مقالات وآراء

الدكتور علاء الدين نقد: من الثورة إلى مسؤولية بناء الدولة — الصحة اختباراً للإنجاز

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

لم يحتج الدكتور علاء الدين نقد إلى تقديم نفسه إلى السودانيين عندما انتقل إلى موقع المسؤولية التنفيذية في سلطة التأسيس. فقد عرفته ثورة ديسمبر واحداً من وجوهها البارزة، وعرفه العمل المهني والنقابي في صفوف الأطباء وتجمع المهنيين، قبل أن تضعه مرحلة التأسيس أمام امتحان مختلف تماماً: الانتقال من مقاومة الدولة القديمة والمطالبة بالتغيير إلى المشاركة المباشرة في بناء دولة جديدة.

وكان هذا الانتقال مبكراً وثقيلاً.

فقد تولى الدكتور نقد مسؤولية الناطق الرسمي باسم التأسيس، وفي الوقت نفسه أصبح وزيراً للصحة، في مرحلة كانت فيها مؤسسات السلطة التنفيذية نفسها لا تزال في طور التشكل. وكان بذلك من أوائل من حملوا مسؤولية تنفيذية وفنية مباشرة في المشروع، قبل أن يكتمل لاحقاً التشكيل الأوسع للسلطة وتُشغل مواقع تنفيذية وسيادية أخرى.

وجد الرجل نفسه أمام أكثر من اختبار في وقت واحد: سياسي يشارك في بناء سلطة جديدة، وناطق رسمي مطالب بتقديم مشروعها إلى السودانيين والعالم، وقيادي يتحمل مسؤوليات إعلامية وتنظيمية في عاصمة التأسيس نيالا، وطبيب ووزير مطالب في النهاية بشيء أكثر مباشرة: أن تصل الخدمة الصحية إلى الإنسان.

ومن هنا ينبغي أن يبدأ تقييمه.

ليس بتاريخ الرجل ولا بمؤهلاته، وليس بما يقوله عن نفسه أو عن مشروع التأسيس، وإنما بما استطاعت المنظومة الصحية أن تفعله في ظروف الحرب والانهيار والنزوح ونقص الكوادر والدواء والإمكانات.

فالاختبار بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه: هل وصلت الخدمة إلى المواطن؟ وهل بدأ إصلاح ما هدمته الحرب؟

إعادة فتح الطريق إلى الصحة

كان من القرارات المهمة في بداية هذه التجربة عدم انتظار اكتمال بناء الدولة ومؤسساتها قبل التحرك.

وبحسب الإفادات المنشورة للدكتور نقد، بدأت الاتصالات مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف منذ يوليو 2025، حتى قبل توليه الوزارة رسمياً، وكان من أولوياتها إعادة برامج التحصين إلى دارفور وكردفان.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز مجرد الاتصال بمنظمات دولية. فقد أدت الحرب إلى عزل مجتمعات واسعة عن شبكات الإمداد والخدمات الصحية، ولذلك كان فتح الطريق بين المؤسسات الصحية المحلية والمنظومة الإنسانية والصحية الدولية جزءاً من إعادة بناء الخدمة نفسها.

وتوسعت الاتصالات والتنسيق بعد ذلك مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف وغيرهما من الشركاء الإنسانيين والصحيين.

وهنا يمكن رؤية جانب أساسي من الدور القيادي للوزير. فالوزير لا يحمل اللقاح بنفسه، ولا يقوم بالتطعيم، ولا يعالج كل مريض، ولا يصلح جهاز غسيل الكلى. تلك مسؤولية شبكة كبيرة من الأطباء والممرضين والفنيين والإداريين والعاملين الصحيين والمؤسسات المحلية والمنظمات الشريكة.

مهمة القيادة أن تجعل هؤلاء قادرين على العمل: أن تفتح الطريق، وتحدد الأولويات، وتبني الثقة، وتحرك الموارد، وتزيل العقبات، وتحول العلاقات الخارجية إلى خدمة في الداخل.

من الاتصال إلى نتيجة يراها المواطن

بدأت بعض النتائج تظهر في أرقام يمكن قياسها.

في سبتمبر 2025 نُفذت حملة واسعة للتطعيم ضد الكوليرا في جنوب وشرق ووسط دارفور. وتشير الأرقام المنشورة إلى أنها وصلت إلى أكثر من 1.019 مليون شخص، وحققت تغطية تجاوزت 97 في المائة.

أما في مكافحة الحصبة، فقد أعلنت وزارة الصحة لاحقاً أن أكثر من مليوني طفل تلقوا اللقاح. وهذا رقم صادر عن بيانات الوزارة ويحتاج بطبيعته إلى أن يظل خاضعاً للتوثيق والمتابعة المستقلة، لكنه، إذا وضع إلى جانب استعادة حملات التحصين الأخرى، يشير إلى عودة قدرة صحية كانت الحرب قد عطلت أجزاء واسعة منها.

وفي غرب كردفان، ظهرت مؤشرات أخرى على استمرار الخدمة وسط ظروف بالغة الصعوبة، شملت عمل مستشفيات ومراكز صحية، وعودة لقاحات الأطفال إلى عدد من مراكز التحصين، وتوفير كميات من التغذية العلاجية للأطفال.

