خمس رسائل في محراب قوى التغيير.. الرسالة الخامسة الختامية وليس الاخيرة

سيكولوجية الأخوة الأعداء وضياع الوطن……..
هي الرسالة الختامية
لنصل بها لجوهر الرسائل و نعكس الهدف منها وليس الأخيرة لأننا نتمنى أن تفتح الباب لرسائل عديدة تفتح الأبواب الموصدة لتسمح بتلاقح الأفكار والتجارب تساهم في رسم واقع جديد يساعد في تجاوز واقع الكارثة والانزلاق اليومي في هاوية الضياع وفقدان الوطن.
واقع يجب تجاوز حالة الجمود والإحباط والانتظار والتحرك لبناء مستقبل يجب أن نضع بذرته من اليوم. خاطبت في الرسائل السابفة شرفاء التغيير واليوم خاطبتهم بالاخوة الأعداء حيث هم شرفاء في صدق إنتمائهم لقيم الحرية والمدنية وإخوة في الوطن الجميل الذي نحلم به موحدا تحت رأية العدالة ودولة المؤسسات والقانون.
في الرسائل الأربع الماضية كانت رسائلنا موجهة إلى قوى التغيير في مواقعها المتباينة: بين من يدعم الجيش الوطني، ومن يساند الدعم السريع، وبين قوى «لا للحرب» التي ترفض دعم أي من الطرفين. خاطبنا قوى التغيير باعتبار أنهم شرفاء التغيير.
في خطابنا الختامي هذا، يجب أن نبدأ بأن نقول إن وصف «شرفاء التغيير» يشير إلى موقعهم الأصلي في معسكر الدفاع عن الدولة المدنية وحقوق الإنسان والحرية والسلام والعدالة، ولا يعني تزكية مواقفهم اللاحقة؛ حيث إن الموقف اللاحق، مهما كان صوابه أو خطؤه، لا يمحو تلقائيًا التاريخ السياسي والأخلاقي السابق، لكنه قد يكشف انحرافًا عن ذلك الموقع يحتاج إلى تفسير ونقد ومراجعة، وهذا ما نسعى إلى الوصول إليه.
يمكننا أن نفهم هذا الانحراف باعتباره نتيجة لاختراق الوعي الزائف كما أسلفنا في سابق الرسائل، حين يعيد الخوف والاستقطاب تشكيل الوعي، فيصبح الدفاع عن أحد أطراف الحرب مقدمًا على الدفاع عن المبادئ المدنية الأساسية. إن تفسير الموقف من خلال الوعي الزائف لا يعني تبريره أو إعفاء صاحبه من المسؤولية؛ فالتفسير يوضح كيف حدث الانحراف، ولكنه لا يبرره، وتظل المحاسبة الأخلاقية والسياسية قائمة.
إن رفض أو إسقاط صفة «شرفاء التغيير» بصورة نهائية قد يحول نقد المواقف إلى حكم على النوايا والضمائر، وكأن هؤلاء تخلوا عن الدولة المدنية وحقوق الإنسان عن قناعة أصيلة ونهائية. إن الخطر في هذا الحكم أنه يطابق بين قوى التغيير والقوى العسكرية التي أيدتها، فيصبح مؤيد الجيش نسخة من الجيش، ومؤيد الدعم السريع نسخة من الدعم السريع. نعم، قد يحدث هذا، ولكننا نتعامل مع شريحة نأمل أن التأييد قد نشأ من خوف وتضليل وحسابات خاطئة، لا عن تطابق تام في القيم والأهداف أو تغيّر في الأهداف السابقة.
إذن، إننا نسعى إلى الفصل بين الهوية المدنية الأصيلة، إذا كانت مستمرة، والموقف السياسي الحالي الذي نعتبره طارئًا؛ حيث ندين الموقف بوضوح، ونحمّل صاحبه مسؤوليته، ولكننا لا نغلق أمامه طريق المراجعة والعودة إلى معسكر الدولة المدنية.
