السودان الجديد والبادية الغائبة لماذا لم تتحول قضية الرعاة والرحل إلى أولوية في مشروع إعادة بناء الدولة؟

السودان الجديد والبادية الغائبة
لماذا لم تتحول قضية الرعاة والرحل إلى أولوية في مشروع إعادة بناء الدولة؟
كان السودان الجديد ثورة على مركزية الدولة، لكنه لم يحرر مفهوم «الهامش» بصورة كاملة من أسر المدينة.
هذه ليست محاولة لإسقاط مشروع السودان الجديد، ولا إنكارًا لما قدمه الراحل الدكتور جون قرنق والحركة الشعبية من أسئلة كبيرة حول السلطة والثروة والمواطنة والتهميش وإعادة بناء الدولة. فالمشروع، في جوهره، قام على إعادة هيكلة الدولة السودانية، وتوسيع المشاركة السياسية، وتحقيق تنمية أكثر عدلًا، ومنح الأقاليم دورًا أكبر في إدارة شؤونها.
لكن السؤال الذي ظل غائبًا أو مؤجلًا هو:
أين البادية في هذا المشروع؟
ليس المقصود هنا أن السودان الجديد لم يتعامل إطلاقًا مع الرعاة والرحل. فقد ظهرت قضية الرعاة في تجربة الحركة، وخصوصًا في مناطق مثل الفونج، حيث جرى التأكيد على حقوق الرعاة المتنقلين باعتبارهم مواطنين لهم كامل الحقوق.
لكن المسألة التي نطرحها أعمق من ذلك.
لماذا لم يتحول المجتمع الرعوي المتنقل إلى قضية نظرية مستقلة في مشروع السودان الجديد، مثلما تحولت قضايا التهميش والمواطنة والأرض والسلطة والثروة إلى مفاهيم مركزية في المشروع؟
هنا تكمن المسألة.
من عرّف الهامش؟
لقد جاء السودان الجديد ليعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش.
لكن علينا أن نسأل:
من الذي عرّف الهامش؟
هل عرّفته البادية؟
أم عرّفته النخب السياسية والفكرية التي خرجت في معظمها من المدن والمراكز التعليمية؟
وهل يمكن أن يكون لدينا هامش داخل الهامش؟
فالرعاة والرحل ظلوا، في أغلب الخطابات السياسية، جزءًا من عنوان واسع اسمه «الريف» أو «المهمشون»، بينما لم تتحول خصوصيتهم الاجتماعية والاقتصادية إلى وحدة تحليل قائمة بذاتها.
والراعي ليس مجرد مزارع لم يستقر.
والرحل ليسوا مجرد سكان ريفيين بلا قرية.
إنهم مجتمع له نمط إنتاج، ونمط حياة، وحركة، وثقافة، وعلاقة خاصة بالأرض والماء والمراعي والأسواق.
فكيف يمكن أن نبني دولة جديدة دون أن نعيد التفكير في الدولة من منظور هذه الخصوصية؟
البادية ليست قبيلة
وهنا يجب أن نكون أكثر وضوحًا.
البادية ليست قبيلة.
والحديث عن مجتمع البادية لا يعني صناعة مشروع قبلي جديد، ولا المطالبة بامتيازات لمجموعة اجتماعية على حساب أخرى.
البادية أوسع من القبيلة.
إنها نمط اجتماعي واقتصادي وإنتاجي، يمتد عبر مناطق واسعة من السودان، ويتداخل مع التجارة والزراعة والأسواق والثروة الحيوانية.
ولذلك فإن السؤال ليس:
ماذا تريد البادية من الدولة؟
بل:
ماذا تحتاج الدولة أن تفهم عن البادية حتى تستطيع أن تبني نفسها بصورة عادلة؟
اقتصاد الدولة… وأين القطاع الرعوي؟
عندما نتحدث عن السودان بعيدًا عن الخطابات السياسية، نجد أن قطاعات الرعي والزراعة والتجارة ظلت من أهم روافع النشاط الاقتصادي على امتداد الجغرافيا السودانية.
والرعي ليس مجرد «ثروة حيوانية».
وراء الرعي أسواق، ونقل، ومياه، ومراعٍ، وأعلاف، وصادرات، وصناعات، وحركة بشرية، وعلاقات اجتماعية، وأمن محلي وإقليمي.
فإذا كان مشروع سياسي يريد إعادة بناء الدولة السودانية، فكيف لا يكون الاقتصاد الرعوي جزءًا أصيلًا من نظريته الاقتصادية والسياسية؟
هنا لا نتحدث عن مطالبة فئوية.
