مقالات وآراء

في الذكري الـ(٧٠) علي تأسيس جامعة القاهرة فرع الخرطوم.. وضرورة عودتها

بكري الصائغ

في هذا الشهر الحالي سبتمبر ٢٠٢٦، مرت بهدوء شديد ونسيان الذكري السبعين عام علي إنشاء جامعة القاهرة فرع الخرطوم، التي امر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بإقامتها في السودان عام ١٩٥٦ لتكون جسر تواصل علمي وثقافي تربط العلاقات بين السودان ومصر، رأيت ان افتح اليوم ملف هذه الجامعة العريقة التي قدمت خدمات جليلة لا تحصي ولا تعد ، خرجت أجيال من الخريجين افتخرت بهم البلاد، شغل بعضهم مناصب دستورية في الدولة، ولا ننسي ان اغلب الخرجين احتلوا أيضا مواقع رفيعة في الخدمة المدنية، خاصة في مجال القانون والمحاماة، شغلوا مناصب كبيرة في وزارة المالية والضرائب، وبما الخرطوم قد بدأت فيها عمليات التعمير والانشاءات، وظهرت ملامح عمرانية كثيرة جديدة حلت أماكن الخراب والدمار، ونتمنى ان تعود جامعة القاهرة فرع الخرطوم للوجود مرة أخري وتعاود نشاطها السابق.

ان الذي يعرف تاريخ مدينة الخرطوم قبل الاستقلال عام ١٩٥٦، يعرف ان مبني جامعة القاهرة فرع الخرطوم كان موجودا قبل انقلاب اللواء محمد نجيب في ٢٣ يوليو ١٩٥٢ بزمن طويل، فقد حمل مبني الجامعة في عهد الملكية اسم (مدرسة الملك فاروق)، وكانت مدرسة مصرية وكل العاملين فيها من أساتذة واداريين وعمال مصريين، هذه المدرسة مولت من قبل وزارة المعارف المصرية في زمن فاروق، الذي كان وقتها (ملك مصر والسودان)، نفس هذا الشكل الهندسي المعماري الحالي، هو نفسه المبني القديم الذي كان قبل استقلال وما تغير كثيرآ من الخارج.

عند ما أطاح اللواء محمد نجيب الملك فاروق وابعده من مصر، ما تغير اسم المدرسة المصرية في السودان وبقيت علي نفس الاسم بلا تغيير (مدرسة الملك فاروق)، لكن عندما أطاح ألبكباشى جمال عبد الناصر باللواء محمد نجيب في شهر نوفمبر ١٩٥٤، وسجنه في حبس انفرادي في قرية (المرج) ، قام (مجلس قيادة الضباط الاحرار) في القاهرة بتغيير اسم المدرسة الي اسم جديد هو(مدرسة جمال عبدالناصر)، تحولت فيما بعد الي (مدرسة الخرطوم الثانوية المصرية)، وكانت مدرسة تابعة للبعثة التعليمية المصرية في السودان.. وصدر قرار مجلس الوزراء بإنشاء الفرع في يوم ٢١/ سبتمبر ١٩٥٥, بفروع لكليات الآداب، الحقوق، والتجارة.

منذ تأسيس هذه الجامعة عام ١٩٥٦ وحتي عام ١٩٩٢، والجامعة كانت مصدر قلق و(خميرة عكننة) لكل النظم العسكرية التي حكمت البلاد، وشهدت الخرطوم في السابق أحداث كثيرة أثبتت ان جنرالات الرئيس الفريق إبراهيم عبود كانوا طوال سنوات حكمهم من عام ١٩٥٨ – ١٩٦٤، يكرهون الجامعة المصرية كره الموت لعدة أسباب، منها ان الجامعة مصرية نافست الجامعة الوطنية (جامعة الخرطوم) ، وثانيا لإنها – حسب رأيهم وقتها- هي ليست جامعة وانما مركز يضم الشيوعيين المشاغبين والديمقراطيين، وثالثآ لإنها جامعة اجنبية خرجت المئات الذين نافسوا خريجي جامعة الخرطوم وبريطانيا.

