حانت ساعة الحقيقة !

تمضي عقارب الساعة بطيئة وكئيبة وهي تمضي بنا نحو العام الثلاثين وهؤلاء …… لا زالوا يجثمون فوق صدورنا كأنهم عذاب مقيم .. وهاهي البلاد تعايش واحدا من أكثر الحقب إظلاما وإيلاما في تاريخها الحديث .. فيما لم يك أحد يتصور أن يؤول الحال إلى هذا المآل .. وربما لا تزال الذاكرة تحمل قصيدة ظهرت في أعقاب الإطاحة بالحكم المايوي .. حملت عنوان(عذاب القبر في الخرطوم) .. أراد فيها الشاعر أن يعبر عن كرهه لذلك النظام بأقسى التعابير .. غير أنه لا الشاعر ولا غيره كان يدري أن القادم هو الأسوأ وأن عذاب القبر الفعلي لم يبدأ بعد .. فبعد بضع سنين جاء هؤلاء من المجهول بفكرهم المنحرف ، منهجهم العقيم وفهمهم السقيم ، المفارق لدين الفطرة ، ليعملوا في البلاد والعباد تدميرا ممنهجا ، كأن لهم ثأر قديم .. كأنهم ليسوا من أبناء جلدتنا ، لم يعيشوا بيننا ، لم يتشرّبوا بقيمنا ، ولم تغشاهم روحنا السمحة المفعمة بالمحبة والمحنة . جاءوا بالخديعة الكبرى التي كلما نتذكرها ، نتذكر تلك المقولة المليئة بالمفارقة والسخرية لديزموند توتو : (حينما جاء المبشرون إلى بلادنا ، جاءوا ومعهم الكتاب المقدس ، فعلمونا الصلاة ، ثم قالوا لنا تعالوا نصلي .. حملنا الكتاب المقدس في أيدينا ثم أغمضنا أعيننا وصلينا في خشوع .. وحينما فتحنا أعيننا وجدنا الكتاب المقدس في أيادينا وأراضينا في أياديهم) ! وياليتهم صادروا أراضينا فحسب فلقد صادروا كل جميل فينا حتى أحلامنا أبوا إلا أن يحيلوها إلى كوابيس .
غير إن أكثر ما يدهش في هؤلاء أن كل ما فعلوه لم يحرك فيهم ساكنا بأن يهديهم إلى طريق الصواب ، بل ما حدث هو العكس نماما فقد كانوا يستمتعون بكل ما يفعلونه في ضحاياهم في سادية منقطعة النظير .. فقد كانوا سادرين في غيهم بحيث لم يردعهم وازع ولا دين ولا ضمير .. ففي كل عام من حكمهم كان ينهض حائط يعزلهم عن الشعب ، إلى أن باتوا وبحكم معاييرهم يحكمون بلدا أخر وشعبا أخر .. إن ما فعلوه في الشعب السوداني لم يفعله أحد من قبل لا الأتراك ولا الإنجليز ولا كل الأنظمة الوطنية التي جاءت من بعد ، وإن أبلغ عبارة تصف ما الحقه هؤلاء بالشعب السوداني من أذى هو ما أوجزته تلك المرأة الرائعة التي عاشت ولا تزال تعيش بيننا في كلمات وهي تصف حال الإنسان السوداني قبل وبعد مجيئهم : ( كان الإنسان السوداني في الماضي يمشي مرفوع الرأس منتصب القامة .. لكنه أصبح اليوم يمشي مطاطئا) .. مع أن هذا الوصف يبدو مؤلما ، إلا أن هذا هو حقيقة ما فعلوه بنا في ثلاثة عقود من القهر والتسلط المتصاعد تدريجيا ، بحيث لم يراعوا فينا إلّا ولا ذمة.. لقد نجحوا بإمتياز في تركيع الشعب السوداني وإذلاله في سابقة نادرة وإستثنائية لم يمر بها الشعب السوداني قط في تاريخه ، لكن هل هذه النهاية ؟؟
بالطبع لا فسنن الحياة الكونية تقضي بأن لكل بداية نهاية ولكل أجل كتاب وهاهم الآن يعايشون نزعهم الأخير ، ولو كانوا أذكياء لأهتبلوا كل الفرص التي واتتهم عبر مسيرتهم المتعثرة لكي يعتذروا للشعب ويتنحوا .. ربما كان من الإمكان مسامحتهم .. لكنهم تنكبوا الطريق وصمّوا أذانهم وأعينهم عن الحق وأمعنوا في السير في طريق الضلال .. فلم يكن بالإمكان أن يستبينوا االنصح وإن إقترب الضحى .. فغدا إذا ما فار التنور .. عليهم أن يعذروننا لأننا سوف نستأصل شأفاتهم من الأرض وأن عليهم أن يخرجوا من أرضنا .. من نيلنا .. من زرعنا .. من ضرعنا .. بل ومن ذاكرتنا ، لأنهم لم يبقوا لنا شيئا نحفظ لهم به ودا .. غدا سوف يعود هذا الوطن المخطوف إلى أهله بإذن الله ، فيما لا يزال السودانيون الخلصاء القابضين على جمر القضية يحملون حلمهم الكبير .. حلم لا يدانيه حلم الأخرين.. حلم بأن ينهض هذا البلد على قدميه ليقول كلمته للدنيا .. حلم عمدّه الأسلاف الرائعون الذي بدأ ومن فرط حبهم له وكأنهم يحملون همه وهم في رقدتهم الأبدية .. لا تثريب ! .. غدا تورق الأزهار .. يأتي الفجر مشرق الصباح .. وتأتي البشارة كنسمة من جوف المضيق ، تداعب أجفاننا وتحي فينا أملا طال إنتظاره لنغني معا ما حملناه في مكنوناتنا من حب لهذا الوطن الجميل .
[email][email protected][/email]