هذه ليست أرقام انتصار في حرب سياسية. إنها شيء أبسط وأهم: أطفال جرى تطعيمهم، ومرضى وجدوا خدمة، ومؤسسات بدأت تتحرك مرة أخرى.

عندما لا يستطيع المريض الانتظار

يقدم غسيل الكلى مثالاً واضحاً على طبيعة المسؤولية الصحية في زمن الحرب. فمريض الفشل الكلوي لا يستطيع انتظار اكتمال الحكومة أو انتهاء الحرب أو وصول ميزانية إعادة الإعمار.

أعلنت الوزارة شراء ست ماكينات جديدة لغسيل الكلى كدفعة أولى، وفي الوقت نفسه جُمِع مهندسو صيانة أجهزة الغسيل في فريق فني متحرك للعمل على إعادة الأجهزة المعطلة إلى الخدمة، إلى جانب محاولة تأمين المستهلكات الضرورية.

ست ماكينات ليست حلاً لمشكلة السودان، ولا ينبغي تقديمها كذلك. لكن الفكرة وراء الخطوة مهمة: لا تنتظر بناء كل شيء من جديد بينما توجد قدرة يمكن إصلاحها واستعادتها.

إصلاح الموجود، وتشغيل الممكن، ثم بناء الجديد.

وهذه قد تكون واحدة من أهم قواعد إعادة إعمار السودان كله، لا قطاع الصحة وحده.

المؤسسة قبل الوزير

ومن القرارات المهمة كذلك عدم تفكيك ما بقي من الإدارات الصحية لمجرد أن سلطة سياسية جديدة قد نشأت.

استمرت الاستفادة من المؤسسات والكوادر الصحية الموجودة، وبدأ العمل على حصر المرافق والعاملين وإعادة تنظيم العلاقة بين الوزارة والإدارات الصحية المحلية.

وهذا عمل قد لا يصنع خبراً مثيراً، لكنه من صميم بناء الدولة. فالحملة الصحية قد تنتهي بعد أسابيع، أما المؤسسة فيجب أن تبقى.

وبالمعيار نفسه، بدأ العمل على حصر العاملين ومعالجة أوضاعهم وحوافزهم وبناء ترتيبات أكثر استقراراً للأجور والمخصصات. لكن هذا الملف لم يكتمل، وكذلك لم يكتمل بعد نظام المعلومات الصحية ولا منظومة الإمداد الطبي بالصورة التي يحتاج إليها قطاع صحي مستقر.

وهنا ينبغي ألا نخفي ما لم يتحقق. فالهدف من التقييم ليس صناعة صورة مثالية، وإنما معرفة ما إذا كان الاتجاه صحيحاً وما إذا كانت القدرة على البناء موجودة.

مواجهة الوباء في قلب الحرب

الكوليرا وغيرها من الأمراض المعدية وضعت هذه القدرة أمام امتحان قاسٍ.

ظهرت إصابات ووفيات، وكانت بعض معدلات الوفاة مرتفعة بصورة مقلقة، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من ضعف المياه والصرف الصحي والنزوح ونقص الكوادر والإمداد.

وجاءت الاستجابة من خلال حملات التطعيم، والعزل والمتابعة في بعض مناطق التفشي، وتحريك مواد الفحص والعلاج، والتوعية والاستعداد لموسم الأمطار.

ولا يجوز الادعاء بأن خطر الأوبئة قد انتهى. لم ينتهِ.

لكن السؤال الأكثر واقعية في هذه المرحلة هو: هل توجد قدرة تتحرك عندما يظهر الخطر؟

الإجابة الأولية هي أن هذه القدرة بدأت تتشكل، وأن المطلوب الآن تحويلها من استجابة للأزمة إلى نظام دائم للترصد والوقاية والاستجابة السريعة.

نجاح لا يحتكره أحد

وهنا يصبح من الضروري ضبط معنى «إنجاز الوزير».

ليست حملات التطعيم إنجاز الدكتور علاء الدين نقد وحده. وليست مكافحة الكوليرا إنجازه الشخصي، ولا تشغيل المستشفى ولا إصلاح جهاز غسيل الكلى.

هذه نتائج صنعها أطباء وممرضون وفنيون وعاملون صحيون وإداريون ومجتمعات محلية، وأسهمت فيها منظمة الصحة العالمية واليونيسف وشركاء إنسانيون وصحيون آخرون.

أما ما ينبغي أن يُحسب للقيادة السياسية والتنفيذية، حيث تؤيده الوقائع، فهو القدرة على جمع هذه الأطراف، وفتح قنوات العمل أمامها، وتحديد الأولويات، وتحريك الموارد المحدودة وتحويلها إلى خدمة تصل إلى الإنسان.

وهذه صورة للقيادة أكثر دقة وأقل احتكارية. فالوزير الناجح ليس من يستطيع أن ينسب كل نجاح إلى نفسه، وإنما من يجعل المؤسسة والناس من حوله قادرين على النجاح.

من الثورة إلى الدولة

وهنا تعود تجربة الدكتور علاء الدين نقد إلى بدايتها.

