حيوية الحزب الشيوعي السوداني ودوره في قيادة التغيير الجذري

أحمد بطران عبد القادر
عندما نتناول الحزب الشيوعي السوداني بالنقد أو بالمدح فلنتذكر دوماً أنه حزب ماركسي ولابد أن نخضعه في نقدنا إلى المنهج الماركسي في التحليل.
المقال المنشور بعنوان ثمانون عاماً من النضال هل يستطيع الحزب الشيوعي أن يبدأ في التجديد يقع صاحبه في عدة مغالطات منهجية أبرزها الخلط المتعمد بين أزمة الدولة وأزمة الحزب.
وقد اختزل دور الحزب الطليعي الراسخة أقدامه في العطاء والفعل السياسي المؤثر في معيار الشارع اللحظي المتقلب.
لكننا نرى أن الحزب الشيوعي السوداني لا يزال فاعلاً وحيوياً في الساحة السياسية وأن التجديد المطلوب ليس في التخلي عن الجوهر الماركسي فهذا شأنه.
لكن يمكننا أن نطرح رؤى علمية سياسية مدروسة في تطوير آليات النضال بما ينسجم مع خصوصية السودان الراهنة مستندين في ذلك على التجربة التاريخية للحركة الماركسية العالمية وصراعات التحرر الوطني والنضال من أجل طبقات المستضعفين والمهمشين وفي كيفية الوصول إلى غايات التغيير الجذري.
الإشكالية
في المحطات الكبرى للتحولات السياسية والاجتماعية تبرز الحاجة إلى جلد الذات أو الحنين إلى الماضي.
ومقال م عبدالله موسى أحمد يجنح إلى جلد الذات ويطرح سؤالاً مشروعاً حول التجديد لكنه يجيب عليه منطلق نهاية التاريخ ومنطق تجاوز الأحزاب التقليدية.
والإشكالية هنا تنحصر في سؤالين محوريين.
هل يعاني الحزب الشيوعي السوداني من أزمة وجود حقيقية أم أنه يعاني من أزمة سياق فرضتها الحرب والاستبداد؟
وهل التجديد يعني التخلي عن البرنامج الطبقي أم يعني تطوير أدوات النضال لتنفيذ ذات البرنامج؟
إننا نرى أن الحزب الشيوعي لا يزال يمثل الفاعل العقلاني المنظم والوحيد القادر على تحويل طاقة الشارع الثائرة إلى سلطة دولة ومشروع وطني متماسك لقدرته على القيادة والتأثير وانفتاحه على قوى الثورة.
المنهج
إننا نلتزم بالمنهج النقدي التحليلي المقارن.
أولاً تفكيك حجج المقال الأصل وإظهار ثغراته المنطقية.
ثانياً الرد عليه بأدلة تاريخية وواقعية من التجربة السودانية.
ثالثاً الاستناد إلى تجارب الحركة الماركسية العالمية في التجديد دون تصفية.
نقد أطروحات المقال وتفكيكها
أولاً مغالطة الانغلاق التنظيمي
أطروحة المقال ترى أن الانضباط الحزبي لدى الحزب الشيوعي قد تحول إلى عبء أمام حركة التجديد وهذا للأسف فهم ليبرالي سطحي لطبيعة التنظيمات السياسية.
ففي علوم السياسة الحزب الكادري ضروري في أزمنة الحروب والاستبداد والانهيار كما في الحالة السودانية.
وماكس فيبر ميز بدقة بين حزب الجماهير وحزب الكوادر والحزب الشيوعي في السودان هو حزب كوادر بالضرورة الموضوعية التي فرضتها طبيعة الدولة الأمنية.
الدليل ساطع.
في ظل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر وحرب الخامس عشر من أبريل تفككت الأحزاب المفتوحة وتبخرت بينما حافظ الحزب الشيوعي على بنيته التنظيمية وصلابته في المواجهة لأنه يملك مركزية ديمقراطية تحميه من السيولة.
فالانفتاح بدون إطار تنظيمي صارم يتحول إلى فوضى.
وهذا ما حدث للعديد من تنسيقيات لجان المقاومة التي ذابت بعد أن فقدت البوصلة والبعض منها أصبح يعمل تحت قوى الهبوط الناعم أو في صفوف طرفي القتال.
ثانياً مغالطة الشارع أوسع من الأحزاب
أطروحة المقال تقول إن ثورة ديسمبر كشفت تجاوز الجماهير للأحزاب وهذا خلط فج بين أداة النضال وأداة السلطة.
وغرامشي في دفاتر السجن فرق بعمق بين حرب الحركة وحرب المواقع.
فلجان المقاومة نجحت بامتياز في حرب الحركة أي إسقاط البشير لكنها تعثرت في حرب المواقع أي بناء الدولة.
والدليل التاريخي واضح.
فالثورة البلشفية 1917 لم تنجح بالسوفييتات وحدها إنما نجحت لأن البلاشفة حولوا السوفييتات إلى سلطة عبر حزب منظم وبرنامج محدد هو السلام الخبز الأرض.
