
في بعض الرحلات يعود المسافر إلى المكان الذي غادره، وفي يده صور، ودفتر ملاحظات، وبعض الهدايا الصغيرة التي يلتقطها الناس عادة من المدن البعيدة كي يتذكروا أنهم مروا من هناك. لكن ثمة رحلات لا يعود منها المرء بالطريقة نفسها التي ذهب بها، لأن الطريق لا يكتفي بأن يمر أمام عينيه، وإنما يعبر إلى داخله، ويترك في الروح شيئًا من وجوه الذين التقاهم، ومن أصواتهم، ومن الخوف الذي رآه في عيونهم، ومن الأسئلة التي لم يجد لها مكانًا في حقائب السفر. وأظن أن هذا هو الطريق الذي عادت منه الدكتورة إشراقة مصطفى حامد؛ لم تعد من البلقان وحدها، وإنما عاد معها شيء من البلقان، بما فيه من غابات وحدود وأنهار ووجوه معلقة بين وطن غادرته ووطن لم تصل إليه بعد.
ولهذا بدت الأخبار التي جاءت هذه الأيام عن حصولها على منحة التفرغ من مؤسسة جان ميشالسكي السويسرية أكبر من خبر عن كاتبة نالت فرصة للابتعاد عن ضجيج العالم كي تكتب. فالمنحة جاءت، في معناها الأبعد، إلى كاتبة ظلت طويلًا تذهب إلى ضجيج العالم كي تسمع الإنسان المختبئ تحته، ثم تعود بالكلمة محاولة أن تمنحه صوتًا، وأن ترد إلى الوجع شيئًا من معناه قبل أن يتحول إلى رقم في نشرة أو خبر عابر على شاشة. والمؤسسة، التي تجعل من الإقامة الأدبية فضاءً للتفرغ والكتابة، تضع أمام الكاتب زمنًا نادرًا يستطيع فيه أن يصغي إلى ما تراكم داخله بعيدًا عن استعجال الأيام.
وحين يكون المشروع الذي ستتفرغ له إشراقة هو «جحيم الأمنيات من السودان إلى البلقان»، يصبح الطريق نفسه جزءًا من الكتاب قبل أن تبدأ الكتابة. فالعنوان لم يأت من مكتب هادئ ولا من فكرة بعيدة عن التجربة، وإنما يبدو كأنه خرج من ذلك الطريق الذي بدأ عند أول وجه رأته في الغابة، وأول جسد أنهكته الرحلة، وأول عين حملت ذلك الخوف الذي لا تستطيع اللغة أن تنقله كاملًا، لكنها تستطيع أن تحاول.
قبل أيام فقط، كانت إشراقة تكتب من الطريق، وهي تتحدث عن سبعة أيام قضتها مع اللاجئين في طريق البلقان، عن سبع ليالٍ، وخمس مدن وعدد من القرى في البوسنة، عن الأنهار والحدود والغابات، وعن ألف جرح وأنهار من الدموع، ثم عن مقبرتين انتهت عندهما الرحلة، حيث استطاعت منظمة إنسانية أن تمنح رجلين، بعد موتهما، شيئًا من الكرامة التي بحثا عنها وهما على قيد الحياة ولم يجداها إلا في نهايتها.
كانت الرحلة تمضي بها، في كل خطوة، من الجغرافيا إلى الإنسان. وحين كتبت أن الرحلة انتهت بزيارة مقبرتين، وأنها كانت تعرف أن الوصول لن يكون نهاية الطريق، بدا كأنها تضع يدها، من دون قصد، على قلب الكتاب الذي ستكتبه؛ كتابًا عن الإنسان حين يصبح الطريق امتحانًا للكرامة، وعن الموت حين يستعيد للميت حقًا عجزت الحدود والقوانين والجغرافيا عن منحه إياه حيًا.