نحن نتحدث عن بنية الدولة والاقتصاد السوداني نفسه.
هل كان السودان الجديد شاملًا بما يكفي؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا خوف.
السودان الجديد طرح مفهومًا واسعًا لدولة شاملة، تقوم على المساواة والمواطنة وإعادة توزيع السلطة والثروة. وتؤكد أدبيات المشروع أن المشكلة السودانية ليست مشكلة منطقة واحدة، بل مشكلة الدولة السودانية بأكملها، وأن إعادة هيكلة المركز وعلاقات السلطة بالأقاليم جزء أساسي من الحل.
لكن الشمول لا يُقاس فقط بعدد الفئات التي يذكرها المشروع.
الشمول الحقيقي يقاس بمدى قدرة النظرية على فهم اختلاف أنماط المجتمع السوداني.
وهنا يظل السؤال قائمًا:
هل يستطيع مفهوم المواطنة المتساوية وحده أن يجيب عن أسئلة مجتمع متحرك يحتاج إلى مسارات رعي ومياه ومراعٍ وخدمات متنقلة وتمثيل سياسي مختلف؟
ربما لا.
وربما هنا تحديدًا توجد المساحة التي يمكن أن يضيفها «صوت البادية».
من «صوت البادية» إلى مدرسة فكرية
إذا كانت المشروعات السياسية السابقة قد تعاملت مع البادية بوصفها جزءًا من الريف أو الهامش، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال إلى مرحلة أخرى:
أن تصبح البادية موضوعًا لإنتاج النظرية، لا مجرد موضوع لتلقي السياسات.
وهذا يعني بناء مدرسة فكرية تبحث في:
الرعي والاقتصاد الوطني، الأرض والمراعي، المياه، مسارات الرحل، العلاقة بين الراعي والمزارع، الفدرالية، اللامركزية، الخدمات، التعليم والصحة، الأسواق، الثروة الحيوانية، التصنيع، التصدير، وتمثيل المجتمعات المتنقلة في مؤسسات الدولة.
عندها يمكن أن يصبح «صوت البادية» أكثر من مجرد احتجاج على النسيان.
يمكن أن يصبح إضافة إلى الفكر السياسي السوداني.
أسئلة لا تزال تبحث عن إجابة
لماذا ظلت البادية بعيدة عن مركز المشروعات الفكرية السودانية؟
هل لأن الرعاة لم يمتلكوا النخب التي تستطيع فرض قضيتهم على طاولة السياسة والفكر؟
أم لأن النخب السودانية صاغت مفهوم الدولة من داخل المدينة، ثم حاولت تفسير السودان كله من منظورها؟
وهل كان تعريف «الهامش» نفسه ناقصًا؟
وهل يكفي أن نقول إن الرعاة والرحل جزء من «المهمشين»، أم أن خصوصيتهم تحتاج إلى نظرية مستقلة؟
وهل يمكن لمشروع السودان الجديد أن يدعي الشمول الكامل للقضية السودانية دون أن يمنح المجتمع الرعوي المتنقل موقعًا نظريًا يوازي وزنه الاقتصادي والاجتماعي؟
ليست معركة بين مشروعين
لسنا أمام معركة بين «السودان الجديد» و«صوت البادية».
فالسودان الجديد طرح أسئلة كبرى لا يمكن تجاهلها.
لكن كل مشروع فكري يظل قابلًا للنقد والإضافة والتطوير.
وربما لا يكون المطلوب إسقاط السودان الجديد، وإنما إكمال ما تركه ناقصًا.
وربما تكون قضية البادية واحدة من هذه المساحات.
فالهدف ليس استبدال مركزية بمركزية أخرى، ولا جعل البادية مركزًا جديدًا على حساب بقية السودان.
الهدف هو دولة ترى:
الراعي والمزارع والتاجر والعامل والمثقف، المستقر والرحل، شركاء في إنتاج السودان وصناعة مستقبله.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من:
لماذا نسيَت الدولة البادية؟
ويصبح:
كيف نبني دولة لا تنسى أحدًا؟
وهنا، في تقديري، يبدأ صوت البادية.
لا كصوت قبيلة.
ولا كصوت إقليم.
ولا كصوت في مواجهة صوت آخر.
بل كدعوة إلى إعادة النظر في الدولة السودانية من زاوية ظلّت طويلًا خارج مركز الفكر السياسي:
زاوية الإنسان الذي يتحرك فوق الأرض، لكنه لا ينبغي أن يتحرك خارج حسابات الدولة.