من الأشياء التي لا تنسي عن الجامعة، ان وزارة الداخلية في زمن حكم الرئيس عبود خصصت جهاز أمني بصلاحيات واسعة، مهمته رقابة جامعة القاهرة فرع الخرطوم مراقبة القط للفار، والقيام برصد دقيق لنشاط الطلاب فيها، واعتقال النشطاء السياسيين، وكان الفريق شرطة احمد ابارو هو المسؤول الأول عن الجهاز، وكان شرسا حاد الطباع، لا يرحم المعتقلين خاصة السياسيين المعارضين للنظام، او من يعتقل في مظاهرة ، وكل الطلاب الذين تم اعتقالهم، تعرضوا لانواع من التعذيب البدني والضرب ب(قاشات) رجال الشرطة، واذا كان المعتقل طالب شيوعي فانه يبقي في الحبس طويلا قبل تقديمه للمحاكمة، الفريق شرطة احمد اباروهو، هو من ابتكر اسلوب تكسير أصابع المعتقلين السياسيين، وكانت عملية تكسير الاصابع تتم في غاية البساطة وبلا معدات تقنية او أجهزة حديثة، كل ما في الامر انه كان يضع قلم رصاص بين أصابع المعتقل ويضغط علي الأصابع بقوة حتي يسمع صوت تكسير العظام، وكان الغرض من هذه العملية السادية عدم استطاعة الطالب المكسور عظام أصابع يده ان يؤدي امتحاناته في اخر العام!!

من أشهر الشخصيات الطلابية في جامعة القاهرة فرع الخرطوم في أعوام الستينات، وتعرضت لتعذيب ابارو بعد اعتقالهم وقبل تقديمهم للمحاكمات: الراحل حسن عبدالماجد المحامي، الذي كان رئيس اتحاد الجامعة لسنوات عديدة بفضل دعم الشيوعيين والديمقراطيين له، تعرض للتعذيب والضرب، والسجن لسنوات طويلة، هناك ايضا المحامي عثمان يوسف، والقانوني عبد الرحمن كمبلاوي، وعوض صباح الخير.
من اشهر المدراء الذين مروا علي هذه الجامعة المصرية، الدكتور طلبة عـويضة، الذي كان ايضا في نفس الوقت عميد كلية التجارة، طلبة كان صاحب (كاريزما) قوية أجبرت حتي أهل السلطة في الخرطوم وقتها علي احترامه، بذل طلبة طوال سنوات عمله بالجامعة جهود خارقة من اجل رفعة الجامعة حتي صارت قبلة بعض الطلاب الأجانب للدراسة فيها.

وكان أكثر ما ضايق الدكتور طلبة اثناء فترة رئاسته للجامعة، وجود البوليس السري التابع لوزارة الداخلية داخل حرم الجامعة بصورة دائمة، أحيانا بشكل سري وفي اكثر المرات جهارا نهار، وضايقه ايضآ قيام الحكومة في الخرطوم بفرض ضرائب باهظة علي الكتب والمناهج الدراسية الخاصة بالجامعة!!، قدم طلبة للجهات الرسمية في الخرطوم عدة احتجاجات علي الضرائب التي فرضت علي دخول الكتب والمؤلفات المستوردة من القاهرة، وانها كتب ومراجع ليست للبيع بقدر ما هي مراجع يستفيد منها الطالب السوداني، باءت كل مساعيه بالفشل لأنها كانت واحدة من أساليب متعمدة من النظام في محاربة الجامعة.

في عام ١٩٩٢ توترت العلاقات كثيرا بين السودان ومصر بسبب انحياز نظام البشير لصدام حسين وتأييده غزو الكويت، وهذا الموقف المصري لم يعجب نظام البشير مما زاد من حدة التوتر الهجوم المبطن الذي شنه الأعلام المصري علي الدول العربية التي ساندت تصرف صدام لغزو العراق، واستاء البشير من هذا الهجوم الإعلامي المصري علي نظامه، وبعده تطورت الازمات بين البلدين بصورة واسعة، ولجأت كلا البلدين الي استخدام كل أنواع الاستفزاز والتحدي السياسي والإعلامي وإبراز العضلات، وفي بادرة نادرة الحدوث بين البلدين، قامت السلطات السودانية في احدي المرات بإرجاع طائرة مصرية بكل ركابها من مطار الخرطوم، فبادرت القاهرة بإرجاع ثلاثة طائرات سودانية!!، وفي حادثة أخري، اعتدي رجال الامن في الخرطوم بالضرب المبرح علي مصريين في منطقة “الري المصري” بالخرطوم، فانتقمت القاهرة من دبلوماسي سوداني ضربا بسوط (العنج)، ولزم بعدها طويلا سرير في ألمستشفي، كانت قمة المواجهة بين السودان ومصر، عندما دخلت قوة عسكرية سودانية الي منطقة (حلايب)، ووقع بعدها اشتباك مسلح، وضمن سلسلة الإجراءات التي اتخذتها حكومة الإنقاذ في تعميق صراعها مع القاهرة، ان قامت بمصادرة جامعة القاهرة فرع الخرطوم لتصبح جامعة النيلين.

