عبد الرحيم أبو ذكرى.. والرحيل في الليل…!

بشرى سليمان
يمتد بنا الزمن إلى غمار ستينيات القرن الماضي، ذلك العقد الذي تفتحت فيه زهور الشعر السوداني الحديث على أيدي جيل أسطوري من المبدعين، وفجأة، وفي خضم ذلك الزخم الخلاب، يطل علينا شاعر يختلف عن سائر أبناء جيله، ليس بطول القامة ولا بكثرة الإصدارات، بل بعمق الجرح الذي حمله في صدره، وبالغموض الذي لف حياته كما لف قصائده، إنه عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم، ذاك الذي عُرف بـ”أبو ذكرى”، الاسم الذي بدا وكأنه هروب من الذات إلى ظل آخر، أو ربما كان محاولة لخلق قناع شعري يليق بمن كان يعيش في داخله شخصان، كما كان يبوح لأقرب أصدقائه.
ولد أبو ذكرى في الرابع والعشرين من سبتمبر عام 1943، بقرية تنقاسي السوق في منطقة مروي بالمديرية الشمالية، حيث تنحت مياه النهر الخالدة مجراها عبر الصخور السوداء، وكأنها كانت ترسم لوحة قاتمة لشاعر سيظل طوال حياته يبحث عن ضفة لا تبتلعه فيها العتمة. انتقلت أسرته إلى مدينة كوستي، ذلك الملتقى النهري الجميل، تبعاً لعمل والده في قوات الشرطة، وهناك التحق بمدرسة كوستي الأولية، لينتقل بعدها بتفوق إلى المرحلة المتوسطة في “كوستي الأهلية الوسطى”، حيث تشكلت ملامح نهمه المعرفي الأول، وبدأ يتردد يومياً على مكتبتي المدرسة، كأنما كان يخزن ما سيحتاجه لمواجهة وحشته المقبلة.
أما المرحلة الثانوية فكانت في مدرسة “خور طقت” العريقة، تلك المؤسسة التربوية التي كانت، مع نظيرتيها وادي سيدنا وحنتوب، درراً في جبين التعليم السوداني، ومصانع حقيقية للأدباء والسياسيين والمفكرين. وفي هذا المحفل العتيد، بدأ نجم أبو ذكرى يلمع، بل إنه فاز بجائزة نظم النشيد الرسمي للمدرسة الذي ظل يتغنى به آلاف الطلاب لعقود، ولا تزال أروقة خور طقت تردده حتى اليوم:
من نقطة فيحاء في افريقيا البلد العتيد
من طقت الكبرى سأهتف معلناً هذا النشيد
منها سأعلن للدنا للعالم الرحب المديد
هذ النشيد الحُلوِّ رمزاً للسلام وللخلود
وكأن صوت الشاعر الغائب لا يزال يملأ تلك القاعات بالحنين والكبرياء معاً. وفي عام 1963، التحق بجامعة الخرطوم كلية الآداب، حيث انضم إلى رابطة أدباء الجامعة، وأصبح معروفاً بين زملائه بالشفافية المفرطة والرهافة التي كانت تجعل جلده رقيقاً للغاية على صخب الحياة وسخافات السياسة.
لكن حدثاً جللاً سيشكل منعطفاً مصيرياً في حياته: في أكتوبر عام 1965، وفي ذروة الصراع حول الدستور الإسلامي، كتب أبو ذكرى قصيدته الشهيرة “أمير المؤمنين”، والتي استهدفت بشكل ساخر لاذع جماعة الإخوان المسلمين. لم تمض أيام قليلة على نشر القصيدة في صحيفة “الميدان”، حتى انهالت عليه الاتهامات من صحيفة “الميثاق الإسلامي” التي اتهمته بالكفر والإلحاد، بل وأباحت دمه، فاضطر إلى مغادرة الجامعة والوطن كله، موجهاً وجهه شطر موسكو الباردة، وكأن الجليد الروسي كان سيداوي جرحه السوداني الملتهب.
