مقالات وآراء

الفضاء العام وديمقراطية الفراكشنات (1-2)

طلعت محمد الطيب

أولاً: توثيق بروفيسور فاروق لتجربة الحزب الشيوعي

لامني صديق عزيز ومناضل جسور على وضعي الحزب الشيوعي في سلة واحدة مع الحركة الإسلامية باعتبارهما حزبين عقائديين. وأعترف بأن هذا الصديق يكون محقاً في حالة أن تكون مقارنتي من منظور أخلاقي، لأن البون شاسع فعلاً بين أمانة معظم الشيوعيين الذين عرفتهم وتضحياتهم، مقارنة بتنظيم الإخوان المسلمين الذين غرقوا في الفساد والإفساد، واعتراف كبيرهم الذي علمهم السحر، الترابي، بعد المفاصلة.
لكني دائماً ما أتناول المقارنة من منظور فكري وسياسي، لأن تنظيم الإخوان أخذ التجربة الشيوعية في مصر والسودان وطبقها بنجاح تام. وتجربة الحزب الواحد في الحكم تقود إلى الاستبداد والفساد، مثلما حدث في تجربة الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية.
قد يتساءل البعض: هل ممكن أن يتحول حزب عبد الخالق والشفيع إلى المسخ الذي أصاب الأحزاب الشيوعية حتى ثارت عليها شعوبها وأسقطتها؟
كتب بروفيسور فاروق محمد إبراهيم النور ورقة بعنوان «صعود وانهيار المشروع الوطني الديمقراطي»، كان قد نشرها في مجلة دراسات سودانية في العام 1994. جاء فيها فيما يخص معارضة اتفاقية جلاء المستعمر عن السودان وفق اتفاقية وقعت بالقاهرة في العام 1953:
«قدنا إضرابا عاما شمل جميع المدارس الثانوية والحامعة فى ١٩نوفمبر ١٩٥٢ ضد مفاوضات تعديل الجمعية التشريعية واقنعنا جميع الطلاب بذلك. ستالين قال لن تنالوا الحرية مجانا وفى الملايو هناك شالوا البندقية وهوشى من فى فيتنام ما بعرف النية. عبد الخالق كان يقودنا فى ذلك الاتجاه. خضنا معركتين ضد أنفسنا ساعة الظفر واحدة ضد اتفاقية الجلاء واخرى ضد حركة ٣٢ يوليو بمصر التى جعلت ذلك ممكنا لان حدتو قالت انهم مجموعة من العساكر الموالين لامريكا ووافقهم عبد الخالق على ذلك.
حين عدنا الى المدارس والحامعة أسقطنا الطلاب الذين قدناهم للاضراب.
وحينما عرض صلاح سالم تعديل للاتفاقية كى يرضى عنها الاتحاد العام للنقابات تم رفضها، ولكن حينما عرضت للتصويت فى اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وقف معنا اربعة وثلاثون طالبا فقط يشكلون نصف عضويتنا بمعنى اخر فان نصف عضويتنا صوتت ضدنا او امتنعت عن التصويت. وكان موقف الناس تاييدا للاتفاقية على طول البلاد وعرضها وحينما عدنا لصوابنا وقدمنا نقدا جزئيا لموقفنا فى كتاب الاتفاقية فى الميزان الذى اصدره المرحوم قاسم أمين كان ما حدث قد حدث ولم يكن ممكنا ان ينصلح الامر .
كان ذلك امتحانا تاريخيا لقيادة عبد الخالق محجوب الشخصية وكان هزيمة ماحقة للاصولية الوليدة والجمود العقائدى.
لو كان معنا أولئك المؤسسون الاوائل الذين اختلفت مشاربهم وتنوعت تجاربهم ، لو كان معنا التعامل بندية والحوار الحقيقي لما فات علينا ما عرفه كل الناس ، ولكان لنا شان اخر فى البرلمان الاول وفى الحركة الحماهيرية ،وربما كان للتجربة الديمقراطية الاولى شان اخر. والغريب اننا ما زلنا نكذب على أنفسنا ونكتب فى لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى ص (٤٥) “لقد قبلت احزاب الطبقة الوسطى التبعية فقد قبلت الاتفاقية دون تعديل او نقد من وراء الجبهة المتحدة لتحرير السودان التى كانوا يشتركون فيها. ورغم هذا الحو التهريجى الذى خلفته تلك الاحزاب وقف الحزب الشيوعى ناقدا للاتفاقية وموضحا مزالقها ومشيرا الى انها لا تتمشى مع رغبة الجماهير الملحة فى وجوب الجلاء الناجز للمستعمرين قبل اجراء اى انتخابات فى بلادنا. ان التاريخ يثبت ان الخزب الشيوعى السودانى هو الحزب الوحيد فى السودان الذى نظر الى الاتفاقية المصرية البريطانية نظرة نافذه وكشف عيوبها ومزالقها التى اتضحت للناس فيما بعد”»
انتهى الاقتباس.