إننا، في ذلك، يمكن أن نرى مواقف القوى المدنية تتباين بين من وقف مع الجيش باعتباره مؤسسة الدولة وممثلًا للشرعية، وبين من ساند الدعم السريع باعتباره ميليشيا. كما أن طبيعة الانتهاكات وحجمها ودرجاتها ليست متساوية بين ما حدث من الدعم السريع من انتهاكات ودمار، وبين ما حدث من الجيش في تلك المعارك.
إن الاعتراف بالفروق بين الجيش والدعم السريع، وطبيعة كل قوة وتاريخها، أمر ضروري في أي تحليل موضوعي للحرب، لكن موضوع الرسائل ليس مقارنة تفصيلية لتحديد أي الطرفين كان أكثر سوءًا، وإنما مساءلة القوى المدنية التي خالفت خطها الفلسفي والأخلاقي وانحازت إلى أحد طرفي الحرب.
لا تعني وحدة المعيار الأخلاقي تساوي الأطراف في المسؤولية والانتهاكات، وإنما تعني أن الانتهاك يظل مرفوضًا أيًا كان حجمه وأيًا كان مرتكبه، وأن المبدأ المدني يفترض ألّا يتغير بحسب هوية الضحية أو هوية الجاني. نعم، قد تختلف درجة الانحراف من موقف إلى آخر، ولكن وجود هذا التفاوت لا يلغي حقيقة الانحراف عن المرجعية الأصلية التي كانت تدعم الدولة المدنية، وترفض عسكرة السياسة، وتدعم حقوق الإنسان.
لقد خاطبني كثير من الأصدقاء يتساءلون عمن هو أكثر انحرافًا؟ حيث أجد أن البحث عن إجابة عن مثل هذا التساؤل قد يدفع كل مجموعة إلى تبرير موقفها بانتهاكات الطرف الآخر، فتضيع المسؤولية الأخلاقية داخل المقارنات المتبادلة. نعم، إن المقارنة قد تكون ضرورية في سياق التوثيق والمحاسبة القانونية والسياسية والأخلاقية، ولكنها لا ينبغي أن تستخدم لإعفاء أي طرف أو تيار مدني انحرف عن موقفه الأصلي، مهما تفاوت مستوى الانحراف.
إن السؤال الجوهري ليس أي الطرفين ارتكب انتهاكات أكثر؟ وإنما: لماذا قبل بعض دعاة الدولة المدنية تجاوز مبادئهم عندما جاءت الانتهاكات من الطرف الذي أيدوه؟ فالسؤال ليس مساواة الجيش والدعم السريع بعضهما ببعض، ولا مساواة مواقف مؤيديهما في كل التفاصيل؛ حيث نتفق على وجود اختلاف في درجات الانتهاكات والتوحش، ولكن هدف الرسائل كان إخضاع الجميع لمعيار مدني وأخلاقي واحد، وهو الابتعاد عن قيم حقوق الإنسان والدولة المدنية، مع الاحتفاظ بالفروق الموضوعية في درجة هذا الانحراف ودرجة الانحياز.
نعم، إن الخطاب الذي يخاطب (الشرفاء) قد يمس كثيرًا من الضحايا، ويمس مشاعرهم وحقوقهم، لكن النقطة الجوهرية هي أن تعبير الشرفاء ومواقفهم ليس إنكارا لمعاناة الضحايا لانها ركنا جوهريا وليس أمرًا ثانويًا، بل هو نقطة البداية الأخلاقية لأي مشروع للمراجعة والمصالحة أو إعادة الكتلة المدنية؛ حيث لا يمكن تجاوزها. ولا يجوز ولا يُقبل أن تتحول الدعوة لهؤلاء الشرفاء للعودة إلى مواقعهم القديمة إلى تبرير، أو أن تصبح غطاءً لإنكار ما حدث أو للمساواة بين الجاني والضحية.