ثم جاءت الحكاية الأخرى، الأكثر قسوة، حين كانت تستعد للسفر إلى سراييفو، قبل أن تصلها أخبار أربعة وعشرين شابًا، أربعة من بنغلاديش وعشرون من باكستان، فتغيّرت وجهتها إلى الحدود بين البوسنة وكرواتيا، إلى بيت مهجور كان ينتظر أولئك الذين خرجوا من الغابات وهم يحملون على أجسادهم آثار رحلة لا تشبه الرحلات.
تروي إشراقة ما رأته هناك: شباب بلا أحذية، خدوش تغطي أجسادهم، عيون زائغة يملؤها الرعب، وشاب باكستاني اسمه محمد دخل في غيبوبة وانخفض نبضه إلى حافة الموت، قبل أن يتدخل أحد العاملين في منظمة SOS Balkanroute ويسعفه إلى حين وصول سيارة الإسعاف. وتروي عن شهاداتهم لما قالوا إنهم تعرضوا له في كرواتيا، من الضرب وانتزاع الأحذية والهواتف والركل، وعن الشرطية التي قالوا إنها كانت تصورهم وهي تضحك، ثم صرخت في وجوههم بعبارة قاسية تنزع عنهم إنسانيتهم.
أنا هنا لا أريد أن أزيد على شهادة إشراقة شيئًا، ولا أن أحوّل ما رأته إلى مرافعة سياسية؛ يكفيني أن أتوقف عند اللحظة التي انكسر فيها تماسكها هي، الكاتبة التي ذهبت إلى هناك لتشهد، فإذا بالشهادة تهزم المسافة بينها وبين أصحابها، وتسقط الحاجز الأخير بين العين والدمعة. كتبت: «كل تماسكي المزعوم انفرط. انهرت بالبكاء». ولعل هذه الجملة، على قصرها، تقول عن إشراقة أكثر مما يمكن لسيرة طويلة أن تقوله.
فالدمعة التي نزلت هناك لم تكن تفصيلًا عاطفيًا خارج الحكاية، وإنما كانت اللحظة التي صار فيها ما تراه جسدًا في الغابة شيئًا يسكنها هي. لم تعد المسافة بين الكاتبة ومن تكتب عنهم قائمة بالمعنى المعتاد؛ صار خوفهم جزءًا من خوفها، وصارت أجسادهم المنهكة تستدعي في داخلها ذلك الجزء من الإنسان الذي لا يستطيع أن يقف طويلًا أمام الألم مكتفيًا بالمشاهدة.
ثم جاءت الأحذية والملابس والطعام، وجاءت يد منظمة SOS والصليب الأحمر، فعاد إلى أولئك الشباب شيء من قدرتهم على الوقوف في العالم بكرامة. وربما كان المشهد كله يختصر، من غير خطابة، شيئًا من المعنى الذي ظلت إشراقة تمشي نحوه؛ ففي بعض اللحظات لا تحتاج الإنسانية إلى خطاب كبير، وإنما إلى حذاء يصل في وقته، أو وجبة تسد جوعًا، أو يد تمتد إلى شخص كان يظن أن العالم كله قد أدار ظهره.
ومن الطريق البلقاني انتقل الحديث، في جلسة طويلة بيني وبينها، إلى طريق آخر لم يكن مرئيًا في الصور: الطريق الذي ظل يصلها بالسودان طوال السنوات التي ابتعدت فيها عنه جغرافيًا. كنت أظن أن المسافة بين الأمرين واضحة؛ سودان هنا، وبلقان هناك، وكاتبة تتنقل بينهما، فإذا بحديثها يزيل الحدود التي رسمتها في ذهني.
لقد مدت إشراقة ذراعيها، منذ وقت طويل، لكل لحظة ألم تصادفها، سواء جاءت من وطنها أو من وطن بعيد، ولم تسأل الوجع عن جواز سفره قبل أن تقترب منه. وربما لهذا تبدو صورتها في هذه الرحلة طبيعية إلى حد بعيد؛ امرأة تحمل في داخلها ذلك الاستعداد الغريب للاستجابة، كأنها مستلقية دائمًا على حافة النداء، فإذا جاءتها صرخة إنسان قفزت إليها قبل أن تسأل من أين جاءت، ومن أي حدود عبرت، وما اللغة التي يتحدث بها صاحبها. وفي هذا المعنى لم يكن البلقان استثناءً في تجربتها، وإنما كان امتدادًا طبيعيًا لذلك الميل القديم إلى أن ترى الإنسان قبل أن ترى الحدود التي تفصل بينها وبينه.
