الرقص في زمن الحزن

ظل مشهد بعينه يستوقفني كلما رأيته في مناسبة سودانية تجمع الناس حول الغناء والموسيقى، ذلك المشهد الذي تبدو فيه الأجساد وكأنها تستجيب للأغنية استجابة لا تتطابق بالضرورة مع معناها المباشر؛ فقد تكون الأغنية مشبعة بالحنين، أو تتحدث عن الفراق، أو تستعيد شخصا غاب، أو تحمل في كلماتها شيئا من الوجع الذي تعرفه الذاكرة السودانية جيدا، ومع ذلك يتحرك الناس مع إيقاعها، وتتجاوب الأكتاف والرؤوس والأجساد معها، وكأن الحزن الذي تحمله الكلمات لم يمنع الجسد من التعبير، بل ربما دفعه إلى البحث عن لغة أخرى يقول بها ما لا تستطيع الكلمات وحدها أن تقوله.
ولأنني لا أعتقد أن هذه الظاهرة يمكن تفسيرها ببساطة باعتبارها حبا سودانيا للرقص أو استجابة تلقائية للإيقاع، فقد ظل السؤال بالنسبة إلي أوسع من ذلك بكثير؛ ما الذي يجعل الإنسان السوداني، في لحظة يكون فيها المعنى مشبعا بالحزن، يميل إلى التعبير الجسدي بدلا من الانكفاء على ذاته، وما الذي تقوله هذه الحركة عن طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة في الثقافة السودانية، وعن الطريقة التي يتعامل بها السوداني مع الحزن حين لا يعود الحزن شأنا فرديا وإنما يصبح تجربة تتقاسمها جماعة كاملة؟
ربما تكون البداية من الموسيقى نفسها، لأن الأغنية السودانية لا يمكن دائما فصل كلماتها عن إيقاعها، ولا يمكن التعامل مع الإيقاع باعتباره مجرد خلفية صوتية للكلمات، فالإيقاع يخاطب الجسد بطريقة مختلفة عن مخاطبة الكلمات للعقل، وقد يجد الإنسان نفسه مستجيبا للحركة قبل أن يكون قد انتهى من استيعاب المعنى، خصوصا حين تكون الأغنية حاملة لذلك التركيب السوداني المعروف الذي يجمع الحنين بالطرب، والوجع بالدفء، واستعادة الغائب باستعادة الحياة التي كان جزءا منها. ولذلك فإن الأغنية الحزينة لا تصل بالضرورة إلى الجسد بوصفها حزنا خالصا، وإنما تصل إليه بوصفها تجربة مركبة تتجاور فيها مشاعر لا تبدو، في ظاهرها، قابلة للاجتماع.
وهنا ربما تكمن إحدى خصائص التعبير الإنساني التي تكشفها الموسيقى بوضوح أكبر من أي وسيط آخر؛ فالإنسان لا يعيش مشاعره في غرف منفصلة، بحيث يكون الفرح في غرفة والحزن في أخرى، وإنما يمكن أن يشعر بالحزن والحنين والامتنان والدفء في اللحظة نفسها، ويمكن أن يستعيد شخصا فقده من خلال أغنية فيتألم لغيابه، وفي الوقت نفسه يشعر بالسعادة لأنه ما زال قادرا على استعادة أثره، ولذلك فإن حركة الجسد مع أغنية حزينة لا تعني بالضرورة أن صاحبها لا يشعر بالحزن، وإنما قد تعني أن الحزن وجد لنفسه شكلا آخر من أشكال التعبير.
ومن هذه الزاوية يبدو الجسد السوداني أكثر أهمية مما نمنحه عادة من انتباه، لأن الجسد لا يؤدي هنا وظيفة جمالية أو ترفيهية فحسب، وإنما يدخل في علاقة اجتماعية مع الآخرين؛ فالشخص الذي يتحرك أمام المغني أو مع المجموعة لا يعبر عن إحساسه الخاص وحده، وإنما يشارك في صناعة لحظة جماعية يصبح فيها الانفعال قابلا للتبادل، وتصبح الحركة وسيلة للقول إن ما يحدث في الأغنية لا يخص المغني وحده ولا الشخص الذي يقف أمامه، وإنما يجد صداه في الموجودين جميعا.
وهذه المشاركة هي التي تجعل الرقص، في بعض السياقات السودانية، أقرب إلى لغة اجتماعية منه إلى مجرد أداء جسدي، لأن الجسد يقول من خلال الحركة ما قد لا تقوله اللغة المباشرة من اعتراف بالمشاركة والتأييد والتفاعل والحضور. حين يتحرك شخص مع أغنية يستمع إليها آخرون، فإنه لا يشرح مشاعره لهم، لكنه يضع جسده داخل اللحظة نفسها، فيصبح وجوده جزءا من المعنى، ويصبح الآخرون قادرين على قراءة ذلك الوجود بوصفه استجابة مشتركة لما يحدث في المكان.