إن الذي أيد الدعم السريع أو الجيش، وبرر انتهاكاتهما أو تجاهلها، فهو شريك يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية عن مواقفه، كلٌّ بحسب طبيعة موقفه ودرجة تأثيره ودرجة الانحراف والانتهاكات التي تمت. إن فهم أثر الوعي الزائف لا يلغي المسؤولية الفردية والجماعية؛ فهو يفسر كيف تم تضليل الوعي أو اختطافه، ولكنه لا يحول الإنسان إلى كائن بلا إرادة ولا مسؤولية.
إن دعوة الشرفاء لا تعني عدم المساءلة، بل تعني أن تكون العودة إلى الصف المدني مشروطة بالقراءة الموضوعية للواقع، والتي يصاحبها الاعتراف بالخطأ، وإدانة الانتهاكات، واحترام حقوق الإنسان وحقوق الضحايا. فهي النقطة الجوهرية في المراجعة؛ حيث لا أحد يطالب الضحايا بالنسيان والتسامح القسري من أجل تحقيق وحدة سياسية سريعة، فالوحدة التي تقوم على إسكات الضحايا تعيد إنتاج القهر، ولا تؤسس لسلام حقيقي.
في المقابل، يجب التمييز بين المساءلة والإقصاء النهائي؛ فالمساءلة تهدف إلى الاعتراف والتصحيح ومنع تكرار الخطأ، أما الإقصاء فيحول الأخطاء إلى هويات دائمة لا تسمح بالمراجعة، وغير مقبولة في المساءلة. إن استعادة الكتلة المدنية لا تتحقق بتبرئة المنحازين إلى أطراف الحرب، أو البحث عن تبرير لسلوكهم، ولا بطردهم نهائيًا ومحاكمة النوايا، إنما بفتح الطريق والبحث عن أسباب هذا الانحراف. إن فتح طريق العودة إلى موقع الكتلة المدنية يقوم على احترام مبادئها الثابتة، ويستند إلى الحقيقة والاعتراف وتحمّل مسؤولية المواقف.
إن تسميتهم «شرفاء التغيير» ليست شهادة براءة من مواقفهم خلال الحرب، بل هي تذكير بالموقع المدني الذي انطلقوا منه، واحتجاج على انحرافهم عنه، ودعوة إلى استعادته؛ حيث لا نساوي بين الانتهاكات، ولا نعفي من بررها من المسؤولية، ولا نتجاوز حقوق الضحايا، لكننا نرفض أن نحوّل الموقف الخاطئ إلى هوية أبدية، وأن نستبدل نقد الوعي الزائف بمحاكمة النوايا وإغلاق أبواب المراجعة والعودة والمحاسبة.
عندما نخاطب شرفاء التغيير، فإننا لا نمنح هذا الوصف لكل من انتمى في الماضي إلى معسكر الدولة المدنية، ولا نفترض أن المواقف اللاحقة لا تغيّر هوية أصحابها. إنما نخاطب الذين ما زالوا يحتفظون، في جوهرهم، بمبادئ الدولة المدنية وحقوق الإنسان، لكن الوعي الزائف أربك قراءتهم للواقع ودفعهم إلى مواقف تناقض مرجعيتهم الأصلية.
أن الذين تماهوا كليًا مع أحد أطراف الحرب، وتبنّوا مشروعه وبرّروا انتهاكاته وتخلوا عن مرجعيتهم المدنية، فلا يمكن وليس من المنطقي او الموضوعي وصفهم بشرفاء قوى التغيير استنادًا إلى ماضيهم وحده. فالباب مفتوح للمراجعة والعودة، لكنه ليس بابًا للتبرئة ولا للاحتفاظ بصفة أخلاقية نقضتها المواقف الراهنة.