حدثتني عن مجهودات متواضعة، كما تصفها هي، درجت على القيام بها لسنين طويلة تفوق ربع القرن، وعن أن زيارتها لطريق البلقان لم تكن صحفية بالمعنى الذي قد يتبادر إلى الذهن، وإنما كانت، في جوهرها، محاولة للضغط من أجل فتح مسارات آمنة وتوفير حياة كريمة للذين دفعتهم المأساة إلى ذلك الطريق، وهي ترى هذا كله حقًا إنسانيًا لا هبة تمنحها جهة لأخرى. ثم، ونحن نتحدث عن المكان الذي بدأت فيه المأساة، أخذت تستعيد صلتها بالسودان، لا بوصفها حنينًا إلى بلد غابت عنه، وإنما بوصفها حضورًا متصلًا في العمل والذاكرة والموقف، وقالت العبارة التي جعلتني أتوقف طويلًا: «لم أغب يومًا عن السودان، نظريًا وعمليًا». لم تكن تقصد، كما فهمت منها، أن تنفي الغياب الجغرافي، وإنما كانت تشير إلى ذلك الحضور الذي ظل قائمًا في ما فعلته، وفي القضايا التي حملتها، وفي الناس الذين ظلت ترى السودان من خلالهم.
لم تمر العبارة عليّ كجملة تشرح موقفًا. كانت الكلمات تخرج من فؤادها مسخنة بالوجع، وفي لحظة لم تستطع فيها الذاكرة أن تخفي ما رأته العين وما حمله القلب، زرفت دموعها، وكأن السودان كله مر أمامها دفعة واحدة؛ ملامح الفظائع، وخراب المدن، ووجوه الذين شردتهم الحرب، وأطفالًا اقتلعتهم المأساة من دفء بيوتهم، ووطنًا ما زالت جراحه مفتوحة في ذاكرتها. وفي تلك اللحظة بدا لي أن المسافة بين مكان جلوسها وبين السودان قد انمحت تمامًا، وأنها لم تكن تتحدث عن وطن بعيد، وإنما عن وطن يسكنها، بكل ما فيه من جمال ووجع وخراب، وبكل ما تعجز الكلمات، مهما بلغت، عن حمله وحدها.
ربما لهذا لم يكن السودان عندها مجرد بلد تتذكره حين تتحدث عنه، وإنما كان حاضرًا في التفاصيل التي تلت ذلك الحديث؛ في التعليم والأطفال، وفي الشباب الذين اضطروا إلى حمل غربتهم معهم، وفي النازحين الذين صاروا يبحثون عن أمان مؤقت خارج المكان الذي كان يفترض أن يكون بيتهم. ومن خلال منظمة «مندي» امتدت مشاريعها إلى الداخل، كما امتد اهتمامها إلى الشباب اللاجئين في مصر، وظلت تستثمر علاقاتها لتلفت الانتباه إلى مصائر أناس لا يملكون، في كثير من الأحيان، سوى أن يكون لهم من يتحدث عنهم.
حدثتني كذلك عن رسائل ومخاطبات وتحركات ظلت تقوم بها من أجل أناس لا تعرفهم معرفة شخصية، وعن مخاطبتها رئيس النمسا بشأن أحد الذين بُترت أقدامهم من شدة البرد على طريق الهجرة، وكيف لم تُهمل الرسالة، بل أحيلت إلى الجهة المختصة ودُعمت الفكرة. وحدثتني عن مؤتمر نظمته قبل نحو عامين حول دور الدياسبورا السودانية في إعادة بناء السودان، في مؤسسة برونو كرايسكي، فبدت لي الصورة أوسع من نشاط متفرق هنا أو مبادرة هناك؛ كان ثمة خيط واحد يصل بين هذه الأشياء كلها، خيط يبدأ من الإنسان قبل أن يسأل عن جنسيته، ثم يعود بالسؤال إلى الوطن حين يكون الوطن هو المكان الذي يحتاج إلى كل ما يمكن أن يستعيد به أبناءه ومعرفتهم وخبراتهم.
