مقالات وآراء

الديون القذرة لنظام الكيزان… لماذا لا ينبغي أن يسدد الشعب السوداني فاتورة سرقاتهم وفسادهم؟

الصادق حمدين

عندما يطيح شعب بنظام استبدادي، فإن سقوط الحاكم لا يعني بالضرورة سقوط إرثه. ففي كثير من الأحيان يبقى الإرث الأثقل هو الديون التي اقترضها ذلك النظام باسم الدولة، بينما استُخدمت في ترسيخ سلطته وإطالة عمرها. وهنا يبرز سؤال أخلاقي وقانوني لا يستطيع المجتمع الدولي الاستمرار في تجاهله: هل يلتزم الشعب بسداد ديون نظام لم يختره، ولم يوافق على سياساته، ولم يكن المستفيد الحقيقي من الأموال التي اقترضها؟
هذا السؤال ليس جديداً. فقد أجاب عنه الفقيه القانوني الروسي ألكسندر ساك عام 1927 عندما صاغ نظرية “الديون القذرة” (Odious Debts)، التي تقوم على مبدأ بالغ الوضوح: إذا اقترض نظام غير شرعي أموالاً لا لخدمة الشعب، وإنما لتكريس الاستبداد أو قمع المواطنين أو إثراء الطبقة الحاكمة، فإن تلك الديون لا تكتسب شرعية أخلاقية، ولا ينبغي أن تنتقل تبعاتها إلى الأجيال اللاحقة.

ورغم أن هذه النظرية لم تتحول إلى قاعدة ملزمة في القانون الدولي، فإنها أصبحت مرجعاً حاضراً في النقاشات القانونية والأكاديمية المتعلقة بالعدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة الديون، ومسؤولية الدائنين عن تمويل الأنظمة الاستبدادية.

إذا كانت هناك دولة تنطبق عليها هذه المعايير بدرجة تستحق الدراسة الجادة، فإن السودان في عهد عمر البشير يأتي في مقدمة الأمثلة.

فقد جاء النظام إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في الثلاثين من يونيو 1989، وعطل الدستور، وألغى المؤسسات الديمقراطية، وأخضع الدولة لهيمنة حزب واحد وأجهزة أمنية واسعة الصلاحيات. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاما، لم يكن للشعب السوداني أي دور حقيقي في الموافقة على سياسات الاقتراض أو مراقبة أوجه إنفاق الأموال العامة. وهنا يسقط أول أركان الشرعية السياسية للدين العام، وهو الرضا الشعبي.

أما الركن الثاني، وهو منفعة الشعب، فتقف أمامه وقائع يصعب تجاوزها. فقد انتهى حكم البشير والسودان مثقلاً بالديون، بينما كانت البنية الصحية والتعليمية في تراجع، والخدمات الأساسية تعاني انهياراً مزمناً، والاقتصاد يعيش أزمات متلاحقة، وانخفضت قيمة العملة الوطنية بصورة كارثية، واتسعت دائرة الفقر. ولو كانت تلك القروض قد استُثمرت بالفعل في تنمية مستدامة، لما انتهت البلاد إلى هذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي المؤلم.

في المقابل، وثقت الأمم المتحدة، وتقارير مجلس حقوق الإنسان، وعدد من المقررين الخاصين، ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، نمطاً مستمراً من الاعتقالات التعسفية، والتعذيب، وقمع الحريات، والانتهاكات الواسعة خلال النزاعات المسلحة. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق عمر البشير وبعض كبار قادته بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في دارفور. ولا يمكن فصل هذا الواقع عن أولويات الإنفاق العام في دولة كانت تمنح أجهزة الأمن والحرب موقعاً متقدماً في بنيتها المالية.