قصيدة “أمير المؤمنين” لعبد الرحيم أبو ذكرى
في خضم الصراع السياسي والدستوري الذي اجتاح السودان في منتصف ستينيات القرن الماضي، وتحديداً في الخامس عشر من أكتوبر عام 1965، دوّن الشاعر عبد الرحيم أبو ذكرى قصيدته الأشهر والأكثر إثارة للجدل، تلك القصيدة التي غيّرت مسار حياته إلى الأبد، والتي أطاحت به من مقاعد جامعة الخرطوم إلى منافي موسكو البعيدة. لم تكن القصيدة مجرد نصوص شعرية عابرة، بل كانت قنبلة موقوتة انفجرت في وجه التيار الإسلامي الصاعد آنذاك، والذي كان يطالب بدستور إسلامي للبلاد. كتبها أبو ذكرى وهو في الثانية والعشرين من عمره، طالباً في كلية الآداب، فإذا به يجد نفسه فجأة محور عاصفة لم يكن مستعداً لها، فاتهمه خصومه بالكفر والإلحاد، وأباحوا دمه، مما اضطره إلى الفرار من وطنه تاركاً كل شيء خلفه.
إليكم نص القصيدة كاملاً:
أمير المؤمنين
هذا أمير المؤمنين
حذاؤه في يده تأدباً في حضرة المهنئين
وذقنه كبيرة سوداء تخيف المشركين
ومسبحته تحميه من مساخر المنافقين
وحوله الشورى
(وأهل السر) من عباد الله الصالحين
الوزراء فوق رأسهم ذبيبة الصلاة
يحاربون كل معتد أثيم بالذقون
ويحمل الوزير (طارة) إلى الوزارة
ويدخل المبخرون صالة الخليفة الميمون
يهمهمون أو يسلمون أو يحوقلون
يحدث الساسة أن الكون كفار ومسلمون
وقانتون يعبدون الله أو منافقون
الدين تن الدين تن الدين تون
الخانعون الخرعون الإخوان المسلمون
في جنة الله وتحت عرشه مخلدون
وقرب أنهار الفراديس منزلون
والنار والزقوم والقسلين
والموت والجحيم واليحموم للمناضلين
والاشتراكيين لهم أسفل سافلين
يا حاجبي يا حاجب الخليفة الهمام
أدخل ذوي الحاجات للحكام
عشرون يوماً وأنا يا حاجب السوء بلا أحكام
أريد أن أضرب بالسيف رؤوس الكفرة واللئام
وانثر الغض للقوم على شريعة الإسلام
آه تذكرت فأنت قد قتلتهم يا أيها الضرغام
لأنهم يستخرجون الماء من بحيرة الغرام
ويأكلون طيب الطعام
ويختلون بالبنات في الأحلام
وأنهم تندروا عن ذقن خليفة الإسلام
وأنت لو أذكر ناديت الجنود في الظلام
فأعملوا فيهم شباه الصارم الصمصام
هذا جزاء ما يقترفون من آثام ضد خليفة الإسلام
لا لصوص لا لا حكام
إذاً فناد لي النديم والحجام لأنني أود أن أفاجئ
القيان في الحمام
—
تداعيات القصيدة
لم تمر القصيدة مرور الكرام على جماعة الإخوان المسلمين التي كان يرأس تحرير صحيفتها آنذاك الدكتور عبد الرحيم حمدي. ففي اليوم التالي لنشر القصيدة، وتحديداً في السابع عشر من أكتوبر 1965، خصصت صحيفة “الميثاق الإسلامي” صفحتها الأولى للهجوم العنيف على الشاعر وعلى صحيفة “الميدان” التي نشرت قصيدته. وجاء في نص المقال:
“نشرت جريدة الميدان لسان حال الحزب الشيوعي السوداني أمس الأول في صفحتها قصيدة بعنوان (أمير المؤمنين) ملئت كلها بالسباب المقذع والصور المسيئة البذيئة لشخصية أمير المؤمنين وتصور القصيدة أمير المؤمنين بمظهر المشعوذ الدجال المتعطش للذة الجنسية والدماء وتستهتر القصيدة استهتاراً واضحاً بنظرة الإسلام نحو الكفار وتحاول أن تصور الشيوعيين (الاشتراكيين) المناضلين عن حقوق الشعب بمظهر الكفار الذين يحاربهم الإسلام ويعد لهم (أسفل سافلين) تشوه الجريدة الشيوعية أيضاً نظرة الإسلام وأمير المؤمنين للشعب المسلم تشويهاً فظيعاً فتصور الخليفة وهو يشن الحرب على الشعب لأنه فقط يريد الاستمتاع بما أحله الله من ملذات. الميثاق: قد أسفرت الميدان الشيوعية أخيراً عن وجهها الكالح وفضحت احتقار الشيوعية والشيوعيين للإسلام ونحن نلفت نظر سلطات الأمن والسيد قاضي القضاة بالإنابة لاتخاذ الإجراءات الرادعة ضد هذه الجريدة حفاظاً على كرامة الدين وعلى مشاعر الشعب السوداني المسلم من هذا الاستهتار الشيوعي بقيمه.”
