سُرَادِق فكر أصحاب الثلاثين عاما

استرعت كلمة «سرادق» انتباهي على نحو لم أتوقعه، وقفز فكري منها، في لحظة واحدة، إلى ثلاثين عاما كاملة من عمر السودان، وإلى جماعة حكمت البلاد باسم مشروع قالت إنه جاء ليعيد صياغة الدولة والمجتمع والإنسان، فإذا بي أجدني أسأل نفسي، لا عن الذي فعلوه فقط، فقد صار ذلك معروفا ومكتوبا وماثلا في ذاكرة الناس، وإنما عن شيء آخر ربما يكون أكثر إلحاحا: كيف كان يفكر هؤلاء؟
ما الذي كان يجري في العقل الذي أمسك بالدولة طوال هذه السنوات، وجعل من الإنسان السوداني موضوعا دائما لإعادة التشكيل والضبط والتصنيف، حتى انتهى الأمر إلى هذه العلاقة الغريبة بين السلطة ومجتمعها، حيث بدا الإنسان في كثير من الأحيان خصما للمشروع لا غايته، وعقبة ينبغي تجاوزها لا قيمة ينبغي حمايتها؟
ولست هنا بصدد فتح دفتر الاتهام القديم، ولا إعادة تعداد ما جرى من فساد واستبداد وتمكين وإقصاء، فقد امتلأت الذاكرة السودانية بما يكفي من الوقائع التي لا تحتاج إلى كثير شرح، وإنما أحاول أن أذهب خطوة إلى الوراء، إلى المنطقة التي تسبق الفعل السياسي نفسه، إلى ذلك المكان الخفي الذي تتكون فيه الأفكار التي تجعل الفعل ممكنا، بل وربما تجعل صاحبه يراه مشروعا وضروريا ومبررا.
فإذا افترضنا، جدلا، أن بعض أصحاب المشروع جاءوا إلى السلطة وفي أذهانهم غايات تتصل بالسلطة والثروة والنفوذ، وهي أمور عرفتها السياسة في كل زمان ومكان، فلماذا لم يكن الأمر مجرد استيلاء على الدولة والاستفادة من مواردها؟
ولماذا احتاج المشروع إلى كل هذا القدر من العداء للإنسان السوداني، وإلى هذا الإصرار على ملاحقة المختلف، وتوزيع الناس بين من هم معنا ومن هم علينا، وإلى ذلك القبح الذي تسرب إلى علاقة السلطة بالمجتمع حتى صار الاختلاف في الرأي، في أحيان كثيرة، سببا كافيا للعقوبة والإقصاء والتشويه؟
كنت أقول في نفسي، وربما في شيء من السخرية المرة: إذا جئتم للسرقة فلتسرقوا، فالباب كان مفتوحا على مصراعيه، فلماذا كل هذا العداء للإنسان؟
لكن السؤال، حين نترك السخرية جانبا، يصبح أكثر جدية، لأن السرقة وحدها لا تفسر شيئا بهذا الحجم، كما أن الاستبداد وحده لا يفسر دائما تلك الرغبة في إعادة تشكيل المجتمع وفقا لصورة ذهنية مسبقة عن الإنسان الصالح، والمواطن الصالح، والمجتمع الصالح، والدولة الصالحة.
هناك شيء أعمق من ذلك كله، شيء يتصل بطريقة النظر إلى الإنسان وإلى الاختلاف وإلى المعرفة وإلى الدولة نفسها.
ولعل واحدة من أكثر المسائل التي تستحق التوقف عندها هي أن أصحاب المشروع لم يدخلوا الدولة بعقلية إدارة مجتمع موجود بالفعل، بكل تعقيداته وتناقضاته وتاريخه وطبقاته وثقافاته، وإنما دخلوا إليها وفي أذهانهم صورة لمجتمع ينبغي أن يكون، وإنسان ينبغي أن يصبح، ودولة ينبغي أن تخضع لمنظومة فكرية بعينها.
ومن هنا ربما بدأ الخلل الأكبر: حين تتحول الدولة من فضاء لخدمة الإنسان المختلف والمتعدد إلى أداة لإنتاج إنسان مطابق لفكرة مسبقة عنه.
وهنا يصبح «السرادق» أكثر من مجرد كلمة لافتة للنظر، إذ يمكن أن نتخيله بوصفه البناء الفكري الذي عاش داخله أصحاب المشروع ثلاثين عاما، له جدرانه غير المرئية، وله لغته الخاصة، وله تعريفاته للأشياء، وله من يدخل إليه ومن يبقى خارجه، وله أيضا خصوم ينبغي أن يظلوا خصوما، حتى لو لم يفعلوا شيئا سوى أنهم لا يشبهونه.
ولذلك فإن دراسة تجربة الثلاثين عاما لا ينبغي أن تتوقف عند مؤسسات السلطة وأجهزتها وقراراتها، وإنما عليها أن تذهب إلى ما وراء ذلك كله، إلى الأدوات الفكرية التي صنعت طريقة النظر إلى السوداني والسودان: كيف جرى تعريف الوطنية؟
وكيف جرى تعريف الخيانة؟
وكيف أصبح الاختلاف السياسي شبهة أخلاقية؟
وكيف تحولت الخصومة السياسية إلى خصومة مع الإنسان نفسه؟
وكيف أمكن لمشروع سياسي أن يقنع نفسه بأن السيطرة على المجتمع يمكن أن تكون طريقا إلى إصلاحه؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن الأعذار، بل تبحث عن الجذور، لأن معرفة الجذر هي التي تمكننا من فهم الشجرة، حتى لو كانت ثمرتها مرة.
