
جِئْتُ إلى سُوقِ سِتَّة يومَ الأربعاء، السادسَ عشرَ من سبتمبر الجاري، عند الساعة التاسعة والنصف، لقضاء بعض الأغراض، والسوق حينها لم يزدحم بالمتسوقين، ولكن التجار أنفسهم توزّعوا إلى مجموعات عدة (كويمات كويمات)، في مشهد يثير الانتباه.
سألتُ صاحبَ بقالةٍ عن سعر كيلو السكر، فقال لي: بتسعة آلاف جنيه، ولدى جاره بعشرة آلاف جنيه. وسألتُ ثالثًا، فقال لي بـ(11) ألف جنيه، وقد تركتُه في بقالة الحي بسعر ستة آلاف جنيه.
ولاحظتُ أنَّ أصحابَ بعض المحلات أغلقوا محلاتهم، والبعض الآخر توقّف عن البيع حتى تستقر الأسعار بأسواق الجملة في أم درمان، بحسب زعمهم.
وذهبتُ إلى تاجر أَجْمالِي، فوجدتُه هو الآخر متوقفًا عن البيع إلى حين، ورفع سعر كيلو اللبن المجفف من (30) ألفًا إلى (45) ألف جنيه. كذلك كانت قفزات أسعار السلع الاستهلاكية كافةً بكل أسواق الخرطوم يومذاك، خاصةً الدقيق، والأرز، والمكرونة، والزيوت، والصوابين، و…
وسوق ستة، لغير العارفين به، هو سوق الوحدة بالحاج يوسف، أكبر وأشهر أسواق محلية شرق النيل، وعزّزت شهرته أنّه السوق الوحيد الذي لم يُغلق أبوابه طوال فترة الحرب، ولم تلحق به يد التخريب. حيث كان يأتيه الناس من أحياء الخرطوم بحري كافة، وبعض أحياء الخرطوم، للتسوق منه، ولا يوجد سوق آخر حينها إلا السوق المركزي بالخرطوم.
وأعطته هذه الميزة أن تهتم به حكومة الولاية ومحلية شرق النيل، لاعتباره مصدرًا أساسيًّا لإيراداتهما. وقد طاله ما طال سوق ليبيا بأم درمان من إحلالٍ وإبدال.
المؤشرات: إنَّ ارتفاع الأسعار بهذه الكيفية يؤكد عدم وجود أي ضابط قانوني، ولا إداري، ولا أخلاقي (ديني اجتماعي)، وصارت “أسواق أم فكو” يتحكّم فيها مَن شاء بما يشاء.
والعجيب أنّه عندما ترخص السلع في أم درمان، أو ينخفض سعر الدولار، تبقى الأسعار على ارتفاعها، منتظرةً سماع أي زيادة ليُزاد عليها، بلا حياء ولا خجل. وهو السلوك نفسه الذي كانت تمارسه الأسواق أيام وجود الدعم السريع؛ فهي تُدار من مركز واحد، بقاعدة “الشفشفة”.
فالمسؤولية هنا ترجع إلى المجتمع أولًا، ثم الحكومة. فقد ظللتُ أكرّر أنَّ الناس لم تتّعظ ولم تعتبر من الحرب. وما أقربَ الحالَ بحالِ قومِ سيدنا شعيب!