رد أبو ذكرى على الاتهامات
لم يصمت أبو ذكرى أمام هذه الاتهامات التي كادت أن تودي بحياته، بل أصدر بياناً توضيحياً رد فيه على ما ورد في جريدة الميثاق الإسلامي، مؤكداً أن القصيدة لم تكن موجهة ضد الإسلام ولا ضد الخلفاء الراشدين، بل إنها كتبت أصلاً عن الإرهابيين في مصر بعد انكشاف مخططهم الدموي. وجاء في رده:
“فاجأت جريدة الميثاق الإسلامي الجماهير في ملحق خاص ومجاني بقصيدة لي بعنوان أمير المؤمنين قالت إنها تحقق الأفكار الشيوعية القائمة على الكفر والإلحاد وإنها تسخر من الله سبحانه بالسخرية من عباده وإنها تصف الخلفاء الراشدين بأنهم يختلون بالبنات في الأحلام. وقد دلل المحرر على سوء القصد وعلى جهل بالشعر.
أن هذه القصيدة مكتوبة عن الإرهابيين في مصر بعد انكشاف مخططهم الدموي وأن أمير المؤمنين المقصود هو الأمير الذي يمكن أن ينبثق عن جماعة كجماعاته ضيقة الأفق متعصبة وفاشية. لست شيوعياً وإنما أنا عضو معروف بالجناح الديمقراطي. وأنا أضع أمامه هذا التحدي أن يبرهن أنني كافر وإما أن يرضى هو بالكفر.”
ورغم هذا التوضيح، كان الأوان قد فات، فقد أغلقت الأبواب في وجه الشاعر الشاب، ولم يعد أمامه سوى طريق المنفى. غادر السودان إلى موسكو، حاملاً معه جرحاً لن يندمل أبداً، وإحساساً عميقاً بالظلم لن يفارقه حتى آخر لحظة في حياته. تبقى قصيدة “أمير المؤمنين” واحدة من أجرأ النماذج الشعرية في الأدب السوداني الحديث، نموذجاً للشعر الذي يدفع صاحبه ثمناً باهظاً، وشاهداً على زمن كانت فيه الكلمة يمكن أن تغير مصير إنسان، بل قد تودي بحياته.
التحق أبو ذكرى بجامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو، حيث حصل على درجة الماجستير في اللغة والأدب الروسيين عام 1971، ثم دبلوم الترجمة من الروسية إلى العربية بدرجة امتياز في العام نفسه. وهناك، في عاصمة الثورة البلشفية السابقة، انفتح على عالم ضخم من الأدب والفكر، وبدأ ينهمك في الترجمة بشكل شبه هوسي، حتى أنه ترجم لأكبر الأصوات الشعرية الروسية، مقدماً نماذج فريدة في نقل الشعر شعراً، لا نثراً، مؤمناً بأن الترجمة الحقيقية يجب أن تحافظ على إيقاع النص الأصلي وقافيته، وإلا فالأولى ترك النص دون مساس.
لقد أبدى أبو ذكرى اهتماماً بالغاً بالشعر الروسي فتناول العديد من الأصوات الشعرية وقام بترجمة نصوصها على نحو خلاق تميز بالدفق العالي والشعرية البارزة. من هؤلاء الذين ترجم لهم الشاعرة الكبيرة ماريا تسفيتايفا، حيث نقل إلى العربية قصائدها الرائعة مثل “قراء الصحف الباريسية”، “بموسكو تضيء القباب”، “رغبات”، “في المقبرة”، “الشاعر”، و”الليل في المدينة”. كما ترجم ليفغيني يفتوشنكو قصيدته الشهيرة “هل يرغب الروس في الحرب؟” وقصيدة “الناس كل الناس شيقون”. وكان لسيرجي يسينين، ذلك الشاعر الروسي الذي انتحر هو الآخر في ظروف غامضة، نصيب وافر من اهتمام أبي ذكرى، حيث ترجم له ثماني قصائد من بينها “خطاب إلى أمي”، “أغنية عن البسفور”، “الحزن القديم”، و”أغنية عن روسيا القديمة”. كما ترجم لبوشكن وليرمنتوف، ونقل إلى العربية قصائد مايكوفسكي الثائرة، وعلى رأسها قصيدته الرباعية “غيمة ترتدي بنطلوناً”، والتي اعتبر ترجمتها تحدياً حقيقياً، حيث كتب عنها مقدمة يقول فيها: “كتب مايكوفسكي قصيدته بين عامي 1914-1915 لكن تأثير هذه القصيدة لا يتوقف حتى الآن، ليس بما تطرحه من أفكار فحسب، بل بجرسها وموسيقاها وبمزاجها العام العدمي الرافض لكل شيء”.