وحين تتراكم أمامي كل هذه التفاصيل، من الطريق إلى الغابة، إلى اليد التي امتدت لشاب لا تعرفه، إلى الرسائل التي حملت وجع أشخاص لم تلتقهم، إلى الجهد الطويل من أجل أن يجد الإنسان مكانًا أكثر أمانًا وكرامة في هذا العالم، أجدني أميل إلى فكرة قد تبدو الآن بعيدة، لكنها ليست مستحيلة على امرأة جعلت من الإنسان قضيتها الأوسع: أن يأتي يوم تُذكر فيه إشراقة مصطفى حامد بين الأسماء التي نالت جائزة نوبل للسلام. لا أقول ذلك بوصفه توقعًا سياسيًا أو حسابًا للجوائز، ولا لأن الطريق إلى نوبل يمكن اختصاره في هذا النوع من الأعمال، وإنما لأن بعض التجارب الإنسانية تكبر بمرور الزمن حتى تصبح أكبر من أصحابها، وتتحول من مبادرات وأفعال متفرقة إلى سيرة إنسانية متماسكة، يكون من حق صاحبها أن يحلم بأن تصل إلى أبعد من حدود المكان الذي بدأت منه. وإذا كانت نوبل قد ارتبطت، في أحد أعمق معانيها، بأشخاص جعلوا من كرامة الإنسان ومسؤوليته تجاه الإنسان الآخر قضية تتجاوز الحدود، فإنني لا أجد غرابة في أن أرى اسم إشراقة، يوما ما، في ذلك المقام؛ ليس لأنني أريد أن أسبق الزمن، وإنما لأن ما تصنعه الآن يستحق أن نترك للزمن نفسه فرصة أن يقرر إلى أي مدى يمكن أن يصل.
وحين قالت إن السودان في القلب، وإنه بلدها، وإن المشكلة ليست في الرغبة في العودة، وإنما في غياب الأمان الذي يجعل الإنسان عرضة لأن يفقد حياته في لحظة على يد شخص لا يعرفه ولا يملك أمامه سوى جنون السلاح، لم أشعر أنها كانت تتحدث عن فكرة العودة بمعناها الجغرافي الضيق. كان حديثها أقرب إلى ذلك النوع من الحضور الذي يجعل الإنسان يحمل بلده معه، حتى حين لا يستطيع أن يعود إليه؛ في علاقاته، وفي عمله، وفي القلق الذي يجيء إليه من خبر، وفي طفل لا يعرفه لكنه يرى فيه شيئًا من مستقبل بلده.
ومن هنا أخذت أفهم علاقتها بالمجتمع المدني على نحو مختلف. فهي لا تراه بديلًا عن الشأن العام، ولا مساحة للهروب منه، وإنما تراه المكان الذي تستطيع فيه أن تعمل مع من تتقاسم معهم مفاهيم حقوق الإنسان ورؤيتها، مع إبقاء المسافة التي تراها ضرورية بينها وبين المؤسسات الحكومية، حتى تظل قادرة على أن تقول ما تراه، وأن تدافع عن الإنسان من الموقع الذي يسمح لها أيضًا بأن تسائل المؤسسة حين تخطئ.