وبدون الحزب الملهم القائد تتحول الثورة إلى فوضى ثم يأتي الانقلاب المضاد.
وهذا بالضبط ما حدث في السودان بعد ديسمبر.
ثالثاً أزمة الفكرة أي شيوعية نريد
أطروحة المقال تدعو إلى مراجعة شاملة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهذا خلط بين نموذج بيروقراطي متآكل وبين الماركسية كمنهج علمي لتحليل الواقع.
إن مشاكل السودان في 2026 حسب رؤية الحزب وتصوره هي مشاكل ماركسية كلاسيكية بامتياز.
اقتصاد تابع وريع وعسكرة للاقتصاد وشركات الجيش والجنجويد ونهب فائض القيمة عبر الحروب.
والدليل العالمي حاضر.
فالصين لم تراجع الماركسية بل طورتها إلى اشتراكية السوق بقيادة الحزب الشيوعي.
وكوبا لم تتخل عن الصحة والتعليم المجاني رغم الحصار الخانق.
إذن التجديد لا يعني التصفية الأيديولوجية بل يعني تطوير الأدوات النضالية في حركة التجديد والإصلاح نحو التغيير الجذري.
أدلة حيوية الحزب الشيوعي وتأثيره 2019 2026م
في مجال النضال الجماهيري كان الحزب الشيوعي هو العقل المدبر لتجمع المهنيين السودانيين وصاحب صياغة إعلان الحرية والتغيير وقدم أعلى نسبة من الشهداء والمعتقلين بعد انقلاب 25 أكتوبر وكذلك في هذه الحرب العبثية.
أما سياسياً فقد كان الحزب الشيوعي من أوائل من أعلنوا لا للحرب في الخامس عشر من أبريل وقدم تصوراً متكاملاً لجيش قومي موحد وحل المليشيات وتفكيك اقتصاد الحرب.
واليوم هذا هو الموقف الرسمي لكل القوى المدنية السياسية المهنية والثورية.
وفي المشروع البديل طرح الحزب مشروع التغيير الجذري الذي التفت حوله غالبية القوى الثورية والمهنية ويتضمن إعادة هيكلة الدولة المدنية واسترداد الشركات الأمنية ومجانية التعليم والصحة وحكم فدرالي ديمقراطي.
وهذا برنامج طبقي واضح بعكس وثائق التسوية الهلامية التي يتبجح بها البعض ويعدها إنجازاً.
وبالطبع هذه ليست ذاكرة تاريخية هذه أفعال سياسية واقعية راهنة تؤكد حضور الحزب وتأثيره في المشهد السياسي السوداني.
قراءة مقارنة تجارب التجديد في الحركة الماركسية
الحزب الشيوعي الصيني بعد 1978 لم يتخل لحظة عن قيادة الحزب وطور الأدوات الاقتصادية فقط وكانت النتيجة قوة عظمى.
واليسار اللاتيني في بوليفيا والبرازيل نجح لأنه جمع بين البرنامج الاشتراكي والانحياز للشعوب الأصلية والفقراء ولم يتنازل عن جوهره الطبقي.
أما الحزب الشيوعي السوداني نفسه فقد صمد أمام ثلاث أنظمة دكتاتورية وحظر وانشقاقات وسر الصمود هو العقيدة زائد التنظيم.
في حين أن الأحزاب التي غيرت جلدها لترضي الجميع اختفت من المشهد.
قضية التمثيل والأقاليم
إن اتهام الحزب الشيوعي بالمركزية فيه تجاهل متعمد لتاريخه النضالي.
فهو أول من نادى بحق تقرير المصير لجنوب السودان 1953 وكان له حضور عميق عبر اتحاد مزارعي الجزيرة ونقابات عمال الموانئ واتحاد الطلاب.
وأزمة السودان هي أزمة دولة مركزية قابضة وليست أزمة حزب.
وحل الحزب لهذه المعضلة هو الفدرالية الديمقراطية ضمن مشروع التغيير الجذري وليس التخلي عن المشروع القومي.
الخاتمة والتوصيات
تخلص هذه القراءة إلى أن المقال محل النقد يقيس الحزب الشيوعي السوداني بمعيار خاطئ معيار الرضا اللحظي بدلاً من معيار القدرة التاريخية على التغيير.
أولاً الحزب لا يعاني أزمة وجود بل يعاني أزمة حصار حصار الحرب وحصار إعلامي وحصار مالي.
ثانياً التجديد المطلوب هو تجديد الأدوات النضالية في الإعلام والعمل وسط الشباب والنساء وعقد التحالفات التكتيكية وليس تجديد الجوهر الانحياز الطبقي مناهضة الإمبريالية الدولة المدنية الديمقراطية.
ثالثاً مستقبل السودان لن يصنعه الخطاب النخبوي القاصر بل الكتلة التاريخية التي يقودها حزب طليعي جماهيري له برنامج مقنع وتنظيم قوي وهذا ما يمثله الحزب الشيوعي.
وكما قال لين بدون نظرية ثورية لا يمكن أن تكون هناك حركة ثورية والحزب الشيوعي هو حامل هذه النظرية في السودان.