لم يقتصر نشاطه الترجمة على الشعر وحده، بل امتد إلى القصة القصيرة والرواية والمقال النقدي، فترجم للقاص الجورجي الشهير نوادر دمبادزي مجموعة من القصص من بينها “الدم”، “لا توقظوا ما نام”، “الطائر”، “الأم”، “مصارعة الثيران”، و”الملازم كوكاراشا”. كما ترجم القصة القصيرة “نشيد” لميخائيل بلوجاكوف، وترجم دراسات نقدية مهمة مثل “تعاليم تشيخوف” و”منعطف جديد للرواية المعاصرة” و”حول خصائص الرواية السوفيتية المعاصرة”. بل إنه تجاوز ذلك إلى ترجمة مقدمات الكتب، مثل مقدمته لرواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” بقلم فلاديمير شاقال عميد معهد الاستشراق.
لكن من بين كل ترجماته، تظل قصائده الشعرية الأصلية هي الإرث الأعمق. ففي عام 1973، صدر ديوانه الأول والأخير “الرحيل في الليل”، وكان بمثابة بطاقة هوية روحانية، بل وصية مبكرة. إن من يقرأ شعري – كان يقول – لا يحتاج إلى عالم في الفلسفة، أو الأدب، أو التاريخ، أو السيكولوجي، لكنه يجب أن يمتلك مناخاً معيناً وحساسية تجاه الكلمات وثقافة ووعياً مناسبين وبعض الخيال. فالقارئ يعد مشاعره أثناء قراءة القصيدة، وحيث ينتهي منها يكون قد تغير قليلاً ولو بنسبة واحد إلى المليون. وهذا هو سر شعره، إنه لا يشرح نفسه بنفسه، بل يترك للقارئ متعة الاجتهاد في فك رموزه.
يقول في قصيدة “الرحيل في الليل” التي حملت الديوان عنوانها:
“أيها الراحل في الليل وحيداً ضائعاً منفرداً
أمس زارتني بواكير الخريف
غسلتني بالثلوج وبإشراق المروج
كان صيفي جامداً وجبيني بارداً
وسكوتي رابضاً فوق البيوت الخشبية
مخفياً حيرته في الشجر وغروب الأنهر وانحسار البصر
لوحت لي ساعة حين انصرفنا
ثم عادت لي بواكير الخريف
حين عادت وثب الريح على أشرعتي المنفعلة
سطعت شمس الفراديس على أروقتي
ومضت تحضنني الشمس الندية
التي ما حضنتني التي ما عانقتني في الزمان الأول
في الزمان الغائب المرتحل
انتظرني فأنا أرحل في الليل وحيداً
موغلاً منفرداً في الدهاليز القصيات
انتظرني في البحر انتظرني
انتظرني في حفيف الأجنحة
وسماوات الطيور النازحة
وقت تنهد المدارات وتسود سماء البارحة
انتظرني”
وفي قصيدة أخرى بعنوان “العصافير تتعلم الطيران” من مجموعته الثانية التي لم تنشر، يكتب بصوت الشجن المعهود:
“الروح تسبح في البروق
الجسم يلهبه الشروق
هل تبصر الإيراق والإشراق في الأفق المديد؟
يا أيها الطير الذي كنا نريد
يا أيها الطير الذي كنا نشاهده يحلق في البعيد
الحال لا يخفى عليك
حالي أنا حال الطريد حال القعيد حال المكبل بالقيود
ها أنذا أحاول أن أطير مثل العصافير التي تتعلم الطيران
لكن الجناح رخو وشوق القلب يبعد ألف ميل
يا طائري هبني قواك لليلة أو ليلتين
لأحسني تحت السماء غمامة
ولأحسني بين النجوم كأنني القمر المنير”
أما في قصيدته “الخروج من عصور الظلام” فيبدو أنه كان يكتب عن خلاص لم يأت قط:
“آه طيري الجميل الغريب
يا رهيف الجناح يا نبيل الحنايا
بعد أن عشت في جزر الموت دهراً