إن الذين تغيّرت مواقفهم، ومارسوا التماهي الكامل مع العسكر، وأصبحوا يدافعون عن مشروعهم، ويبررون انتهاكاتهم، ويؤمنون بحقهم في إدارة الحياة السياسية ورسم مستقبل الوطن، فإنهم بذلك يكونون قد تخلوا عن تاريخهم وهويتهم المدنية. وهؤلاء لم يعودوا أصلامن قوى التغيير، بل أصبحوا جزءًا من بنية القهر التي كانوا يقاومونها؛ ولذلك فإن رسالة «شرفاء قوى التغيير» لا تطالهم، ولا توصفهم، وليسوا هم المقصودين بها بل هم المعسكر المضاد لها تمام.
الأعزاء
بعد أن توافقنا عن فهم المخاطب بهذه الرسائل وحتما ليس المقصود وحده (فالهدف هو الجماهير بكل اطيافها).نتحرك لجوهر الرسائل الذي يستند على حقيقة لا جدال فيها ان الوطن في طريق الضياع والانهيار والعمل على منع ذلك يجب ان يكون فرض عين على كل من يحمل ذرة محبة وإنتماء لتراب هذا الوطن مهما كان موقعه. إن الدمار النفسي في واقع الحرب وتشظي الوجدان والوطني والجراح المجتمعية تزداد في كل صباح جديد .حيث لا يمكن الانتظار حتى يتوقف صوت الرصاص لنبدأ في دروب التعافي.إن علم النفس السياسي يؤكد ان الجرح المجتمعي يستمر لمدة ثلاث أجيال ينخر في جسد الأمم فهل يعقل أن نجلس في الانتظار وفي كل يوم يزداد هذا الجرح بمشاعر الغضب والحزن والإحباط ورسائل التخوين والكراهية والعنصرية والاقصاء.؟
هي مسئولية شرفاء قوى التغيير بان يتخلصوا من إسار عقلية سايكولوجية الإخوة الأعداء ولا أحد يطالبهم بنشر ورود المحبة والتسامح والغفران الان.بل نطالبهم آن يتحملوا مسئوليتهم في معالجة هذا الجرح والعمل على الوقاية منه كل في موقعه.حيث يجب التمسك بالثوابت المدنية التي لم يسقطها الاختلاف حول تفسير الحرب. مع أهمية الفصل بين الموقف من الحرب وبين الموقف من المجتمع الذي نحلم به و الدولة التي نريد بناءها. حيث الشرعية السياسية هو الإرادة المدنية للمواطنين، لا امتلاك السلاح في دولة سيادة القانون والمواطنة المتساوية. في مجتمع يتم فيه حماية الحقوق والحريات وحرية التنظيم والتعبير ورفض الانتهاكات ضد المدنيين بغض النظر عن مرتكبها ورفض العنصرية وخطاب الكراهية والاستقطاب القبلي والجهوي.هذه المبادئ مساحة تمثل رؤية شرفاء قوى التغيير ويجب ان تكون برنامج حياة وهدف لا تتأثر بموقع الفرد من الحرب او التعاطف مع احد أطرافها. حيث ضرورةالاعتراف بأن الاختلاف في قراءة الحرب لا يعني بالضرورة الاختلاف في المبادئ والهدف المدني.حيث يجب رفض احتكار أي قوة عسكرية أو سياسية لحق تمثيل المجتمع.مع ضرورة التمييز بين الاختلاف المشروع والتعاطف و الانحياز والتماهي وإعطاء تفويض يبرر الانتهاكات أو التخلي عن المبادئ المدنية.
