مقالات وآراء

من يحتاج العفو العام؟

محمد علي الحسن

يبدو أن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح، قبل أن نناقش العفو العام والحصانات والضمانات، هو سؤال أبسط وأكثر مباشرة: من الذي يحتاج إلى العفو أصلاً؟

فالعفو ليس فضيلة في ذاته، والحصانة ليست حقاً طبيعياً لمن ارتكب جريمة، ولا ينبغي أن تتحول المصالحة إلى الاسم الحسن للإفلات من العقاب.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على كل من يتحدث اليوم عن العفو العام في السودان هو: هل تحتاج إليه القوى المدنية؟ أم أن الحاجة الحقيقية إليه تقع في الجانب الآخر، حيث يقف قادة المؤسسات والقوات التي تلاحقها اتهامات وانتهاكات جسيمة؟

البرهان يحتاج إلى العفو أكثر مما تحتاجه القوى المدنية. وحميدتي، إذا كان المقصود هو تجاوز الجرائم المنسوبة إلى قواته وقيادته، يحتاج إليه أكثر. أما القوى المدنية التي لم تكن صاحبة تشكيلات مسلحة ولا صاحبة قرار إطلاق الرصاص، فلا معنى لوضعها في الكفة نفسها مع من امتلك السلاح والقرار العسكري والأمني.

لقد كان أحد العناوين الكبرى للعملية السياسية التي انتهت إلى الاتفاق الإطاري هو العدالة والعدالة الانتقالية. والنص المنشور للاتفاق الإطاري نفسه كان واضحاً في الحديث عن كشف الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، وضمان عدم الإفلات من العقاب.

ولذلك لم يكن غريباً أن يخرج السودانيون في يوم توقيع الاتفاق نفسه وهم يهتفون: «يا عسكر ما في حصانة». لم يكن ذلك شعاراً عابراً؛ كان تعبيراً عن جوهر المشكلة التي ظلّت تواجه الانتقال السوداني منذ سقوط البشير: هل تكون الدولة دولة قانون، أم دولة تسويات تحمي أصحاب القوة من نتائج أفعالهم؟

والأهم أن العدالة لم تكن تفصيلاً ثانوياً في الاتفاق الإطاري. فقد أُرجئت إلى المرحلة التالية باعتبارها واحدة من القضايا الأربع التي تحتاج إلى تطوير وتفصيل، إلى جانب الإصلاح الأمني والعسكري، واتفاق جوبا، وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو.

وهنا تحديداً تقع المسألة التي يحاول البعض قلبها رأساً على عقب.

يقال لنا اليوم إن القوى المدنية تحتاج إلى العفو، وإن الجميع بحاجة إلى حصانة حتى تنتهي الحرب. لكن لماذا تحتاج القوى المدنية إلى حصانة من ماذا؟

من جريمة فض الاعتصام؟

من قتل المتظاهرين؟

من القصف الجوي؟

من ارتكاب جرائم الحرب؟

من الاعتقالات والتعذيب؟

من الانتهاكات الواسعة التي صاحبت هذه الحرب؟

القوى المدنية ليست هي الطرف الذي كانت بحوزته الطائرات والمدفعية والدبابات والجنود والكتائب. ومن ثم فإن مساواة المدني الذي مارس السياسة بالعسكري الذي امتلك السلاح والقرار التنفيذي ليست عدالة، وإنما تمييع للمسؤولية.

بل إن المشكلة أقدم من الحرب الحالية.

ففي الفترة التي سبقت توقيع الاتفاق الإطاري، كان ملف العدالة أحد أكثر الملفات حساسية، وكانت قضية فض اعتصام القيادة العامة تحديداً حاضرة بقوة في النقاش العام. وهناك شهادات وتقارير صحفية سودانية من تلك الفترة تتحدث عن أن الحصانة كانت جزءاً من التفاهمات التي أحاطت بالعملية السياسية، وأنها ارتبطت بحماية القيادات العسكرية من الملاحقة القضائية. كما تحدثت مصادر أخرى عن تصور لدى حميدتي بأن الانخراط في التسوية يمكن أن يوفر مخرجاً من الاتهامات التي طالت قواته، ولا سيما ما يتصل بفض الاعتصام.

لكن ينبغي أن نكون دقيقين هنا: لا ينبغي اختلاق محضر تفاوض أو نص سري غير منشور والقول إنه دليل قاطع. ما يمكن قوله بثقة هو أن الحصانة كانت إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل حول التسوية، وأن الشارع السوداني فهم الاتفاق، بحق، باعتباره اختباراً حقيقياً لمسألة عدم الإفلات من العقاب. ويكفي أن شعار «يا عسكر ما في حصانة» كان من الشعارات المركزية في يوم التوقيع نفسه.

ثم جاءت ورشة العدالة الانتقالية في مارس 2023 لتؤكد أن المسألة ليست ترفاً سياسياً. وزارة العدل السودانية قالت إن الورشة ناقشت العدالة الانتقالية باعتبارها قضية وطنية، وتحدثت عن ضرورة المحاكمات العادلة وإنصاف الضحايا وتعويضهم، وعن التزام السودان بتعهداته الدولية.

