
قد تكون الولايات المتحدة قد أرادت من حجب تأشيرة الدخول عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن تمارس ضغطاً سياسياً مباشراً عليه، وربطت واشنطن، وفق ما أوردته مصادر سودانية وغربية، إصدار التأشيرة بالموافقة على هدنة لمدة تسعين يوماً. لكن السياسة لا تُقاس دائماً بما أراده صاحب القرار، وإنما بما تؤول إليه النتائج على أرض الواقع.
ومن هذه الزاوية تحديداً، فإن ما أرادته واشنطن أن يكون أداة ضغط على البرهان قد يتحول إلى أعظم هدية سياسية تقدمها له الولايات المتحدة.
فالمشهد داخل السودان يمكن أن يُقرأ بصورة مختلفة تماماً. المواطن الذي يرى رئيس بلاده يُمنع من دخول الولايات المتحدة، في الوقت الذي يستعد فيه للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد لا يقرأ الواقعة باعتبارها مجرد خلاف دبلوماسي حول هدنة، وإنما باعتبارها محاولة لفرض قرار خارجي على القيادة السودانية.
وهنا تتغير المعادلة.
بدلاً من أن يظهر البرهان أمام قطاعات من السودانيين باعتباره الطرف الذي يتعرض لضغط دولي بسبب موقفه من الهدنة، يمكن أن يظهر باعتباره الرجل الذي رفض أن يذهب إلى نيويورك مقابل تقديم تنازل سياسي مسبق. وهذا النوع من المواقف كثيراً ما يلامس الحس الوطني السوداني، خصوصاً في ظل الحرب وما أفرزته من حساسية شديدة تجاه أي تدخل خارجي في القرار السوداني.
الأهم أن الموقف الأمريكي جاء في توقيت شديد الحساسية. فالبرهان لا يقف في فراغ سياسي، بل يقود المؤسسة العسكرية في حرب أصبحت فيها قضية السيادة والدولة والقرار الوطني جزءاً أساسياً من الخطاب العام. ولذلك فإن أي ضغط خارجي مباشر عليه يمكن أن ينتقل، بصورة غير مقصودة، من كونه ضغطاً على شخص إلى قضية تتصل بالكرامة الوطنية في نظر قطاعات من الرأي العام.
وهذه هي المفارقة الكبرى.
واشنطن تريد الضغط على البرهان، لكنها قد تكون منحت البرهان في المقابل صورة سياسية أكثر قوة داخل السودان.
فالهدنة نفسها أصبحت في الخطاب السوداني مرتبطة بشروط وضمانات ومخاوف من أن تستفيد قوات الدعم السريع من توقف القتال لإعادة تنظيم صفوفها. وقد سبق للبرهان أن أعلن أن الخرطوم لن تقبل أي مقترح لا يحقق الأمن والاستقرار للسودانيين.
ومن ثم فإن رفضه الانصياع لصيغة تُطرح عليه من الخارج، ثم تعرضه لضغط أمريكي مباشر، يمكن أن يعزز لدى مؤيديه صورة الرجل الذي يتمسك بموقفه ولا يقبل الإملاءات الخارجية.
لكن المسألة لا تتوقف عند البرهان وحده.
الولايات المتحدة، عندما تجعل دخول قائد سوداني إلى مقر الأمم المتحدة مرتبطاً بموقفه من هدنة، تدخل عملياً في منطقة شديدة الحساسية تتعلق بالعلاقة بين السيادة الوطنية والنظام الدولي. وقد احتجت الخرطوم لدى الأمين العام للأمم المتحدة، بينما قالت الأمم المتحدة إنها قلقة بشدة من عدم إصدار التأشيرة.
وهذا تحديداً ما يجعل الواقعة قابلة للتحول إلى رصيد سياسي داخلي للبرهان.
فالرجل الذي كان يمكن أن يدخل نيويورك ليتحدث عن السودان، أصبح هو نفسه موضوعاً للمواجهة بين الخرطوم وواشنطن والأمم المتحدة. وفي السياسة، أحياناً تكون منعك من الوصول إلى المنصة أقوى من منحك المنصة نفسها، لأن المنع قد يصنع قضية سياسية تتجاوز مضمون الخطاب الذي كان سيُلقى.
قد تكون واشنطن قد أرادت أن تقول للبرهان: اقبل الهدنة أولاً ثم تعال إلى نيويورك.
لكن الرسالة التي قد تصل إلى قطاعات من السودانيين هي: البرهان تعرض لضغط أمريكي لأنه لم يقبل شروطاً خارجية.
وهنا تكمن الهدية.
فالولايات المتحدة قد تكون أرادت تقليص هامش البرهان، لكنها من حيث لا تريد قد وسعت هامش التعاطف معه. وقد تكون أرادت أن تجعله أمام اختبار سياسي، لكنها منحته في المقابل فرصة لإعادة تقديم نفسه باعتباره عنواناً للقرار الوطني.
وبعيداً عن تقييم موقف البرهان من الهدنة، فإن هذه الواقعة تكشف درساً مهماً في إدارة الصراع السوداني: الضغط الخارجي لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية التي يريدها صاحبه، خصوصاً عندما يصطدم بحساسية السيادة الوطنية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي بالنسبة للبرهان الآن ليس كيف يستثمر هذه الهدية، وإنما كيف يحول هذا الرصيد الرمزي إلى موقف سياسي مسؤول، يجمع بين الدفاع عن سيادة القرار السوداني وعدم إغلاق أبواب السلام.
فالهدنة ليست القضية الوحيدة، والتأشيرة ليست القضية الوحيدة، والحرب ليست معركة عسكرية فقط.
إنها في جانب كبير منها معركة على من يملك القرار السوداني.
وفي هذه اللحظة تحديداً، تبدو المفارقة واضحة:
أرادت أمريكا أن تضغط على البرهان، فإذا بها تضع في يده ورقة سياسية من ذهب.
وهذه، في تقديري ككاتب ومحلل سياسي، واحدة من أكثر المفارقات دلالة في المشهد السوداني الراهن.
تحياتي