ومن أبرز الأمثلة المثيرة للجدل مشروع سد مروي. فقد موّل المشروع بقروض خارجية ضخمة بقيت الدولة تتحمل أعباءها، بينما دفع آلاف المواطنين في منطقة المناصير وأمري والحامداب ثمن المشروع بتهجيرهم من مناطق استقرارهم التاريخية، وسط انتقادات موثقة تتعلق بالتعويضات وآليات إعادة التوطين. أما الوعود بأن المشروع سيحقق تحولاً اقتصادياً واسعاً، فقد ظلت محل خلاف، في ظل استمرار أزمات الكهرباء والاقتصاد، وبقاء القروض عبئاً على الدولة بعد سقوط النظام. وهكذا تحول المشروع، في نظر كثير من السودانيين، إلى مثال على التنمية التي فُرضت من أعلى، دون مشاركة أصحاب الأرض، ودون مساءلة حقيقية عن كلفتها الاجتماعية والاقتصادية.

إن أخطر ما في ديون الأنظمة الاستبدادية ليس قيمتها المالية، بل طبيعتها السياسية. فهي تجعل الشعب يدفع مرتين: مرة عندما تُستخدم الأموال لإدامة القمع، ومرة أخرى عندما يُطلب منه لاحقاً سداد القروض وفوائدها.

وقد يجادل البعض بأن الدولة تستمر قانوناً مهما تغيرت الحكومات، وبالتالي فإن الديون تبقى واجبة السداد. وهذا صحيح من حيث الأصل في القانون الدولي. لكن هذا الأصل ليس مطلقاً، وإلا لانتفت الحكمة من ظهور نظرية الديون القذرة، ولأصبح المجتمع الدولي شريكاً في معادلة خطيرة: يقرض الطغاة وهم في السلطة، ثم يطالب الشعوب بالدفع بعد سقوطهم.

إن مسؤولية الدائنين لا تقل أهمية عن مسؤولية الحكام. فعندما يكون سجل نظام ما في القمع والفساد والانتهاكات معلوماً، فإن استمرار الجهات المانحة في تمويله يثير سؤالاً مشروعاً حول مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية عن النتائج المترتبة على ذلك التمويل. ولهذا تطورت في القانون الدولي والاقتصاد السياسي فكرة “الإقراض المسؤول”، التي تقوم على أن مسؤولية التمويل لا تقع على عاتق المقترض وحده، بل تشمل أيضاً الدائن الذي يجب أن يتحقق من طبيعة الجهة المقترضة، وأوجه استخدام الأموال، واحتمال توظيفها ضد مصالح الشعب. فالإقراض المسؤول هو الوجه المقابل لـ الاقتراض المسؤول، وكلاهما يشكلان أساساً لمفهوم الإدارة الرشيدة للديون السيادية.

إن المطلوب اليوم ليس إعلاناً شعبوياً بإلغاء جميع ديون السودان، بل تشكيل لجنة وطنية مستقلة، تضم خبراء في القانون الدولي والاقتصاد والمالية العامة، لمراجعة كل قرض أُبرم خلال عهد البشير، وتحديد الغرض منه، وأوجه إنفاقه، والجهة التي استفادت منه، ومدى التزامه بالمصلحة العامة. فما ثبت أنه موّل مشاريع حقيقية أفادت المجتمع يخضع للمعالجة المالية المعتادة، أما ما ثبت أنه استُخدم لترسيخ الاستبداد أو تمويل القمع أو تغذية الفساد، فيجب أن يكون محل تفاوض قانوني وسياسي مع الدائنين، استناداً إلى المبادئ التي أرستها نظرية الديون القذرة، وإلى مبادئ العدالة الانتقالية والحوكمة الرشيدة.

إن الشعب السوداني لم يختر انقلاب عام 1989، ولم يقرر سياسات الاقتراض، ولم يشارك في إدارة تلك الأموال. ولذلك فإن تحميله كامل فاتورة ذلك العهد لا يمثل فقط ظلماً اقتصادياً، بل يشكل أيضاً تكريساً لمبدأ بالغ الخطورة: أن الطغاة يقترضون، ثم يرحلون، بينما تبقى الشعوب وحدها تدفع الثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..