مقالات وآراء

قراءة في تصريحات مسعد بولس….دبي ١٥ أغسطس الجاري!!

علاء خيراوي

■ في جلسة حملت عنوان “كيف نقرأ واشنطن” ضمن قمة الإعلام العربي في دبي، الثلاثاء ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦، قال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، كلامًا بالغ الدلالة بشأن مستقبل السودان. فقد أعلن بوضوح أنه “لا مستقبل لأي من القائدين في البلاد” في إشارة إلى عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو “حميدتي” ليزيل كثيرًا من اللغط الذي أحاط بموقف حكومتهوفي الفترة الأخيرة. وأضاف أن واشنطن ترى المستقبل في الانتقال المدني، وأن هذا الانتقال يجب أن يتم بسرعة وسلاسة وبعيدًا عن الجنرالين المتحاربين، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تدعم هذا المسار. وفي السياق نفسه أكد دعم بلاده للجنة الخماسية ومسار الحوار الوطني، وأن مستقبل السودان سيكون للمدنيين والمجتمع المدني، لا للأطراف العسكرية المتصارعة. وهنا تكمن أهمية التصريح؛ بولس لم يكتفِ برفض استمرار البرهان وحميدتي سياسيًا، بل ربط ذلك مباشرة بمسار بديل عنوانه الحوار ثم الانتقال إلى حكم مدني. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس؛ هل تدعم واشنطن الحوار؟ بل؛ أي حوار تدعم، ومن يقوده، وإلى أي سلطة ينتهي؟

■ لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى التسلسل السابق في مواقف بولس والخماسية؛ فتصريح دبي لم يهبط من فراغ، بل جاء في امتداد مسار متدرج. فمن مؤتمر برلين وما تبعه من مشاورات الخماسية، إلى لقاء بولس بالمبعوث الأممي بيكا هافيستو في يونيو، ظل الخطاب الأمريكي يركز على حوار سياسي مدني شامل، يقوده السودانيون، وعلى عملية سياسية تنتهي إلى انتقال بقيادة مدنية. كما أن بيان الخماسية بعد مشاورات أديس أبابا تحدث عن عملية سياسية شاملة، سودانية القيادة والملكية، وصولًا إلى حوار سوداني سوداني أوسع. هذا يعني أن كلمة “الحوار” في القاموس الذي تستخدمه واشنطن والخماسية لم تكن يومًا مرادفًا لحوار تنظمه سلطة أحد طرفي الحرب وتختار له من تشاء، بل جاءت منذ البداية مقترنة بثلاثة أوصاف أساسية؛ مدني، شامل، سوداني القيادة. ومن هنا يصبح أخذ عبارة “ندعم الحوار الوطني” وحدها وعزلها عن هذا السياق تضليلًا لمعنى الموقف نفسه.

■ ثم جاءت الأيام القليلة السابقة لتصريح دبي لتزيد الصورة وضوحًا. ففي ١١ سبتمبر، أي قبل أربعة أيام فقط، أعلن بولس تمسك واشنطن بخارطة طريق الرباعية، وإعلان برلين، والمسار السياسي للخماسية، وعملية سلام سودانية سودانية حقيقية وشاملة تنهي الحرب وتقود إلى انتقال موثوق نحو حكومة يقودها المدنيون وتعكس تطلعات الشعب السوداني. هذه صياغة لا تترك مساحة واسعة للتأويل؛ فالولايات المتحدة تضع المسار الخماسي والحوار السوداني داخل طريق نهايته المعلنة حكومة مدنية، لا إعادة تدوير أحد الجنرالين في ثوب جديد. كما أن الخماسية نفسها ظلت تتحرك في اتجاه جمع طيف واسع من القوى السياسية والمدنية وممثلي المجتمع المدني، وهو ما يؤكد أن المقصود بالعملية السياسية أوسع من أي مبادرة أحادية تصدر من بورتسودان أو من الطرف الآخر في الحرب.

■ صحيح أن الخماسية التقت أيضًا بالقائمين على الحوار الذي طرحته سلطة بورتسودان، كما التقت البرهان وحكومة كامل إدريس، لكن اللقاء لا يعني التبني، وهذه نقطة يجب تثبيتها بوضوح. فالخماسية، في بياناتها ومسارها المعلن، ظلت تتحدث عن عملية سياسية أوسع من حوار السلطة، فيما أعلنت مجموعات من المجتمع المدني والقوى المدنية رفضها أن يتحول أي مسار سياسي إلى غطاء يمنح أحد طرفي الحرب شرعية جديدة. كما أن غياب اسم الحركة الإسلامية السودانية عن خطاب بولس أو عن تصريحات المسؤولين الأمميين الأخيرة لا ينبغي تفسيره باعتباره قبولًا ضمنيًا بوجودها في أي حوار سياسي مقبل؛ فواشنطن حسمت وضعها أصلًا في ٩ مارس ٢٠٢٦ عندما أدرجت “الحركة الإسلامية السودانية/الإخوان المسلمين في السودان” رسميًا على قوائم الإرهاب الأمريكية بوصفها منظمة إرهابية أجنبية وكيانًا إرهابيًا عالميًا مصنفًا، وربطت بها كذلك كتيبة البراء بن مالك. ومن ثم فإن عدم تكرار اسمها في كل تصريح لا يلغي هذا الوضع القانوني والسياسي القائم أصلًا. ولذلك يصبح من الصعب منطقيًا تفسير دعم بولس “لمسار الحوار الوطني” باعتباره تفويضًا للبرهان لقيادة مستقبل السودان؛ إذ كيف يمكن لواشنطن أن تمنحه سلطة رسم مستقبل البلاد، ثم يقول بولس في الجلسة نفسها إن لا مستقبل سياسيًا له ولا لحميدتي، وإن المستقبل للمدنيين والمجتمع المدني؟ الفارق هنا جوهري بين التفاوض مع العسكريين لإنهاء الحرب وبين منح العسكريين حق وراثة الدولة بعد الحرب.

■ هكذا تكتمل الصورة؛ من مؤتمر برلين
ومشاورات الخماسية، إلى حديث بولس عن الحوار السياسي المدني الشامل، ثم تمسكه في ١١ سبتمبر بعملية سودانية سودانية تنتهي بحكومة مدنية، وصولًا إلى تصريح دبي الذي أغلق الدائرة بقوله إن لا مستقبل للبرهان ولا لحميدتي، وإن المستقبل للمدنيين والمجتمع المدني. المعنى هنا أكبر من استبعاد رجلين؛ إنه رسم لحدود المرحلة المقبلة؛ العسكريون قد يكونون طرفًا ضروريًا في وقف النار والترتيبات الأمنية، لكن ذلك لا يمنحهم حق تحويل السلاح إلى شرعية سياسية دائمة. والحوار، وفق هذا المنطق، ليس غرفة تجميل لسلطة عسكرية مأزومة، بل يفترض أن يكون جسرًا إلى استعادة المجال المدني نفسه. ولهذا فإن المعركة القادمة للقوى المدنية ليست فقط تأييد الحوار أو رفضه، بل منع اختطاف معنى الحوار ذاته؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الحرب هو أن تصمت البنادق في الميدان، ثمم تعود السلطة العسكرية من الباب الخلفي تحت لافتة “الحوار”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..