ولعل هذا يفسر شيئا من طبيعة الاجتماع السوداني الذي كثيرا ما يحاول ألا يترك الإنسان وحيدا أمام مشاعره، فالحزن نفسه سرعان ما يجد طريقه إلى الجماعة، كما يجد الفرح طريقه إليها، وتصبح المناسبة الاجتماعية فضاء لإعادة توزيع الانفعال بين الناس، بحيث لا يبقى الشعور محصورا في داخله الفردي وإنما يصبح قابلا لأن يحمله الآخرون معه. ولذلك فإن مجلسا سودانيا يمكن أن يجمع بين الحكاية والضحكة والحنين والغناء واستعادة الموتى في السياق نفسه، من غير أن يشعر المجتمع بأن هذه العناصر متناقضة بالضرورة، لأن الحياة في التجربة اليومية لا تأتي موزعة بهذه الحدود الصارمة التي نضعها لها حين نحاول تحليلها من الخارج.
ومن هنا يمكن فهم شيء آخر يتعلق بالشخصية السودانية من دون الوقوع في التعميم السهل حول وجود «شخصية سودانية» واحدة متجانسة؛ فالسودان بتنوعه الاجتماعي والثقافي لا يسمح بمثل هذا الاختزال، لكن هناك أنماطا متكررة في الاجتماع السوداني تجعل الجماعة حاضرة بقوة في طريقة التعبير عن المشاعر، وتجعل الموسيقى والغناء والطقس الاجتماعي والمشاركة الجسدية عناصر متداخلة في صناعة المناسبة، بحيث لا يكون الإنسان مجرد مستمع للأغنية وإنما يصبح جزءا من المجال الذي تنتج فيه الأغنية معناها الاجتماعي.
ولهذا فإن الرقص على أغنية حزينة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نقيضا للحزن، وإنما ربما باعتباره طريقة أخرى لحمله؛ فالحزن الذي يبقى داخل الفرد يمكن أن يصبح ثقيلا، بينما الحزن الذي يجد طريقه إلى الجماعة يصبح قابلا للتقاسم، وحين يدخل الغناء في هذه العملية فإنه يمنح الحزن صوتا، وحين تدخل الحركة الجسد في التعبير، وحين تكون الجماعة حاضرة يصبح الألم أقل عزلة، ولذلك قد يكون الرقص في بعض لحظاته السودانية نوعا من المشاركة في الحزن أكثر مما هو احتفال بالفرح.
وهنا تصبح الحرب السودانية الحالية أكثر من مجرد خلفية نستدعيها لتفسير الظاهرة، لأنها نقلت الحزن من مساحة التجارب الفردية المتفرقة إلى مستوى يكاد يكون شاملا، وجعلت الفقد والنزوح والغياب وتشتت الأسر وانهيار المدن والبيوت والأماكن المألوفة جزءا من التجربة اليومية لعدد هائل من السودانيين، بحيث لم يعد الحزن حدثا استثنائيا يطرأ على الحياة من الخارج، وإنما أصبح جزءا من تركيب الحياة نفسها، ومع ذلك ظل السودانيون يبحثون عن الاجتماع وعن الموسيقى وعن الحكاية وعن الضحكة وعن كل تلك الأشكال التي تسمح للحياة بأن تستمر من دون أن تنكر ما أصابها.
وهذا في تقديري يستحق التوقف عنده طويلا، لأن استمرار القدرة على الغناء والاجتماع والضحك والحركة وسط الحرب لا ينبغي أن يقرأ باعتباره لا مبالاة بالحزن أو محاولة للفرار منه، وإنما يمكن أن يكون، في أحد معانيه العميقة، وسيلة للمقاومة النفسية والثقافية؛ فالإنسان الذي يعيش وسط الفقد يحتاج إلى أكثر من الخطاب الذي يذكره بالمأساة، ويحتاج أيضا إلى فضاء يستعيد فيه صورته عن نفسه بوصفه إنسانا قادرا على الحياة، لأن الحرب لا تقتل الناس فقط، وإنما تحاول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن تعيد تشكيل علاقتهم بالمكان والذاكرة والجماعة والمستقبل، وحين يظل المجتمع قادرا على استعادة الأغنية والحكاية والحركة، فإنه يستعيد شيئا من حياته التي تحاول الحرب أن تنتزعها منه.