إن التشظي والانهيار اليومي وتنامي الجراح المجتمعية كل يوم تفرض علينا إعادة بناء الوعي المدني الى قلب المعركة وإلى بدء الحركة الآن، بدلاً من تعليق الفعل على نهاية الحرب. لأن التشافي المجتمعي وبناء ثقافة السلام لا ينبغي تأجيلهما إلى ما بعد التسوية السياسية، بل هما جزء من صناعة شروط السلام نفسه .حيث يجب استعادة المجتمع: ثقافة السلام، مقاومة الكراهية، التشافي المجتمعي، دعم الضحايا، العدالة الانتقالية، جبر الضرر، إعادة بناء الثقة والنسيج الاجتماعي، ومنع إعادة إنتاج العنف ان .الهدف المدني يجب الا يكون فقط هاجسه إبعاد السلاح عن السياسة أو إقامة الحكم المدني؛ بل يشمل إصلاح ما أحدثته الحرب داخل المجتمع نفسه. من تشظي وجراح والعمل على الوقاية حتى في زمن القتال. حيث لا تكفي استعادة الدولة إذا تركنا المجتمع ممزقاً، كما لا يكفي تشافي المجتمع إذا بقيت بنية الدولة تعيد إنتاج القهر والعنف. ان مشروع قوى التغيير يجب أن يسير في مسارين متلازمين تحرير الدولة من هيمنة السلاح، وتحرير المجتمع من آثار الحرب وثقافة الكراهية والخوف والانتقام.
ان مستقبل الوطن والتعافي الاجتماعي يعتمد على دورنا ونجاحنا في معركة السلام.ان معركة السلام تعتمد على جنودها والذين في قلبها قيادات شرفاء قوى التغيير وبناء الكتلة المدنية الحرجة التي تتبنى قيم السلام ويصبح التغيير ثقافة وإنتماء.
الأعزاء
إن استعادة الكتلة المدنية لا تبدأ بالبحث عن تحالف جديد يجمع الجميع تحت مظلة واحدة، ولا بانتظار أن تتوحد قراءات القوى المدنية للحرب. البداية الممكنة هي أن نعترف بحقنا في الاختلاف، ثم نبني حول هذه الأهداف مساحات للعمل المدني٠ تحفظ لكل قوة استقلالها وموقفها. وليس أمامنا ترف الانتظار. فمعركة السلام لا تبدأ في اليوم التالي لتوقف الحرب؛ لأن الحرب في كل يوم تستمر فيه لا تدمر المدن والمؤسسات وحدها، بل تعمق الخوف والكراهية، وتوسع جراح الضحايا، وتهدم الثقة، وتمزق النسيج الاجتماعي. ولذلك فإن حماية المجتمع، ودعم الضحايا، والتشافي المجتمعي، ومقاومة خطاب الكراهية، وبناء ثقافة السلام ليست ملفات مؤجلة إلى ما بعد الحرب،
إن السلام ليس لحظة تأتي بعد انتهاء الحرب؛ إنه عملية تبدأ أثناءها، وكل مساحة نستعيد فيها قدرة الناس على الحوار والتنظيم والعمل معاً هي مساحة ننتزعها من الحرب ونضع فيها لبنة من لبنات السلام.حيث يجب البدءفي بناء السلام الآننبدأ بتجاوز أسر القوى أو الكتل الثلاث .حيث لا ينبغي اختزال المجال المدني في الاصطفافات الثلاثة التي صنعتها الحرب أو عمقتها. فالكتلة المدنية أوسع من القوى التي انحازت إلى هذا الطرف أو ذاك أو اتخذت موقفاً ثالثاً . هنالك القوى الموجودة خارج الاستقطاب من النقابات والمهنيون و منظمات المجتمع المدني، المبادرات المحلية، النساء والشباب، الأكاديميون والمثقفون، النازحون واللاجئون، مجموعات الضحايا، القيادات المجتمعية، ومبادرات السلام والتشافي وغيرها.حيث يجب عدم تحويل استعادة الكتلة المدنية إلى إعادة تجميع للنخب بل المطلوب توسيع القاعدة الاجتماعية للمشروع المدني، بحيث يصبح المجتمع شريكاً في إنتاجه وليس جمهوراً ينتظر ما تتفق عليه القيادات السياسية. تحويل السلام من شعار سياسي إلى ممارسة اجتماعية: فإذا كانت الحرب تعيد إنتاج نفسها يومياً عبر الخوف والكراهية والاستقطاب والتعبئة، فإن السلام أيضاً يجب أن يُنتج يومياً عبر الحوار والتعاون والثقة والتنظيم المجتمعي.