وحين تتجاور هذه التفاصيل، يبدو أن البلقان لم يأت في حياة إشراقة بوصفه محطة استثنائية، وإنما كشف فقط شيئًا كان موجودًا قبل الوصول إليه. الإنسان الذي وجدته هناك لم يكن غريبًا عن الأسئلة التي حملتها معها من السودان، كما أن السوداني الذي ظل حاضرًا في حديثها لم يكن منفصلًا عن أولئك الشباب الذين خرجوا من الغابات حفاة. اختلاف الجغرافيا لم يلغ وحدة الوجع؛ كان الطريق، في الحالتين، ينتهي عند إنسان يبحث عن قدر من الأمان والكرامة
ولعل هذا ما يفسر شيئًا آخر في تجربتها: أنها لا تفصل بين الكتابة والعطاء. حين تصل إلى مكان لا تكفي فيه الكلمات، تضع الكلمة جانبًا وتمد يدها، وحين تعجز اليد عن حمل الحكاية كلها، تعود إلى الورق. هناك، في المسافة بين الفعل والكتابة، يتشكل شيء من تجربتها؛ فالكتابة ليست عندها بديلًا عن العطاء، والعطاء ليس مادة خامًا للكتابة، وإنما كلاهما يأتي من المكان نفسه، من ذلك القلق الذي يجعل وجع الإنسان عصيًا على التجاهل.
وربما كان في ذلك شيء من روح أمها التي تشير إليها إشراقة في حديثها عن العطاء، تلك الروح التي يبدو أنها لم تورثها مجرد عادة الكرم، وإنما أورثتها معنى أوسع: أن الإنسان لا يكون جميلًا بما يحتفظ به لنفسه، وإنما بما يستطيع أن يتركه في حياة الآخرين. ولهذا فإن إشراقة حين تعطي لا تفعل ذلك كمن يمنح فائضًا لديه، وإنما كمن يرى في العطاء جزءًا من طبيعته، شيئًا يشبه التنفس، لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى تصفيق.
وليس غريبًا، بعد كل ذلك، أن تكتب عقب عودتها أنها ستذهب في اليوم التالي إلى جلسة علاج نفسي. فالذين يحملون أوجاع الناس ليسوا محصنين من أثرها، واليد التي تمتد إلى الآخرين قد تحتاج هي الأخرى إلى يد تمسك بها. في اعتراف كهذا شيء نادر من الصدق؛ إذ لا تقدم نفسها بوصفها امرأة لا تهتز، وإنما تسمح لنا أن نرى الثمن الذي يدفعه من يقترب كثيرًا من آلام الآخرين، ثم يحاول، رغم ذلك، أن يبقى قادرًا على العطاء.
لهذا تبدو منحة مؤسسة جان ميشالسكي الآن كأنها جاءت إلى اللحظة المناسبة من هذا المسار. فقد جاءت بعد ترشيح من «القلم العالمي»، تقديرًا لإسهامات إشراقة في الأدب والكتابة، لتمنحها مساحة من التفرغ تستعيد فيها علاقتها بالنص بعيدًا عن استعجال الأيام، وتحوّل ما راكمته التجربة من صور وأصوات وأسئلة إلى عمل أدبي قادر على أن يمنحها شكلًا آخر. ليست قيمة المنحة، في هذا السياق، في لحظة الاحتفاء وحدها، وإنما في أنها تلتقي مع مسار طويل سبقها، مسار كاتبة لم تفصل الكتابة عن الحياة، ولم تنظر إلى الإنسان باعتباره مادة للحكاية، وإنما ظل الإنسان هو النقطة التي تبدأ منها الحكاية وإليها تنتهي.
وسيكون أمامها، خلال أشهر التفرغ، مشروع «جحيم الأمنيات من السودان إلى البلقان»، ومشاريع أخرى، لكنني أظن أن التجربة التي سبقت الكتابة لن تتركها وحدها أمام الورقة الأولى. سيجلس محمد في مكان ما من الذاكرة، وسيبقى نهاد، ذلك الشاب البوسني الذي وصفته بأنه «قصة كتاب عنوانه الإنسان»، حاضرًا في الهامش الذي لا يراه أحد، وستظل الغابات والحدود والوجوه الحافية والمقبرتان والدموع التي لم تستطع إشراقة أن تمنعها، كلها تتحرك تحت الكلمات التي ستكتبها.