ومن هنا يمكن النظر إلى الأغنية السودانية في زمن الحرب باعتبارها أكثر من عمل فني؛ إنها تصبح مساحة لاستعادة الذاكرة، واستعادة الوجوه والأماكن والأزمنة التي تبددت، وقد تحمل الأغنية في كلماتها حزنا عميقا، لكنها تمنح في الوقت نفسه للذين يستمعون إليها إمكانية الاجتماع حول ذلك الحزن، وهذا الاجتماع نفسه قد يكون فعلا من أفعال استرداد الحياة، لأن الجماعة حين تغني معا لا تستعيد الأغنية وحدها، وإنما تستعيد قدرتها على أن تكون جماعة، وهذه ربما تكون إحدى أكثر الوظائف الخفية للموسيقى في زمن الانهيار.
ولذلك لا أرى أن المفارقة بين الأغنية الحزينة والرقص مفارقة حقيقية، بل ربما تكون المفارقة في افتراض أن الحزن يجب أن يؤدي دائما إلى السكون؛ فالحزن يمكن أن يتحول إلى كلام، ويمكن أن يتحول إلى بكاء، ويمكن أن يتحول إلى صمت، لكنه يمكن أيضا أن يتحول إلى غناء وحركة واجتماع، لأن الإنسان لا يملك شكلا واحدا للتعامل مع الألم، والمجتمعات التي عاشت طويلا مع الأزمات تطور، بوعي أو من دونه، وسائلها الخاصة لحماية تماسكها النفسي والاجتماعي.
ومن هذه النقطة تحديدا أجد نفسي أمام صورة أخرى، سياسية هذه المرة، تبدو لي شديدة القرب من الصورة الأولى، وهي صورة الدعوة التي أطلقها رئيس مجلس السيادة إلى الحوار، وما أثارته هذه الدعوة من نقاش واسع بين القوى السياسية والمدنية المختلفة؛ ففي ظاهر الأمر تبدو الدعوة نفسها كأنها أغنية حزينة خرجت من واقع شديد الألم، من بلد أنهكته الحرب، ومن مجتمع فقد الكثير من قدرته على الاحتمال، ومن أزمة سياسية لم تعد مجرد خلاف بين النخب وإنما تحولت إلى مأساة إنسانية مفتوحة، ولذلك فإن الكلمات التي تأتي بها الدعوة إلى الحوار لا يمكن فصلها عن هذا الحزن العام الذي يحيط بالسودان كله.
لكن ما إن خرجت الدعوة إلى المجال السياسي حتى بدأت الأجساد السياسية تتحرك حولها، وبدأنا نشهد ذلك الرقص الجماعي الذي تعرفه السياسة حين تواجه لحظة ثقيلة؛ طرف يقترب، وآخر يبتعد، وثالث يضع شروطا، ورابع يرفض المبدأ ويقبل الفكرة، وخامس يعيد تعريف الحوار، وسادس يسأل عن الجهة التي تملك حق الدعوة، وسابع ينظر إلى التوقيت، بينما يستدعي الجميع مواقف الماضي ومخاوف الحاضر واحتمالات المستقبل، بحيث تصبح الدعوة نفسها، في غضون أيام، مركز حركة سياسية واسعة تتجاوز نصها الأول بكثير.
وهنا لا أقصد بالرقص الاستخفاف بالنقاش السياسي أو وصفه بأنه حركة فارغة، وإنما أقصد ذلك المعنى الأعمق الذي ظهر في الجزء الأول من المقال: حين تأتي الأغنية محملة بالحزن، لا تتوقف الجماعة بالضرورة عن الحركة، وإنما تبدأ في التعبير عن علاقتها بالأغنية من خلال حركتها حولها. والدعوة إلى الحوار، بالمعنى نفسه، جاءت من قلب حزن سوداني هائل، لكن القوى السياسية لم تتعامل معها بوصفها نصا مغلقا، وإنما بدأت تتحرك حولها، تفسرها وتعيد صياغتها وتضع شروطها وتختبر نيات أصحابها وتبحث عن موقعها منها، تماما كما يتحرك الناس حول أغنية لا يستطيعون أن يتركوا حزنها ساكنا في مكانه.
ولعل هذه المقارنة تكشف شيئا أكثر أهمية من مجرد التشبيه البلاغي، لأنها تضعنا أمام السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يحكم النقاش حول الحوار: هل نحن نتحرك لأننا نريد بالفعل أن نحول الحزن السوداني إلى طريق للخروج منه، أم أننا نتحرك حول الحزن نفسه من دون أن نمتلك القدرة على تحويل الحركة إلى فعل سياسي منتج؟فالأغنية الحزينة يمكن أن تجعل الناس يرقصون، لكن الرقص لا يغير مضمون الأغنية، كما أن النقاش السياسي الواسع حول الحوار لا يعني بالضرورة أن الحوار نفسه قد اقترب، فقد تكون الحركة حول الفكرة علامة على حيويتها، وقد تكون في الوقت نفسه وسيلة لتأجيلها، وقد تكشف كثافة النقاش عن عمق الحاجة إلى الحوار، لكنها قد تكشف أيضا عن حجم انعدام الثقة الذي يجعل كل طرف يحاول أن يعيد صياغة المبادرة قبل أن يسمح لها بأن تتحول إلى مسار فعلي.
