مقالات وآراء

العطا يبشّر بالبرهان رئيساً.. وأمريكا ترفض

❝العطا يفتح للبرهان طريقاً إلى ثلاث أو أربع دورات.. وأمريكا ترفض بقاءه في القيادة السياسية.. وبين الطريقين حوارٌ سوداني يستعد للانعقاد؛ فهل جاء الحوار ليختار السودانيون مستقبلهم.. أم ليبحث عن صيغةٍ بدأت بعض ملامحها قبل أن يبدأ؟❞
تقول الحكاية إن جورج واشنطن خرج من حرب الاستقلال الأمريكية وفي يده من القوة ما كان يكفي ليبقى الرجل الأقوى في الجمهورية الوليدة.. لكنه فعل العكس.
في ديسمبر 1783 استقال من قيادة الجيش، وعاد إلى حياته الخاصة في ماونت فيرنون.. لم يقل:” انتصرتُ في الحرب، إذن الدولة لي.. ولم يقل: البلاد تحتاج قوتي، إذن أبقى”.. أعاد السيف إلى مكانه، وأعاد السلطة إلى المدنيين.. ثم مضى.
(1)
بعد أكثر من قرنين، تأتي الخرطوم بحكاية مختلفة.. يخرج الفريق ياسر العطا في حوار مع صحيفة (الشروق) المصرية ليقول إن القوات المسلحة تتجه إلى إبقاء الفريق عبد الفتاح البرهان على رأس الدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية، مبرراً ذلك بالحاجة إلى منع انهيار الدولة وتقوية الأحزاب.
(2)
هنا لا يعود الأمر تصريحاً عابراً.. ثلاث أو أربع دورات تعني سنوات من الحكم.. والأهم من عدد السنوات أن جهةً عسكرية تتحدث مسبقاً عن بقاء رئيس بعينه في رأس الدولة عبر انتخابات يفترض أن يختار فيها الشعب من يشاء.. فكيف تبدأ الانتخابات إذا كانت النتيجة السياسية قد دخلت النقاش قبل أن يفتح صندوق الاقتراع؟
(3)
ثم جاءت واشنطن.. قال مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، إن لا مستقبل للبرهان أو حميدتي في القيادة السياسية للسودان، وإن واشنطن ترى المستقبل في انتقال مدني سريع بعيداً عن الرجلين.. وهكذا أصبح أمام السودانيين تصريحان واضحان: حديث لقائد عسكري عن إبقاء البرهان لثلاث أو أربع دورات.. وموقف أمريكي معلن يرفض بقاء قادة الأطراف العسكرية المتصارعة في القيادة السياسية.
(4)
وبين التصريحين يقف السودان نفسه.. حربٌ أرهقت الناس في كل شيء، في ظل دولةٌ وصلت حافة الانهيار الاقتصادي تماما وباتت تبحث عن مخرج اقتصادي وسياسي .. لذلك تجتهد في حوارٌ سوداني سوداني يجري التحضير له.. وهنا يصبح السؤال أكبر من العطا والبرهان وبولس جميعاً:
( من الذي يملك حق تحديد مستقبل الحكم في السودان؟.. المؤسسة العسكرية؟.. الخارج؟.. أم السودانيون الذين سيدخلون قاعة الحوار ليقرروا لأنفسهم شكل دولتهم ومستقبلها؟).
(5)
قد يسأل البعض: هل كان حديث العطا جساً للنبض الداخلي والدولي؟.. هل أراد أن يعرف أصحاب القرار كيف ستُستقبل فكرة بقاء البرهان؟.. لا نملك دليلاً يثبت ذلك، ولا يجوز أن نصنع من الظن حقيقة.. لكننا نملك التصريح نفسه، ونملك توقيته، ونملك الموقف الأمريكي الذي جاء بعده.. وهذه وقائع تكفي لطرح السؤال، لا لكتابة الإجابة من عندنا.
(6)
أما لجنة تهيئة الحوار السوداني، التي يظهر عثمان ميرغني ناطقاً باسمها، فتقول إن مهمتها تهيئة الطريق لحوار سوداني يضم القوى السياسية والمجتمعية.. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يريد السودانيون أن يناقشوا؟.. شكل الدولة؟.. مستقبل الحكم؟.. علاقة الجيش بالسياسة؟.. أم أنهم سيدخلون الحوار وفي الخارج تصورات جاهزة عن من ينبغي أن يبقى ومن ينبغي أن يرحل؟.. الحوار الحقيقي لا يبدأ بإجابات مكتملة.. يبدأ بأسئلة يملك أصحاب البلد وحدهم حق الإجابة عنها.
(7)
وهنا تعود حكاية واشنطن لتجلس معنا في الغرفة.. قائد عسكري خرج من الحرب، فعاد إلى الحياة المدنية مواطناً.. وفي السودان يقول عسكري اليوم إن الجيش سيدفع باتجاه بقاء قائده العام في رأس الدولة لسنوات انتخابية قادمة.. الفارق ليس في الجغرافيا وحدها، بل في معنى انتهاء المهمة العسكرية.. هل تكون الحرب طريقاً إلى استعادة الدولة ومؤسساتها، أم تتحول ضرورة الحرب إلى بابٍ دائم للسياسة؟.. وهل يكون الصندوق هو الذي يختار الرئيس.. أم يُطلب منه فقط أن يبارك اختياراً سبق أن قيل؟..
ما نعرفه ليس ما وراء الستار.. بل ما قيل فوقه..
العطا قال: البرهان لثلاث أو أربع دورات..
وواشنطن قالت: لا مستقبل للبرهان وحميدتي في القيادة السياسية..
والحوار السوداني يستعد لفتح أبوابه..
إذن، ليست المسألة مباراة بين العطا وأمريكا.. ولا ينبغي أن تكون كذلك..
المسألة أن السودان يجب أن يدخل الحوار حاملاً سؤالاً واحداً لا يعلوه سؤال: (هل سيدخل السودانيون ليقرروا مستقبل بلدهم فعلاً.. أم سيدخلون غرفةً سبق أن وصلت إليها بعض الإجابات؟)..
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح قبل أن تبدأ الجلسة.. لا بعدها.
ومضة..
حين يقولون: دعوا الصندوق يتحدث.. ثم يحددون قبله من ينبغي أن يبقى ثلاث أو أربع دورات.. فلا تسأل الصندوق وحده: ماذا سيقول؟.. اسأل أولاً: من كتب الإجابة قبله؟
توقيع أفق الحرف:
أفقٌ يترفق باتساعه ليقول: “الدولة التي يختار شعبها طريقها، لا تحتاج إلى من يختار لها رئيسها قبل أن يختارها الشعب”.
إنا لله ياخ..الله غالب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..