إذن، أين يأتي العفو العام؟

إذا كان العفو يعني إغلاق ملفات الجرائم الجسيمة قبل التحقيق فيها، فهو ليس مصالحة. إنه إلغاء للعدالة.

وإذا كانت الحصانة تعني أن من امتلك السلاح وأصدر الأوامر يمكنه أن يدخل العملية السياسية آمناً من المساءلة، بينما يُطلب من الضحايا أن ينسوا موتاهم، فهذه ليست تسوية سياسية. إنها مكافأة للقوة.

أما المصالحة الحقيقية فشيء آخر تماماً.

المصالحة لا تعني أن نساوي بين الجلاد والضحية، ولا أن نمحو الجريمة كي نثبت حسن النوايا. المصالحة تبدأ بالحقيقة، ثم المساءلة، ثم جبر الضرر، ثم إصلاح المؤسسات التي سمحت بتكرار الجريمة. وهذا هو المعنى الذي يفقده مفهوم المصالحة عندما يتحول إلى مجرد صفقة بين المسلحين.

ولذلك فإن الحديث عن «العفو العام» ينبغي أن يُعاد إلى موضعه الصحيح.

من يحتاجه؟

من يحتاجه هو من يخشى أن تمتد يد العدالة إليه.

ومن يخشى العدالة ليس هو المواطن الأعزل، ولا الصحفي، ولا الناشط، ولا الحزب الذي خسر السلطة، ولا المدني الذي خرج إلى الشارع.

من يخشى العدالة هو من يحمل في سجله مسؤولية عن دماء، أو يخشى التحقيق في قرارات اتخذها، أو يخشى أن تكشف المحكمة ما لا تستطيع البيانات السياسية إخفاءه.

وهنا تصبح الحرب نفسها مفتاحاً لفهم المسألة.

إذا كانت الحرب قد اندلعت، كما يقال، دفاعاً عن الدولة أو الجيش أو الثورة أو الديمقراطية، فلماذا يصبح أول شرط لإنهائها هو حماية القادة من المساءلة؟

لماذا يصبح مستقبل السودان رهيناً بضمان ألا يسأل أحد: من أصدر الأمر؟ ومن نفذه؟ ومن قتل؟ ومن عذب؟ ومن قصف؟ ومن موّل؟ ومن نهب؟

هذه الأسئلة ليست عقبة أمام السلام.

هذه الأسئلة هي التي تمنع السلام من أن يكون هدنة مؤقتة بين مجرمين مسلحين.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس فقط استمرار الحرب، وإنما أن تنتهي الحرب بالرسالة نفسها التي سبقتها: أن السلاح يحمي صاحبه من القانون.

ذلك هو الدرس الذي ينبغي ألا نخطئه.

فالإفلات من العقاب ليس مجرد نتيجة محتملة لهذه الحرب؛ إنه، في نظرنا، أحد أهم دوافع بعض المشاركين فيها. حين يصبح القائد العسكري مطمئناً إلى أن خسارته السياسية قد تعني فقط انتقاله من قصر إلى قصر، لا إلى قاعة محكمة، يصبح استمرار القوة خياراً عقلانياً بالنسبة إليه.

وحين يعرف أن التفاوض يمكن أن يمنحه حصانة، وأن الحرب يمكن أن تمنحه موقعاً تفاوضياً، وأن الضحايا يمكن أن يتحولوا في نهاية المطاف إلى بند في اتفاق سياسي، فإن الحافز إلى وقف الجريمة يضعف.

وهنا نصل إلى الحقيقة الأكثر قسوة:

قائمة دوافع هذه الحرب مزدحمة بكل شيء تقريباً، لكنها تخلو من الكرامة.

لا كرامة في قتل السودانيين ثم طلب الحصانة.

لا كرامة في تهجير الملايين ثم طلب العفو.

لا كرامة في تدمير المدن ثم تقديم الذات بوصفها حامية للدولة.

ولا كرامة في أن يكون الشرط الأول للسلام هو ألا يسأل القانون أحداً عما فعل.

الكرامة ليست أن يخرج القائد من الحرب محصناً.

الكرامة أن يخرج المواطن منها آمناً.

والعفو الذي يستحقه السودان ليس عفواً عن الجرائم، وإنما عفو الوطن عن أبنائه الذين اضطروا إلى حمل جراح هذه السنوات، وذلك لا يكون إلا بعد أن يعرف الناس الحقيقة، ويُحاسب من تجب محاسبته، ويُجبر ضرر من تضرر.

أما أن يُطلب العفو قبل العدالة، والحصانة قبل الحقيقة، والمصالحة قبل الاعتراف بالضحايا، فذلك ليس طريقاً إلى السلام.

ذلك طريق آخر إلى الحرب.

وإذا كان لا بد من السؤال مرة أخرى:

من يحتاج العفو العام؟

فالجواب واضح:

ليس السودان.

ولا ضحايا السودان.

ولا القوى المدنية.

الذين يحتاجونه هم الذين يخشون اليوم أن يأتي يومٌ لا تحميهم فيه البنادق من القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..