضمان عدم استخدام الجيش أو أي قوة مسلحة كأداة في التنافس السياسي، وفي الوقت نفسه حماية المؤسسة العسكرية من محاولات استخدامها أو تفكيكها لأغراض سياسية.
وحين تصبح هذه القضايا موضوعا لاتفاق وطني واضح، فإن الحوار يكون قد بدأ بالفعل في بناء الدولة، بدلا من أن يكتفي بإعادة توزيع السلطة.
إن التوافق الذي يخدم المجتمع لا يعني أن يخرج الجميع من الحوار راضين، وإنما يعني أن يخرجوا منه وهم يعرفون القواعد التي سيختلفون داخلها بعد ذلك من دون أن يتحول اختلافهم إلى حرب جديدة.
وهذه هي النقلة التي نحتاجها في التفكير السياسي: أن نتوقف عن البحث عن اتفاق يلغي الخلاف، ونبحث بدلا من ذلك عن نظام سياسي يجعل الخلاف ممكنا ومقبولا وقابلا للإدارة.
فالديمقراطية لا تلغي الصراع، وإنما تمنحه مؤسسات وقواعد ومساحات آمنة، والدولة القوية ليست الدولة التي لا يختلف فيها الناس، وإنما الدولة التي تستطيع أن تستوعب اختلافهم من دون أن تنهار.
ولذلك فإن الحوار بين السياسي والعسكري لا ينبغي أن ينتهي إلى اقتسام الدولة، وإنما إلى الاتفاق على ألا يقتسمها أحد.
وهذه ربما تكون القاعدة التي يمكن أن تختصر كثيرا من التعقيد الذي يحيط بالعلاقة بين الطرفين؛ فالجيش ليس الدولة، والحزب ليس الدولة، والحكومة ليست الدولة، وحتى القوى السياسية مجتمعة لا تملك الدولة، وإنما جميعها تعمل داخل دولة يفترض أن تكون ملكا للمجتمع، وأن تكون مؤسساتها خاضعة لقواعد عامة لا تتغير بتغير موازين القوة.
وفي النهاية، فإن اليقظة السياسية في زمن الحوار لا تعني أن نقف خارج الحوار خوفا من أن يخطئ المتحاورون، ولا أن ندخل إليه بعقلية المنتصر الذي يريد أن يفرض رؤيته على الآخرين، وإنما تعني أن نعرف أن الحوار هو أحد أكثر الأدوات أهمية في الخروج من الأزمات، بشرط ألا يتحول إلى ستار يخفي الصراع بدلا من أن يديره، وألا يتحول السلام إلى مجرد ترتيب مؤقت بين الأقوياء، وألا تتحول الدولة مرة أخرى إلى غنيمة يتقاسمها من يملكون القدرة على الوصول إليها.
نحن بحاجة إلى حوار يفتح الطريق أمام السياسة، لا حوار يعيد إنتاج السياسة القديمة؛ وإلى توافق يعيد بناء الدولة، لا توافق يعيد توزيع مواقعها؛ وإلى علاقة بين العسكري والسياسي تقوم على وضوح الوظائف لا على تبادل الهيمنة.
وعندها فقط يمكن أن تصبح اليقظة السياسية جزءا من صناعة السلام، لأن السلام الحقيقي لا يحتاج إلى غفلة، كما أن الحوار الحقيقي لا يحتاج إلى سذاجة؛ كلاهما يحتاج إلى عقل يعرف كيف يثق دون أن يغفل، وكيف يختلف دون أن يعادي، وكيف يتنازل دون أن يفقد البوصلة، وكيف يقرأ الواقع كما هو، ثم يحاول أن يصنع منه واقعا أفضل.
وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لليقظة السياسية في زمن الحوار: ألا نكتفي بأن نسأل كيف ننهي الحرب، وإنما أن نمتلك الشجاعة والوعي لنسأل أي دولة نريد أن نبني بعد الحرب، وكيف يمكن أن نجعل السياسي والعسكري والمجتمع شركاء في بنائها، من دون أن يسمح أي منهم لنفسه بأن يصبح مالكا لها.
فالمشكلة في نهاية الأمر ليست فقط فيمن يجلس إلى طاولة الحوار، وإنما في الدولة التي ستخرج من تحت تلك الطاولة؛ وإذا لم تكن تلك الدولة أوسع من المتحاورين، وأقوى من مصالحهم، وأكثر عدلا من موازين القوة التي جمعتهم، فإننا ربما نكون قد أنهينا جولة من الصراع، من دون أن نكون قد أغلقنا الطريق أمام الجولة التالية.



