مقالات وآراء

العقل النخبوي.. انتهازية بلا جغرافيا

عبدالله عيسى كتر عابد

(1)
ثمة خطأ جوهري في الطريقة التي جرى بها تفسير عقلية النخب التي ظلت قابضة على السلطة والثروة في السودان. فالاختزال الجغرافي لهذه النخب، وتحميل منطقة بعينها مسؤولية كل ما أصاب الوطن، لا يقود إلى فهم الأزمة بقدر ما يعيد إنتاجها في صورة أخرى.
لقد كانت النخبة، بمختلف مواقعها وتكويناتها، أحد الأسباب الأساسية في تعثر الدولة السودانية، ليس لأنها جاءت من جغرافيا محددة، وإنما لأنها مارست السياسة بعقلٍ جعل السلطة غاية، والوطن مجالاً للمساومة، والمواطن أداةً في صراع النفوذ.
لقد أدمن العقل السياسي السوداني الفشل، لا لأنه يجهل الطريق فحسب، وإنما لأنه كثيراً ما أعاد إنتاج الشروط التي قادته إلى الفشل ذاته. وهكذا تحوّل الوطن، في وعي بعض النخب وممارستها، من مشروع مشترك إلى ما يشبه التركة؛ يتنافسون على حصصها، ويتوارثون مفاتيحها، ويعيدون توزيعها وفق ميزان القوة لا وفق مقتضيات المصلحة الوطنية.
ولعل أكثر ما يكشف عمق المأساة السودانية أن شعباً بأكمله أصبح يحنّ إلى ماضيه، لا لأن ذلك الماضي كان خالياً من العيوب، وإنما لأن الحاضر بلغ من الانسداد مبلغاً جعل الماضي يبدو، في الذاكرة العامة، أكثر رحمة وأقل قسوة.
فأي وطن هذا الذي يصبح ماضيه أكثر أملاً من حاضره؟
(2)

من هنا أقول: العقل النخبوي انتهازية بلا جغرافيا.
وهذه الفكرة موجهة إلى أولئك الذين يختزلون أزمة السودان في «الشمال الجغرافي»، أو يجعلون من سكانه جميعاً مسؤولين عن ممارسات نخب محددة. فهذا، من حيث المبدأ، ليس عدلاً، ولا يساعد على قراءة الأزمة قراءة موضوعية.
فالجغرافيا لا تنتج بالضرورة عقلاً سياسياً واحداً.
وليس كل من وُلد في الشمال جزءاً من النخبة، كما أن كل من جاء من الهامش ليس بالضرورة ضحيةً للنخبة أو بريئاً من ممارساتها.
أما ما يُسمى بـ«الشريط النيلي»، فلا ينبغي أن يتحول إلى مفهوم سياسي يُختزل فيه تاريخ السودان كله، ولا إلى شماعة تُعلّق عليها أخطاء جميع النخب السودانية.
فالنخب في الشمال لها مسؤوليتها، كما أن للنخب في الشرق والغرب والجنوب والوسط مسؤوليتها؛ بل إن بعض نخب الهامش نفسها لم تكن بمنأى عن ممارسة الاستغلال تجاه المجتمعات التي ادعت تمثيلها.
وهنا تبرز مفارقة مؤلمة.
فبعض النخب التي رفعت راية الدفاع عن أهلها، وطالبت باسمهم بالخدمات والحقوق، انتهت إلى استخدام أبناء تلك المجتمعات في صراعات سياسية وعسكرية لم يكن لهم فيها قرار حقيقي.
أن تطالب لأهلك بالخدمات حق مشروع.
لكن أن تجعل أبناء أهلك وقوداً لحرب لا يعرفون غايتها، فذلك ليس تمثيلاً لهم؛ إنه استغلال لمعاناتهم.
وأي استغلال يمكن أن يكون أقسى من أن يتحول الإنسان الذي تدّعي الدفاع عنه إلى أداة في مشروعك السياسي؟
(3)
لذلك، حين أستخدم كلمة «النخبة»، فإنني لا أعني بها الشمال، ولا الوسط، ولا الهامش، ولا قبيلة أو إقليماً بعينه.
أعني العقل الذي يرى في السلطة وسيلةً للمصلحة، وفي الجماعة أداةً للنفوذ، وفي المواطن رقماً يُستدعى وقت الحاجة ثم يُنسى بعد انتهائها.
وهذا العقل لا جغرافيا له.
قد تجده في العاصمة، وقد تجده في الإقليم، وقد تجده في البادية.
وقد يأتي في ثوب سياسي، أو إداري، أو ديني، أو أهلي، أو عسكري.
فالمشكلة ليست في مكان وجود النخبة، وإنما في طبيعة العلاقة التي تقيمها مع المجتمع.
وهنا تكمن إحدى أعمق أزمات الدولة السودانية: أننا لم نبنِ علاقة سياسية مستقرة بين الحاكم والمواطن، وإنما كثيراً ما أقمناها على الولاء الشخصي، والمصلحة، والخوف، والحاجة، واستغلال الانتماءات الأولية.
ولهذا لم يكن الزعيم بحاجة دائماً إلى برنامج، بقدر حاجته إلى أتباع.
ولم يكن القائد بحاجة دائماً إلى إقناع الناس، بقدر حاجته إلى تعبئتهم.
ولم يكن المواطن في كثير من الأحيان شريكاً في صناعة القرار، وإنما أصبح أداةً في يد من يملك القدرة على تحريك الجماعة.
وهكذا تتكرر الحلقة نفسها:
نخبة تستغل المجتمع، ومجتمع يُستغل باسم النخبة، وسلطة تعيد إنتاج النخبة، ثم وطن يدفع الثمن.
والأخطر أن هذه الحلقة يمكن أن تنتقل من يد إلى يد، ومن إقليم إلى إقليم، ومن نخبة إلى نخبة، من دون أن يتغير جوهرها.
فالهامش الذي يثور على المركز قد ينتج مركزاً جديداً.
والمهمَّش الذي يطالب بالعدالة قد يتحول، حين يمتلك القوة، إلى مستغلٍّ لمن هم أضعف منه.
وعندها لا تكون المشكلة في الأشخاص وحدهم، وإنما في العقل الذي يعيد إنتاج السلوك نفسه كلما تغيرت المواقع.
ومن هنا تتزاحم الأسئلة في ذاكرتي:
لماذا ظل العقل النخبوي السوداني أسير الانتهازية؟
لماذا عجزنا عن إنتاج نخبة ترى السلطة مسؤولية لا غنيمة؟
لماذا أصبح الماضي، في وجدان السودانيين، أجمل من الحاضر؟
وهل أزمتنا حقاً أزمة جغرافيا، أم أنها أزمة عقل سياسي قادر على تحويل كل جغرافيا إلى مركز للنفوذ؟
ربما لم تكن مشكلتنا في أن بعض النخب جاءت من المركز، وبعضها جاء من الهامش.
ربما كانت مشكلتنا الأعمق أننا غيّرنا النخب، ولم نغيّر العقل الذي ينتج النخبة.
ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست مع جغرافيا بعينها، ولا مع قبيلة بعينها، ولا مع إقليم بعينه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..