
المقدمة
تشكل الأزمات الوطنية الكبرى في بلدان العالم نقطة اختبار حقيقية للنشطاء والسياسيين، وقد تؤدي إلى تحولات حاسمة في مواقفهم كفاعلين مؤثرين في إعادة إنتاج التماسك الاجتماعي والحفاظ على الذاكرة الجمعية للمجتمع، للحفاظ على التوازن الوطني.
وتبرز شخصية الأستاذ *الصادق علي حسن* – رئيس المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات – كنموذج شامل لما يمكن تسميته بـ *”الفعل المدني العابر للحدود”.
ولئن أمعنا النظر في التجربة التكريمية التي أقامتها مجموعة من أصدقاء الأستاذ الصادق بمقر “مؤسسة صالون الإبداع للثقافة والتنمية” بالقاهرة في ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦م، وتحليل أثرها على ثلاثة مستويات: *البنية الاجتماعية*، *والإنتاج الفكري*، *والدبلوماسية الشعبية*، نتوصل إلى خلاصات مهمة تصلح لإعادة ترتيب العلاقات ومراجعة مرتكزات العمل السياسي والنضالي والثقافي في ميادين مختلفة، تجذب الأنصار للمشروع الوطني حتى في أوساط الطبقات المثقفة ببلدان اللجوء وتجمعات اللاجئين. ويتجلى ذلك بوضوح في:
*أولاً: رأس المال الاجتماعي كأداة للمقاومة الناعمة
إذا انطلقنا من فرضية بورديو حول *”رأس المال الاجتماعي”* كشبكة علاقات قادرة على تحويل الموارد الرمزية إلى فعل مؤثر في كافة المجالات، يتجلى ذلك في قدرة المحتفى به الأستاذ “السندكالي” على جمع طيف سياسي متباين إيديولوجياً واجتماعياً من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين: “الشيوعي، الأمة، الاتحادي، الشعبي، وبينهم أحزاب تقدمية وأحزاب حديثة وقوى ثورية” في فضاء واحد.
مما يشير إلى وظيفة *”الجسر”* التي يقوم بها الفاعل المدني، إذا حركته غريزة حبه للخير والجمال في تفكيك الاستقطاب وخلق بيئة عمل جماعي منظم ومنتج ومدهش، جوهره الإنسان وغايته الوطن.
*ثانياً: منهجية التكريم كعينة بحثية*
شكل حفل التكريم لوحة سودانية أصيلة تصلح كعينة تمثلية للفاعلين السودانيين في المهجر وبلاد اللجوء. وقد حضره:
1. *المستوى الدبلوماسي*: وزراء خارجية سابقون وسفراء مثل السيد *علي يوسف* والسيد *السماني الوسيلة*.
2. *المستوى الحزبي*: شخصيات حزبية ذات وزن من العيار الثقيل، ممثلون عن حزب الأمة القومي: الأمير *بشري الصادق* و*إمام الحلو* وغيرهم. ومن الحزب الشيوعي السوداني: العم *باشمهندس صديق يوسف*. ومن المؤتمر السوداني: *إقبال*. ومن الحزب الاتحادي: *محمد سعيد وصفي*. ومن المؤتمر الشعبي: *بارود صندل* بحضوره ومشاركته في التكريم، وغيرهم كثر.
3. *المستوى المهني والثوري*: لجان المقاومة، الأجسام المهنية والمطلبية، قدماء المحاربين: *اللواء كمال*، منظمات المجتمع المدني، الإعلاميون.
4. *المستوى الثقافي*: حضور الشاعر *محجوب الحاج* الذي قدم نصاً شعرياً وطنياً يمثل قمة الروعة والجمال.
ويشكل هذا التنوع في الحضور والمشاركة مؤشراً كمياً على *”القدرة التوحيدية”* لشخصية الأستاذ الصادق محل التكريم.
*ثالثاً: من النضال الحزبي إلى التأسيس المعرفي*
*1. المحور النضالي-الحقوقي*
– *المرحلة التأسيسية*: كانت الانطلاقة من حزب الأمة القومي، ثم الانتقال دون قطيعة إلى “كتلة التغيير الجذري” كمقاربة ثورية وجد نفسه فيها، ووجد مساحات عمل كبيرة وسط الشباب والنساء.
– *المرحلة الحقوقية*: كان الدور المحوري للأستاذ الصادق عبر “هيئة محامي دارفور” في مناصرة قضايا الحقوق والحريات والدفاع عن الطلاب المفصولين، والمشاركة في قيادة حراك ثورة ديسمبر المجيدة.
– *المرحلة المؤسية*: وهي المرحلة الأهم، مواصلة مشروعه النضالي في القاهرة وتأسيس “المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات” و”مجموعة مناصرة اللاجئين” العاملة في 6 دول، والتي قدمت عملاً مشهوداً شاركت فيه شخصيات مصرية مؤثرة مثل *أسماء الحسيني* والأستاذ الصحفي والمحلل السياسي *نبيل نجم الدين*.