في ثورة ديسمبر كان الطبيب والنقابي والسياسي جزءاً من حركة تطالب الدولة بأن تحترم الإنسان وتقوم بمسؤوليتها تجاهه. أما اليوم فقد تغير موقع السؤال.

لم يعد السؤال فقط: لماذا لا تقوم الدولة بواجبها؟

بل أصبح: كيف نجعل الدولة تقوم بواجبها؟

وهذا أصعب. فالاحتجاج يستطيع أن يحدد الخطأ، أما الحكم فعليه أن يجد الحل. والسياسة تستطيع أن تعد، أما الوزارة فعليها أن تقدم الدواء واللقاح والسرير والطبيب.

ويمكن القول، بعد هذه الفترة الأولى، إن هناك نتائج تستحق التسجيل، وإن هناك أيضاً عملاً كبيراً لم يكتمل.

تحتاج المرحلة المقبلة إلى انتظام أكبر للإمداد الدوائي، واستقرار أوضاع العاملين، ونظام صحي للمعلومات، وتوسيع الرعاية الصحية الأولية، وإعادة تأهيل المستشفيات، وسد النقص في الاختصاصيين والتشخيص والجراحة والتخدير، والوصول إلى الريف والنازحين والمناطق البعيدة.

كما أن تعدد مسؤوليات الدكتور نقد السياسية والإعلامية والتنفيذية لا يمكن أن يكون صيغة دائمة. نجاحه في المرحلة القادمة سيُقاس أيضاً بقدرته على التفويض وصناعة القيادات وبناء وزارة تستطيع العمل بقوة حتى عندما لا يكون الوزير موجوداً في كل تفاصيلها.

أسباب للأمل

خلال الفترة الأولى، حققت وزارة الصحة بقيادة الدكتور علاء الدين نقد نتائج ملموسة، تمثلت في إعادة فتح قنوات التعاون مع الشركاء الصحيين والإنسانيين، وتنفيذ حملات تحصين واسعة، وتحريك بعض خدمات غسيل الكلى، والحفاظ على عمل مؤسسات وكوادر صحية في مناطق متضررة من الحرب. وتكشف هذه الخطوات عن قدرة على الاستجابة والعمل في ظروف استثنائية، وعن إمكانية تحويل الموارد المحدودة والشراكات المتاحة إلى خدمات تصل إلى المواطنين.

غير أن هذه الإنجازات تظل جزئية ومحدودة الاستدامة، في ظل ضعف الإمداد والتمويل والبيانات، وتعقيد أوضاع العاملين، واعتماد الوزارة بدرجة كبيرة على الشراكات والتمويل الطارئ، فضلاً عن تعدد المسؤوليات السياسية والتنفيذية والإعلامية الملقاة على عاتق الوزير. كما أن استمرار الخدمة في بعض المناطق لا يعني بعدُ إعادة بناء النظام الصحي، ولا يغني عن إصلاح مؤسساته الأساسية، من التخطيط والإمداد والمعلومات إلى إدارة الموارد البشرية والتمويل والرقابة.

وعليه، تمثل التجربة بداية تنفيذية واعدة، لكنها لم تتحول بعد إلى إصلاح مؤسسي مكتمل. وسيُقاس نجاحها الحقيقي بقدرتها على تحويل الاستجابة المؤقتة إلى نظام صحي مستقر وعادل وقابل للقياس والمساءلة؛ نظام لا يعتمد فقط على المبادرات الطارئة أو الدعم الخارجي، بل يمتلك مؤسسات قادرة على الاستمرار، وبيانات موثوقة، وتمويلاً أكثر انتظاماً، وكوادر مؤهلة ومحفزة، وخدمات تصل إلى المواطنين بصورة متوازنة، حتى في المناطق الأشد تضرراً.

وهنا تخدم تجربة الصحة رسالة التأسيس في معناها الأعمق. فمشروع التأسيس لن يرسخ نفسه بمجرد إعلان سلطة جديدة أو إنشاء مؤسسات جديدة، وإنما بقدرته على تقديم نموذج مختلف لممارسة السلطة: دولة تقاس بما تقدمه للإنسان، ومؤسسات أقوى من الأفراد، وقيادة تفتح الطريق أمام أصحاب الاختصاص ولا تحتكر نجاحهم، وخدمة عامة تصل إلى المواطن بصرف النظر عن موقعه أو انتمائه.

بهذا المعنى، فإن ما يجري في وزارة الصحة ليس ملفاً قطاعياً منفصلاً عن مشروع التأسيس، بل واحد من اختباراته المبكرة. فإذا أمكن تحويل هذه البدايات إلى مؤسسة صحية مستقرة، فإن الرسالة ستكون أكبر من نجاح وزير أو وزارة: أن الانتقال من الحرب إلى الدولة، ومن السلطة إلى الخدمة، ومن الوعد إلى الإنجاز، ممكن.

وتلك هي، في نهاية الأمر، إحدى أهم رسائل التأسيس للسودان الذي يريد أن يولد من جديد.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

مؤسس وقيادي في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) روما — 15 سبتمبر 2026 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..