ونازلت فيها عدوك هش السلاح
وترحلت في طرقات الخواء
وزاملت مستنقعات الجراح
فجأة حط ظلك ذاك الذي حل عني طويلاً
الذي غاب عني طويلاً طويلاً
عدت لي بعدما شب بيننا سور نار
وجدار تنامى وراء جدار
وبحار ترامت وراء بحار
ها أنا الآن أغدو قوياً فتياً
مريداً عنيفاً عتياً لأحميك من طوفان المياه
أنا شعب بكامله قد تخطى المتاه
كل ذاك التخبط في خارج الأرض والأزمنة انتهى”
وفي قصيدة “نجم يتهادى فوق السماء” يكتب برمزية عالية يتداخل فيها النهر بالشاعر والشاعر بالنهر:
“فوق صدر النهر آلاف النجوم الراجفة
ينحني النهر عليها في عبوس
يحتويها كالعروس وهي في أحضانه منكسفة
أيها النهر القديم أيها القادم من أرض الجبال العالية
من سماوات رحيبة
أيها العالق في دوامة الشمس وفي نبع العذوبة
كن معي وازرع على جفني رشاش العاصفة
إنني أعطيك ما أملك من حب وجاه
أنت منذ اليوم طفلي الملكي وقصوري وحسامي المرمري
ورئيس الحرس السائر في ركبي كظلي
كن إزائي كن أمامي كن ورائي
واقتلعني من جذوري وانطلق بي في الفضاء”
لكن النهاية كانت مختلفة تماماً. في السادس عشر من أكتوبر عام 1989، في صباح لم تستبن ملامحه بعد، فتح أبو ذكرى نافذة شقته في الطابق الثالث عشر من مبنى تابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو، وألقى بنفسه في الفراغ، ليرتطم جسده بين الرصيف والأعشاب على جانب الطريق. كان ذلك الفعل، الذي أرّق أصدقاءه ومحبيه لعقود، هو خاتمة لا يمكن فصلها عن مجمل حياته، بل هي التتويج الطبيعي لشاعر ظل يكتب عن الرحيل، عن الليل، عن الطيور التي لا تستطيع التحليق، عن الانتظار الذي لا ينتهي. لقد نفذ ما كان قد باح به لصديقه كمال الجزولي قبل تسعة عشر عاماً، حين قال له إنه يفكر جدياً في “ذلك الشيء المخيف” الذي تحدث عنه مايكوفسكي في وصيته: “لا أنصح أحداً به، ولكن لا مخرج لي سواه”.
رثاه الشاعر علي عبد القيوم بقصيدة مؤثرة قال فيها:
“أتعلـم أن طيـور الذرى يا صديقي
أضاءت بدمعات حسرتها كهف حزني
كأني بها قد تمنت لو أنك أخبرتها
لتهرع نحوك ناشرة تحت ظلك
مهداً من الريش والثلج والأقحوان
كأني بها قد تمنت لو أنك عابتها
لترفع عنك عناء الزمان وبؤس المكان”
عبد الرحيم أبو ذكرى، ذلك الشاعر الذي لم ينشر في حياته إلا ديواناً واحداً (الرحيل في الليل) ومخطوطة ديوان (العصافير تتعلم الطيران)، ترك خلفه جبالاً من المخطوطات والترجمات وقصائد لم تر النور بعد. لكن الأهم من كل ذلك، أنه ترك أسئلة كبرى لم تحل بعد: عن العلاقة بين الإبداع والجنون، بين الشاعر ووطنه، بين الحرية والالتزام، بين الحب الذي يحرق والحب الذي يبني. رحل مبكراً، في السادسة والأربعين من عمره، لكنه ظل أسيراً في قصائده، ينتظر من يفتح له نافذة جديدة، أو يمد له جناحاً يساعده على الطيران.
رحم الله الشاعر المرهف، فقد كان كما وصف نفسه: طائراً حزيناً يظل يحلم أن يطير، ولكن بلا أجنحة، وأن يسود الفضاء، ولكن بلا أسلحة.