*2. المحور الفكري-الإنتاجي*
يتجاوز النشاط الإطار الاحتجاجي إلى الإنتاج المعرفي:
– *الإنتاج الشخصي*: أكثر من ثمانية مؤلفات تناولت قضايا سودانية معقدة، حيث كتب عن العلاقات السودانية-المصرية، وعن قانون اللجوء المصري، والعدالة الانتقالية، و”المشروع الوطني منذ فجر أكتوبر” وغيرها.
– *الإنتاج التشاركي*: تدشين أكثر من خمسين عنواناً لكتاب سودانيين ومصريين في مجالات متنوعة، مما يعكس وظيفة “الناشر الثقافي” في المهجر.
– *الإنتاج الحواري*: تنظيم الكثير من الفعاليات الثقافية والفكرية والسياسية، بالإضافة إلى عشرة ورش متخصصة في “العدالة المرتجاة” جمعت الطرق الصوفية، الإدارات الأهلية، منظمات المجتمع المدني، القوى الثورية والأحزاب السياسية.
*3. المحور التنظيمي-الشبكي*
تظهر أهمية *”الرفقة”* كرأس مال بشري. عمل المحتفى به ضمن منظومة تشاركية مع *يوسف آدم بشر* و*مدثر فضل موسى* و*أحمد بطران* و*انتصار العقلي* و*علي تونجا* و*عماد أونسة* وآخرين في المجموعة وهيئة محامي دارفور، لا يسع المجال لذكرهم.
هذه الشبكة هي التي مكنته من تحويل الخطاب إلى فعل منتج شهدته القاهرة في الأمسيات الثقافية، وسعدت به وثمنته الخرطوم.
ميدانياً: من إطلاق سراح محتجزين في أسوان، إلى إقامة فعاليات بالشراكة مع أحزاب مصرية ودار “نفرتيتي” دون تكلفة مادية تذكر، حيث التزمت الأحزاب المصرية بفتح دورها للسودانيين. وقبل ذلك فتحوا عقولهم وقلوبهم واهتموا بمأساة السودانيين وعملوا بجد واجتهاد لإيجاد حلول ناجعة للأزمة السودانية.
*رابعاً: من الإغاثة إلى تجسير الهوية*
يمثل الخطاب الذي قدمته المجموعة السودانية بمصر تحولاً من *”خطاب اللجوء”* إلى *”خطاب الشراكة”*. وتتمثل أطروحته المركزية في: *”مصر امتداد طبيعي للسودان والسودانيون إخوة وليسوا لاجئين”*.
وهذا الخطاب يحقق وظيفتين أساسيتين: داخلياً بث الطمأنينة في أوساط مجتمع اللاجئين، وإعادة تعريف العلاقة الثنائية في الوعي المصري بعيداً عن النظرة الأمنية.
*خامساً: الانتقال النوعي – من القاهرة إلى دول الجوار*
أما توجه السيد الصادق إلى دول الجوار لإيجاد شراكة ذكية في العمل النضالي والإنساني، فيمثل التوجه نحو *جمهورية جنوب السودان* ثم *يوغندا* تطبيقاً لمفهوم *”الدبلوماسية الشعبية”*.
الهدف المعلن هو *”إحياء العمل السياسي والنضالي والثقافي في أوساط اللاجئين وربطهم بدوائر الوعي والتأثير”*.
وهذا الانتقال يؤسس لنظرية مفادها: أن الحفاظ على الدولة يبدأ بالحفاظ على الإنسان خارج حدودها.
*الخلاصة*
تؤكد الدراسة أن تكريم الأستاذ الصادق علي حسن هو توثيق لـ *”نموذج ملهم في الجمع بين النبل الأخلاقي والاستقامة الفكرية دون مداهنة إلا للحق والوطن”* كما جاء في شهادة د. *مدينة حسين دوسة* – منظمة اتحاد العلماء والخبراء الدارفوريين.
*أهم الاستنتاجات:*
1. الفاعل المدني الفرد يمكنه أن يتحول إلى *”مؤسسة معنوية”* قادرة على تجاوز الانقسامات.
2. العمل الثقافي والحقوقي في المهجر هو امتداد لمعركة التأسيس الوطني وليس بديلاً عنها.
3. *”الصخر”* الذي أشار إليه الخطاب الشعبي يمكن دقه عبر شبكات العلاقات والإنتاج المعرفي المستمر.
*التوصية*: ضرورة توثيق هذه التجارب وأرشفتها ضمن *”مركز دراسات الهجرة واللجوء السوداني”* لتصبح مادة أكاديمية للأجيال القادمة.
*”متعه الله بالصحة والعافية ليبقى دائماً منارة للعطاء والصدق”*