وربما تكون هذه هي المسافة الجميلة بين الرحلة والكتاب: أن الرحلة تنتهي حين يعود الجسد، لكن الكتاب يبدأ حين ترفض الذاكرة أن تعتبرها منتهية. ولذلك فإن الأشهر التي ستقضيها إشراقة في التفرغ لن تكون ابتعادًا عن العالم بقدر ما ستكون عودة إليه من باب آخر؛ باب اللغة التي تستطيع أن تحفظ للذين مروا في حياتها أسماءهم، وأن تمنح ما حدث لهم فرصة ثانية لأن يُرى، لا بوصفه خبرًا انتهى، وإنما بوصفه حياة كان يمكن أن تكون مختلفة.
وحين أفكر في إشراقة الآن، بعد ذلك الحديث الطويل، لا تعود صورتها عندي صورة الكاتبة التي ذهبت إلى البلقان ثم عادت منه بمنحة تفرغ، ولا صورة الناشطة التي تحمل ملفات وقضايا من مكان إلى آخر. تبقى صورة امرأة ظل الإنسان بالنسبة إليها أكثر من موضوع للعمل أو الكتابة؛ كان حضوره هو الذي يدفعها إلى الاقتراب، وهو الذي يجعل المسافة بين قضية وأخرى أقل اتساعًا مما تبدو عليه في ظاهرها.
وربما لهذا لا يبدو «جحيم الأمنيات» عنوانًا عن الهجرة وحدها، وإنما عن ذلك الحلم البسيط الذي يحمل الإنسان على عبور الغابة والنهر والحدود بحثًا عن حياة أكثر أمانًا، ثم يكتشف أن الطريق إلى الأمن قد يكون هو نفسه أكثر أجزاء الرحلة قسوة. وإشراقة، حين مشت بين أولئك الذين حملوا ذلك الحلم، لم تكن تبحث عن حكاية تكتبها، بقدر ما كانت تحاول أن ترى الإنسان في اللحظة التي يصبح فيها كل شيء حوله قابلًا لأن ينزع عنه كرامته.
ولهذا فإن ما ستكتبه لن يكون مجرد تسجيل لما رأته، فبعض الوجوه لا تغادر حين ينتهي اللقاء، وبعض الأماكن لا تبقى خلفنا حين نبتعد عنها، وبعض الدموع لا تجف لأنها لم تكن دموع لحظة عابرة، وإنما علامة على أن شيئًا ما انتقل من الخارج إلى الداخل، واستقر هناك في صورة سؤال لا تكفي الإجابة عنه وحدها.
وحين تجلس إلى الورقة، لن تحتاج إلى أن تستدعي كل ما حدث؛ ستكفيها ذاكرة محمد، ووجه نهاد، وصورة الغابات، وبرودة الحدود، والمقبرتان، وتلك اللحظة التي انفرط فيها تماسكها وهي ترى الإنسان في أقصى هشاشته. وسيطل السودان من خلف الحكاية كلها، لا كخلفية لكتاب عن الهجرة، وإنما كوطن ظل حاضرًا في الذاكرة والعمل والوجع، حتى حين كانت المسافة تقول شيئًا آخر.
ثم تأتي الكتابة، لا لتغلق الحكاية، وإنما لتمنحها فرصة لأن تبقى. أن تتحول الوجوه التي كان يمكن أن تضيع في زحام الأخبار إلى أسماء، وأن تتحول الشهادات إلى ذاكرة، وأن يجد أولئك الذين عبروا العالم بحثًا عن مكان آمن نافذة صغيرة في اللغة تقول إنهم كانوا هنا، وإن حياتهم لم تكن تفصيلًا عابرًا في قصة أكبر منهم.