بعد زوال حكم الإنقاذ عام ٢٠١٩، ظهرت عدة مبادرات في الخرطوم والقاهرة لإعادة وجود جامعة القاهرة فرع الخرطوم مرة اخري بعد توقف (٢٧) عام، ونشرت صحيفة “سودان تايمز”، في يوم ١٩/ ديسمبر ٢٠٢٤ ، خبر جاء فيه (أعلنت الملحقية الثقافية بسفارة السودان بالقاهرة أن جامعة القاهرة فرع الخرطوم، التي أُغلقت منذ عام 1993، لا تزال موضع دراسة وإجراءات لإعادة افتتاحها. وأوضحت الملحقية أن لجنة مشتركة من وزارتي التعليم العالي في السودان ومصر كانت تعمل على وضع الترتيبات اللازمة لإعادة فتح الفرع، إلا أن الظروف الحالية، خاصة الحرب في السودان، حالت دون استكمال هذه الإجراءات. وشددت الملحقية على أن أي قرار نهائي بشأن إعادة فتح جامعة القاهرة فرع الخرطوم سيتم اتخاذه من قبل السلطات المختصة في كلا البلدين، ولا يوجد حتى الآن أي قرار رسمي بهذا الشأن.).

عودة الي حدث قديم- فى عام ٢٠١٥، أعلن آدم عبدالله نور، وزير التعليم السودانى، أن الرئيس السودانى عمر البشير أصدر قراراً بإعادة فرع جامعة القاهرة بالخرطوم لإدارة جامعة القاهرة ,لكن الجامعة فوجئت بإخطار من السودان بتسلم المقر الإدارى للفرع فقط، وليس الفرع كاملا، حيث إن الفرع به العديد من المبانى والمنشآت والأراضى التي تملكها الجامعة ملكية كاملة، والجامعة فوضت السفارة المصرية في السودان بالتعامل مع القرار وتسلم المبنى، مرحبة بأى قرار قد يؤدى إلى التوافق بيننا ويبن السودان لحل المشكلة، خاصة أن الحل يصب في صالح الطلاب السودانيين، وأن جامعة القاهرة رغم وجود المشكلة لم تغلق الفرع، وإنما استمرت في قبول الطلاب لكن في القاهرة.

نتمنى والخرطوم قد بدأت فيها حركة تعمير واسعة وكبيرة، ان تعود جامعة القاهرة فرع الخرطوم ممارسة نشاطها التعليمي السابق، ولا يجب ان ننسي ان اعداد الطلابيين الراغبين في الدراسة بالجامعات قد تضاعفت اعدادهم، واصبحنا في أمس الحاجة الضرورية لمزيد من الجامعات السودانية والأجنبية، اسوة بدول عربية وافريقية فيها كثير من الجامعات الأجنبية، وعلي سبيل الجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC) من أشهر الجامعات الأمريكية في المنطقة وتعتمد المنهج الأمريكي بالكامل، وجامعة نيويورك أبوظبي، فرع رئيسي للجامعة الأمريكية الشهيرة وتقدم شهادات معتمدة دولياً، وجامعة سوربون أبوظبي، فرع لجامعة باريس سوربون الفرنسية، الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB) وتعتبر من أقدم الجامعات الأمريكية بالمنطقة، وجامعة الأمير محمد بن فهد وبعض الكليات الدولية في المملكة العربية السعودية التي تشهد استقطاباً متزايداً للفروع الأجنبية، والجامعة الأردنية الألمانية (Jordan German University) في الأردن، وتعتمد نظام التعليم التطبيقي على الطريقة الألمانية.

‫2 تعليقات

  1. أؤيد الدعوة لتواجد فروع جامعات غربية في السودان .. أما إعادة جامعة القاهرة الفرع فهي إعادة لبؤرة من بؤر الاستخبارات المصرية..
    ما صدقنا انفكينا منهم .. عايز تجيبهم لينا تاني .. كفاية التدمير المتعمد لبلادنا لذي تمارسه القاهرة عبر البرهان.. قال مصر جامعة مصرية .. المصريين الآن اتجهوا إلى المدارس العالمية التي تدرس باللغة الإنجليزية بعد أن أوهموا محي الدين صابر وغيره بأن التعريب مسألة مهمة وأنه حفاظ على الهوية العربية التي ما ورثنا من أوهامهما إلا الحروب والاقتتال.

    1. إعادة جامعة القاهرة الفرع فهي إعادة لبؤرة من بؤر الاستخبارات المصرية..!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
      الله يشفيكم من الاوهام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..