وهنا يصبح التشبيه أكثر قسوة، وربما أكثر فائدة؛ لأن السودان اليوم لا يحتاج إلى أن يرقص حول الحزن السياسي، وإنما يحتاج إلى أن يجد طريقة لتحويل هذا الحزن إلى فعل يوقف إنتاجه.
الحرب جعلت الحزن وطنيا، والدعوة إلى الحوار جاءت في لحظة صار فيها استمرار الحرب أكبر من قدرة أي طرف على تجاهله، ولذلك فإن قيمة الحوار لا ينبغي أن تقاس بعدد القوى التي تناقشه، ولا بعدد البيانات التي تصدر حوله، ولا بكمية الشروط التي تضعها الأطراف، وإنما بقدرته على الانتقال من الحركة حول المأساة إلى محاولة جادة لإنهائها.
في الأغنية، قد يكون الرقص نفسه جزءا من جمال اللحظة، لأن الناس لا يريدون للحزن أن يسلبهم قدرتهم على المشاركة في الحياة؛ أما في السياسة، فإن الحركة لا تصبح ذات معنى إلا إذا قادت إلى شيء يتجاوزها، لأن الرقص حول الحرب لا يوقف الحرب، والرقص حول الحوار لا يصنع الحوار، وكثرة الحديث عن السلام لا تعني بالضرورة أننا اقتربنا من السلام، كما أن كثرة الحركة حول الأغنية لا تغير كلماتها، وإنما تكشف فقط مقدار ما تفعله الأغنية في الذين يسمعونها.
ولذلك فإن صورة «الأغنية الحزينة والرقص الجماعي» ربما تختصر شيئا من المشهد السوداني الراهن على نحو يتجاوز السياسة المباشرة؛ نحن مجتمع أنهكته أغنية الحرب، ومع ذلك ما زلنا نتحرك حولها، نختلف في تفسيرها، ونبحث عن الكلمات التي يمكن أن توقفها، ونحاول أن نستعيد من خلالها شيئا من ذاكرتنا، لكن المأساة تبدأ حين تصبح الحركة بديلا عن التغيير، وحين يصبح النقاش نفسه غاية مستقلة عن القدرة على تحويله إلى فعل.
ربما لهذا استفزني في البداية مشهد السودانيين وهم يرقصون على أغنية حزينة، لأنني اكتشفت فيه، بعد التأمل، صورة تتجاوز المناسبة التي يحدث فيها الرقص؛ ففي تلك الحركة شيء من علاقتنا بالحزن، وبالجماعة، وبالذاكرة، وبقدرتنا الغريبة على أن نحمل الألم ونحن نواصل الحياة، وفي السياسة أيضا نبدو كأننا نفعل الشيء نفسه، إذ جاءت الدعوة إلى الحوار محملة بثقل اللحظة السودانية، ثم تحركت حولها القوى السياسية والاجتماعية في نقاش واسع، وكأن الأغنية الحزينة وجدت مرة أخرى جسدا جماعيا يرقص حولها.
لكن الفارق الذي يجب ألا نغفله هو أن الرقص أمام الأغنية يمكن أن يكون طريقة جميلة لحمل الحزن، أما الرقص حول المأساة السياسية فلا ينبغي أن يصبح وسيلة للتهرب من مسؤولية الخروج منها.
ولعل السودان الآن يقف تحديدا عند هذه المسافة الدقيقة بين الأمرين: بين مجتمع يعرف، من تجربته الطويلة، كيف يحول الحزن إلى غناء وحركة واجتماع، وبين دولة ومجتمع سياسيين مطالبين بأن يحولا الحزن هذه المرة إلى فعل تاريخي يضع نهاية للحرب، لا إلى مناسبة جديدة يتعلم فيها الجميع كيف يرقصون حول الأغنية نفسها.
فربما كانت الأغنية الحزينة ضرورية لكي نتذكر أننا ما زلنا قادرين على الحياة، لكن الوطن المنهك من الحرب يحتاج إلى أكثر من ذلك؛ يحتاج إلى أن يتوقف الرقص حول الحزن السياسي في اللحظة التي يصبح فيها قادرا على أن يمد يده إلى المعنى الأصعب: أن يبدأ الناس، أخيرا، في تغيير الأغنية نفسها.