أتفق مع بروف فاروق في أن التجربة البرلمانية الأولى كان سيكون لها شأن مختلف لولا الخلافات والفوضى التي مارستها الأحزاب، وأتفق معه في التشخيص الأمين لتجربته الحزبية. ولكني أسجل اختلافي الجزئي معه حين قال إن غياب الندية لعبد الخالق والتخلص من القيادات السابقة أضعف الحزب.
صحيح أن عبد الخالق لم يكن يتهاون مع المختلفين معه، ولا يتعامل وفق مقولة إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، بل كان يرى أن الصراع داخل الحزب الشيوعي ما هو إلا انعكاس لصراع الطبقات داخل المجتمع، لا يصح التساهل معه. ولذلك تم التخلص من القيادات المؤثرة، وتم اغتيال تلك الشخصيات بوصفهم خونة وانتهازيين.
لكن، في تقديري، فإن فشل التجربة البرلمانية الأولى يعود إلى غياب الحد الأدنى من الإجماع الوطني بسبب ضعف الفضاء العام.
فالفضاء العام غير الرسمي، المتمثل في منظمات المجتمع المدني، هو الذي يتخلق فيه الرأي العام بفضل الحوار الطوعي بين المواطنين، وهو يمثل بوصلة معرفية للمجتمع. الأحزاب السياسية تنجح في الانتخابات حينما تكون برامجها شفافة تجاه الرأي العام، لأن الفضاء العام هو مكان الإجماع، وهو الأقرب إلى تحقيقه، بينما الحزب السياسي مكان لاتخاذ القرارات مستنداً إلى ذلك الإجماع بهذا القدر أو ذاك.
أواصل في الجزء الثاني.

تعليق واحد

  1. “الأحزاب السياسية تنجح في الانتخابات حينما تكون برامجها شفافة تجاه الرأي العام،”
    وعليه فحزب الامة والاتحادي (والاخوان في 1986) كانت لهم برامجا “شفافة تجاه الرأي العام”. بينما يعرف عن تلك الاحزاب انها لم يكن وجود اصلا في “الفضاء العام” في تلك الفترات التي فازت فيها بمقاعد مريحة في الانتخابات.
    اظنها عبارة غير دقيقة. هنالك عدة عوامل “للنجاح” في الانتخابات. ومنها على سبيل المثال مقدرة الحزب على تمويل حملته الانتخابية. فبعض الاحزاب لا تستطيع ان تتواجد في كثير من الدوائر الانتخابية لعجزها عن التمويل في تلك المناطق. وعامل آخر ،نتمنى ان يكون قد اندثر، ظل واضحا في الانتخابات السابقة وهو فوز كثير من مرشحي الاحزاب بالتزكية. وفي المثالين لا علاقة للنجاح “بالشفافية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..