مقالات وآراء

قراءة في سيكولوجيا التمهيد السياسي وصدمة العودة

النور (قبة) التي تحتها فكي

د. عبد الحفيظ محمد عثمان

يبرز في الأفق السوداني تساؤل جوهري حول الدلالات العميقة التي تتخفى وراء مشهد عودة القائد المنشق من قوات المتمرد حميدتي، النور قبة، إلى حضن الدولة، وهو المشهد الذي لم يمر مرور الكرام بل أحدث زلزالاً في منصات الرأي العام السوداني، حيث لم تكن المفاجأة في مجرد انشقاق قائد ينتمي لثقل قبلي ووزن يمثل النواة الصلبة للتمرد، بل في تلك الحفاوة الاستثنائية التي استقبله بها رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والتي وصلت إلى حد التنازل عن السيارة الرئاسية، في إشارة بروتوكولية حملت من الرمزية ما يكفي لإثارة عاصفة من الجدل بين مستبشر بانتصار عسكري ومعنوي، وبين مستنكر يرى في المشهد تجاوزاً لجراح الضحايا وتضحيات الشعب.
وفي الوقت الذي يركز فيه المحللون العسكريون على القيمة الاستراتيجية لهذا الانشقاق كونه طعنة في خاصرة التمرد وفصماً لعرى التحالفات القبلية التي يقتات عليها، يبرز تيار شعبي واسع يستحضر بمرارة الفظائع والجرائم التي ارتكبها القائد العائد في الخرطوم والفاشر وعموم دارفور، معتبراً أن دماء الأبرياء وحرمة البيوت المنهوبة لا يمكن مقايضتها بمكاسب سياسية عابرة، وهو ما يجعل من استقبال “قبة” بالأحضان بدلاً من ملاحقته قضائياً غصة في حلق المطالبين بالعدالة، إلا أن الزاوية الأكثر عمقاً تذهب إلى أن هذا المشهد السريالي ربما يكون “طُعماً” سياسياً أو “مخدراً موضعياً” لتهيئة العقل الجمعي السوداني لمرحلة قادمة من التسويات المؤلمة.
إن المتأمل في الحراك السياسي الجاري والضغوط الإقليمية والدولية يدرك أن ثمة طبخة سياسية نضجت أو كادت، تهدف إلى إشراك رموز وأحزاب كان يعتقد قطاع واسع من الشعب السوداني بأنها كانت بمثابة الجناح السياسي للتمرد، وهي التي أضفت عليه المشروعية بينما كان ينتهك الأرض والعرض، وهنا تكمن فلسفة “صناعة القبول” عبر سياسة الصدمات، فالدولة حين تفرض على الشعب قبول متمرد ميداني ملطخ بالدماء وتمنحه الحصانة والحفاوة، فإنها بذلك تمهد الطريق لتقبل عودة الفواعل السياسية “المدنية”، والتي قد ينظر اليها بأنها متواطئة مع التمرد، إذ سيغدو التفاوض مع “الأفندية” الذين دعموا التمرد بالكلمة والموقف أقل وطأة وإيلاماً على النفس بعد تجرع صدمة تكريم من نفذ القتل بيده، وبذلك تنجح القيادة العسكرية في تمرير شروط تسوية قد تكون قاسية وعسيرة الهضم، مستخدمة “قبة” كجسر للعبور فوق ثوابت الرفض الشعبي.
وعودة إلى المثل السوداني الدارج، فإن هذه “القبة” التي ظهرت للعلن تحتها “فكي” بل “فقراء” كثر ينسجون خيوط المرحلة القادمة، حيث يبدو أننا بصدد عملية “تصفير للعداد الأخلاقي” للحرب، لشرعنة عودة رموز سياسية كان مجرد ذكر أسمائها في السياسة السودانية يُعد ضرباً من الخيال أو جريمة لا تُغتفر في نظر المواطن البسيط، ليكون النور قبة هو “القربان” الذي يُذبح عليه الغضب الشعبي، لتمر من خلفه قوافل السياسيين الذين ينتظرون لحظة العودة إلى كراسي السلطة تحت لافتة “الضرورة الوطنية”، في مشهد يؤكد أن السياسة لا تعرف الثبات، وأن الصدمات الكبرى هي دائماً المقدمة الضرورية للقرارات المرة.

تعليق واحد

  1. هو اصلا ما في حكمة من الحرب دي اكبر من الصدمة للشعب و لكل شئ اخر! الا تتفق معي حضرة الدكتور كاتب المقال ان السودان ككيان على وجه هذا الكوكب حالة فريدة من اليأس في الحلول!! ألا تتفق بعيدا عن الأهواء ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..