فبعض الرحلات تنتهي حين يصل المسافر إلى وجهته، وبعضها يظل مفتوحًا لأن ما حدث فيها صار جزءًا من صاحبه. وإشراقة، كما بدا لي من حديثها، لم تكن تحمل معها عند مغادرتها البلقان صورًا لما رأته فقط؛ كانت تحمل وجوهًا وأسئلة ووجعًا، وتحمل معها أيضًا يقينًا أعمق بأن الكتابة، حين تكون صادقة، تستطيع أن تمنح التجربة حياة أخرى.
وربما كان هذا هو أجمل ما يمكن أن تفعله الإقامة التي تنتظرها الآن: أن تمنح كل ذلك الوقت الذي لم تمنحه لها الأيام، كي تصغي إلى ما بقي في داخلها، وتضعه في كتاب لا يكتفي بأن يحكي عن الذين مروا في تلك الجغرافيا، وإنما يحاول أن يقول شيئًا عن الإنسان حين تضيق به الأرض، وعن الكرامة حين تصبح حلمًا، وعن وطن يظل حاضرًا في القلب حتى حين تعجز الجغرافيا عن أن تمنح أبناءه طريقًا آمنًا إليه.
وفي النهاية، لا أظن أن ما ستعود به إشراقة من هذه التجربة يمكن اختصاره في كتاب أو منحة أو رحلة، فثمة أشياء أكبر من أن تحملها كلمة واحدة؛ وجوه رأتها ولم تستطع أن تنساها، وأسئلة ستظل مفتوحة، ودمعة كشفت لها أن المسافة بين الإنسان والإنسان أقصر بكثير مما ترسمه الحدود.
وربما لهذا حين أستعيد بدايات الحكاية الآن، أجد أن الدكتورة إشراقة مصطفى حامد لم تذهب إلى البلقان لتعود منه بخبر، وإنما ذهبت لتصغي، ورأت ما لا يمكن للمرء أن يراه ثم يواصل حياته كما كانت. وستكون الكتابة، في ما أظن، طريقتها في أن تمنح تلك الوجوه مكانًا في الذاكرة، وأن تجعل من الألم معنى، ومن العبور شهادة، ومن الحكاية حياة أخرى لا تنتهي عند آخر صفحة.
فبعض الطرق لا تنتهي حين نغادرها، وإنما تتحول إلى شيء أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا: إلى ذاكرة، وإلى سؤال، وإلى كتاب ينتظر أن يكتب نفسه. ولعل هذا هو الشيء الذي عاد مع إشراقة من البلقان، لا الطريق نفسه، وإنما أثره؛ ذلك الأثر الذي يبقى في الروح طويلًا، ثم يجد في الكتابة المكان الذي يستطيع فيه أن يقول أخيرًا ما عجزت عنه الكلمات وهي تواجه المشهد للمرة الأولى.
وحين تجلس إشراقة الآن لتكتب، لن تكون وحدها. سيجلس إلى جوارها الطريق كله؛ لا بوصفه طريقًا قطعته ثم تركته خلفها، وإنما بوصفه الطريق الذي عبر معها إلى الداخل، وحمل إليها وجوه الذين التقتهم، وأصواتهم، وخوفهم، ودموعهم، وأسئلتهم التي لم تجد مكانًا في حقائب السفر. سيجلس محمد، ونهاد، والشبان الذين خرجوا من الغابات حفاة، وستجلس الحدود والأنهار والمقبرتان، وسيجلس السودان أيضًا، ذلك الوطن الذي قالت إنها لم تغب عنه يومًا، والذي بدا طوال هذه الرحلة أبعد من الجغرافيا وأقرب من الذاكرة. وحين تضع إشراقة كل ذلك في الكتاب، سيكون العنوان قد أكمل معناه أخيرًا؛ فهي لم تعد من الطريق فقط، بل إن الطريق هو الذي عاد معها، من البلقان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الورق، ومن الورق إلى القارئ، ليبقى أثرًا يقول إن بعض الرحلات لا تنتهي بالعودة، لأن الطريق، حين يعبر إلى داخل الإنسان، يصبح جزءًا منه.