والأمر الأكثر إثارة للتأمل أن أصحاب المشروع امتلكوا زمنا طويلا لم يتوفر لكثير من الحكومات السودانية، وامتلكوا دولة كاملة، وموارد ضخمة، وأجهزة واسعة، وامتلكوا فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء التعليم والاقتصاد والإدارة والخدمة المدنية، ولإعادة اكتشاف الإنسان السوداني من خلال المعرفة الحديثة، لا من خلال القوالب الأيديولوجية.
كان بإمكانهم، لو أرادوا، أن يجعلوا من بناء الإنسان السوداني المشروع الأكبر للدولة، وأن ينظروا إلى التعليم بوصفه صناعة للعقل، وإلى الثقافة بوصفها توسيعا لأفق الإنسان، وإلى الاختلاف بوصفه مصدرا للقوة، وإلى الدولة بوصفها مؤسسة تتسع للجميع لا ملكية خاصة لجماعة بعينها.
وهنا يطل السؤال الذي ربما يكون أكثر إيلاما من كل الأسئلة السابقة: ماذا لو أنهم فعلوا ذلك؟
ماذا لو أنهم وضعوا الإنسان السوداني في مركز المشروع، لا الأيديولوجيا، واستخدموا أدوات المعرفة الحديثة المتزنة لفهم المجتمع بدلا من محاولة إخضاعه، واشتغلوا على تطوير التعليم، وبناء المؤسسات، وإطلاق طاقات الشباب، وتحديث الاقتصاد، وتعزيز التفكير النقدي، وتوسيع المجال العام، وبناء دولة يشعر فيها المختلف بأنه مواطن كامل الحقوق لا مشروع خصم؟
أي سودان كان يمكن أن يكون لدينا اليوم لو أن ثلاثين عاما من السلطة ذهبت في هذا الاتجاه؟
ربما كان السودان سيخرج من تلك العقود أكثر تعليما، وأكثر إنتاجا، وأكثر قدرة على إدارة اختلافاته، وربما كان الإنسان السوداني نفسه سيصبح أكثر ثقة بدولته وبقدرته على صناعة مستقبله، وربما كانت أجيال كاملة ستدخل الحياة العامة وهي تحمل أدوات المعرفة لا أدوات العداء، وتحمل القدرة على الاختلاف لا الخوف منه، وتنظر إلى السياسة باعتبارها وسيلة لإدارة المصالح المتعارضة لا معركة دائمة بين الخير والشر.
لكن التاريخ لا يمنحنا رفاهية إعادة التجربة، ولا يمكننا أن نعرف على وجه اليقين كيف كان سيكون السودان لو اختير طريق آخر، ولذلك فإن السؤال ليس نادما على ما لم يحدث بقدر ما هو محاولة لفهم ما حدث بالفعل: ما الذي جعل بناء الإنسان خارج المشروع، أو في أفضل الأحوال تابعا له، بينما أصبحت إعادة تشكيله وفق رؤية أصحاب المشروع جزءا مركزيا من مهمة الدولة؟
ربما هنا تكمن إحدى الإجابات عن ذلك القبح الذي رأيناه في التعامل مع المختلفين، وعن الغبن الذي تراكم داخل المجتمع، وعن ذلك الإحساس بأن هناك جماعة امتلكت الحقيقة وامتلكت الدولة في الوقت نفسه، فلم تعد ترى في المجتمع مساحة للاختلاف، وإنما ميدانا ينبغي ضبطه وإعادة ترتيبه.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأيديولوجيا حين تدخل الدولة ليس أن تجعل الحاكم يؤمن بفكرة، فالإيمان بالأفكار ليس جريمة، وإنما أن تمنحه اعتقادا بأن فكرته تمنحه الحق في تعريف الإنسان الصالح، وتحديد من يستحق ومن لا يستحق، ومن هو الوطني ومن هو الخائن، ومن ينبغي أن يكون داخل السرادق ومن يجب أن يبقى خارجه.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية بعد كل هذه السنوات: ماذا فعل أصحاب الثلاثين عاما بالسودان؟
فهذا سؤال أجاب عنه الواقع بما يكفي، وإنما السؤال الذي لم نجب عنه بعد بصورة كافية هو: أي عقل جعلهم يرون ما فعلوه ممكنا ومشروعا؟
فالأنظمة لا تسقط فقط حين تفقد السلطة، والأفكار لا تنتهي بمجرد سقوط أصحابها، لأن بعض الأفكار قد تظل حية في اللغة وفي السلوك وفي طريقة النظر إلى الآخر، وقد تنتقل من جماعة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر إذا لم نفهم كيف تشكلت أصلا.
ولعلنا، ونحن نبحث اليوم عن طريق للخروج من هذا الخراب، نحتاج إلى أن نرفع ستار ذلك «السرادق» القديم، لا لنرى من كان يجلس داخله فحسب، وإنما لننظر إلى الأفكار التي كانت معلقة على جدرانه، وإلى الأدوات التي استخدمت لصناعة ذلك العالم، وإلى الإنسان الذي خرج منه مثقلا بالغبائن والخوف والانقسامات.
فربما تكون مهمة السودان القادمة أكبر من تغيير حكومة أو إسقاط مشروع سياسي؛ إنها، في جوهرها، محاولة لإعادة بناء الإنسان الذي أُهمل طويلا، وإعادة الاعتبار إلى عقله وحريته وكرامته وقدرته على الاختلاف، لأن الدولة التي لا تبدأ من الإنسان ستظل، مهما تغيرت أسماؤها وشعاراتها، معرضة لأن تعيد إنتاج السرادق نفسه بأشكال جديدة.
والسؤال الذي يبقى معلقا فوق ذلك السرادق، وربما كان أثقل من كل ما قيل تحته طوال ثلاثين عاما، هو: ماذا كان يمكن أن يكون عليه السودان لو أن بناء الإنسان السوداني كان هو المشروع؟



