مقالات وآراء

قواعد التأسيس السليم لسودان ما بعد الحرب

زكريا علي عبدالرسول

الحرب في السودان ليست مجرد مواجهة عسكرية يمكن أن تنتهي بتوقف إطلاق النار ثم تعود البلاد إلى ما كانت عليه قبلها، فقد كشفت الحرب عن أزمات تراكمت عبر عقود، في بنية الدولة وعلاقة المركز بالأقاليم، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي إدارة التنوع، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. لذلك فإن انتهاء الحرب يجب أن يكون بداية لمعالجة جذور الأزمة، لا مجرد عودة إلى النظام الذي أنتجها.
سودان ما بعد الحرب يحتاج إلى تأسيس جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون وبناء مؤسسات دولة تتجاوز الأشخاص والأحزاب والمجموعات، ويكون الدستور فيها عقداً وطنياً حقيقياً يحدد شكل الدولة واختصاص مؤسساتها وحقوق المواطنين وواجباتهم، ويضع قواعد واضحة لتداول السلطة وإدارة الموارد وحماية التنوع.
وفي قلب هذا التأسيس تأتي الفدرالية باعتبارها خياراً سياسياً ودستورياً لإعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس الشراكة والعدالة، وليست مجرد تقسيم إداري للأقاليم. فالمشكلة السودانية ارتبطت طويلاً بتركيز السلطة والثروة في المركز، وتحول الوصول إلى المركز إلى طريق رئيسي للحصول على النفوذ والموارد. أما الفدرالية الحقيقية فتمنح الأقاليم صلاحيات دستورية واضحة، وتمكنها من إدارة شؤونها والمشاركة في إدارة الدولة القومية، مع توزيع عادل للموارد والسلطات.
وهنا يلتقي مفهوم الفدرالية مع مفهوم السلام التأسيسي الذي يمثل أحد مرتكزات مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني. فالسلام التأسيسي لا يكتفي بإيقاف الحرب، بل يعالج البيئة السياسية والدستورية والاجتماعية التي أنتجت الصراع، ويعيد تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، وبين الدولة والمواطن، وبين السلطة والمجتمع. والفدرالية، حين تقوم على دستور عادل وتوزيع واضح للسلطة والثروة، تصبح إحدى الأدوات العملية لبناء هذا السلام وترسيخه.
فالسلام الذي يوقف إطلاق النار دون معالجة اختلالات الدولة يظل معرضاً للانتكاس، والفدرالية التي لا تستند إلى عقد وطني شامل قد تتحول إلى مجرد إعادة توزيع إداري للسلطة. أما حين يلتقي السلام التأسيسي مع الفدرالية داخل مشروع دستوري واحد، فإن إعادة بناء الدولة تصبح في الوقت ذاته إعادة بناء لشروط السلام.
ولا يمكن أن يكتمل هذا التأسيس دون بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة ومهنية، تخضع للدستور والقانون وللسلطة المدنية، وتكون مهمتها حماية الدولة والمواطن، لا الدخول في المنافسة السياسية أو الاقتصادية. وإعادة بناء المؤسسة العسكرية ليست مسألة فنية تتعلق بالترتيبات الأمنية وحدها، بل جزء أساسي من إعادة تأسيس الدولة.
كما أن سودان ما بعد الحرب يحتاج إلى حوار سوداني–سوداني شامل لا يستثني القوى السياسية والاجتماعية بسبب مواقفها السابقة، ولا يحصر مستقبل البلاد في مجموعة محدودة من الفاعلين. ينبغي أن يشمل الحوار الأقاليم والمكونات الاجتماعية والشباب والنساء والإدارة الأهلية والمثقفين والمجتمع المدني والقوى السياسية، وأن يكون هدفه الوصول إلى عقد وطني جديد، مع إمكانية الاستفادة من الدور الإقليمي والدولي في التيسير والدعم والضمان، دون أن يتحول ذلك إلى وصاية على القرار السوداني.
وتبقى العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية من أهم قواعد التأسيس. فالسلام لا يعني إسقاط حقوق الضحايا، كما أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للانتقام الجماعي. المطلوب عدالة تحدد المسؤولية الفردية عن الجرائم، وتحفظ حقوق الضحايا، وتفتح الطريق أمام المصالحة وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
أما إعادة الإعمار، فلا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء الطرق والمباني والخدمات التي دمرتها الحرب. السودان يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده، وإحياء الزراعة والرعي والإنتاج، ودعم القطاع الخاص، وتوفير فرص العمل، وإعادة بناء التعليم والصحة والبنية التحتية، مع إعطاء المناطق الأكثر تضرراً من الحرب أولوية حقيقية في برامج التعافي والتنمية.
غير أن أعظم عملية إعادة إعمار مطلوبة هي إعادة بناء العقل السياسي السوداني. فقد أثبتت التجربة أن أزمة السودان ليست في المؤسسات وحدها، وإنما في طريقة التفكير في الدولة والسلطة والاختلاف. ولذلك فإن السودان الجديد يحتاج إلى عقل سياسي يؤمن بالتنوع، ويدير الاختلاف بالحوار، ويضع الدولة فوق الحزب والجماعة والشخص، وينظر إلى السلطة باعتبارها مسؤولية عامة وليست غنيمة سياسية.
بهذه القواعد يمكن أن يتحول انتهاء الحرب من مجرد توقف للقتال إلى لحظة تاريخية لإعادة تأسيس السودان. فالسودان الذي نريده بعد الحرب ليس عودة إلى السودان الذي سبقها، وإنما دولة جديدة في فلسفة تأسيسها، تقوم على المواطنة والعدالة والفدرالية وسيادة القانون والمؤسسات والسلام، وتنظر إلى التنوع باعتباره مصدر قوة، وإلى الوحدة باعتبارها شراكة بين مكونات البلاد وليست هيمنة مركز على أطراف.
إن التأسيس السليم لسودان ما بعد الحرب يبدأ من الاعتراف بأن الحرب كشفت عيوب الدولة، وأن بناء السلام الدائم يقتضي إصلاح تلك العيوب من جذورها. وعندما يصبح السلام تأسيساً، وتصبح الفدرالية إطاراً للشراكة، ويصبح الدستور عقداً وطنياً، يمكن للسودان أن يبدأ أخيراً في بناء الدولة التي عجز عن تأسيسها قبل الحرب.
،،، تحياتي ،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..