إن من أخطر صور الوعي الزائف الاعتقاد بأن العمل من أجل السلام يبدأ بعد أن تتوقف المدافع. فالحرب العسكرية يمكن أن تستمر بينما يبدأ المجتمع في مقاومة شروط استمرارها.يتم تحقيق ذلك من خلال دعم مشاريع السلام الموجودة على الأرض من مبادرات وقف العنف المحلي، حماية المدنيين، المصالحات المجتمعية المنضبطة بالحقوق، مقاومة خطاب الكراهية، دعم النازحين والضحايا، التشافي النفسي والاجتماعي، إعادة بناء الثقة، التعايش، وتوثيق الانتهاكات وحفظ الذاكرة. حيث يجب تحويل المجتمعات المحلية من ضحايا للحرب إلى فاعلين في السلام .حيث السلام لا ينبغي أن يصل إلى المجتمع لاحقاً في صورة اتفاق سياسي جاهز؛ بل ينبغي أن يشارك المجتمع نفسه في صناعته.حيث يجب ربط السلام بالعدالة. ذلك من خلال دعم مبادرات السلام فلا يعني القفز فوق حقوق الضحايا أو استبدال العدالة بالمصالحة؛ بل بناء مسارات تسمح بالحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والتشافي ومنع تكرار الانتهاكات.إن صناعة نماذج صغيرة قابلة للتوسع حيث كل مساحة تنجح فيها قوى المجتمع في تخفيض خطاب الكراهية، أو إعادة الثقة، أو حماية المدنيين، أو إدارة الاختلاف دون عنف، يمكن أن تصبح نواة لنموذج أوسع. يتم فيه الضغط لفتح الممرات الإنسانيةو تكوين جبهة ضغط مدنية موحدة لضمان وصول الغذاء والدواء، وحماية العاملين في المجال الإنساني، ومنع التجويع واستخدام المساعدات سلاحاً.
مع ضرورة رسم استراتيجية آعلامية ومبادرات مجتمعية في قلبها رفض خطاب الكراهية والتعبئة القبلية مع بناء مرصد مدني وميثاق إعلامي لمواجهة التحريض، ونزع الإنسانية، وتحميل المجتمعات مسؤولية جرائم التشكيلات المسلحة
ان في قلب معركة السلام تمليك الجماهير سيطرتها على واقعها وثقتها في بناء مستقبلها.فتح الحوار المجتمعي ونقل الحوار من لقاءات القيادات إلى الأحياء والقرى والنقابات ومجتمعات النازحين واللاجئين والنساء والشباب والمزارعين والرعاة.
هي جزء من معركة السلام التي يجب أن تبدأ الآن.
وقد لا نستطيع أن نتفق على رواية واحدة للحرب، ولكننا نستطيع استعادة الكتلة المدنية: لا بوحدة التنظيم، بل بوحدة الاتجاه؛ ولا بتطابق الرؤى، بل برسم الخُطى نحو الأهداف المدنية المشتركة..
إن هذه الرسائل التي خاطبت القوى المتحالفة التي تدعم أطراف الحرب، أو التي وقفت بعيدة عن أطراف الحرب، ليس المقصود بها المجموعات المنظمة أو الفاعلة في حركة التغيير وحدها، بل هي محاولة لإعادة مركز الفعل إلى المجتمع كله. فالفكرة الأساسية هي أن المجتمع المدني لا يحتاج إلى انتظار اتفاق القوى المتصارعة، ولا يمكنه ذلك، حتى يبدأ بناء السلام.
بل يجب أن يبدأ العمل من الآن، وأن يكون فيه دور الخارج مساندًا للفعل الداخلي، لا بديلًا عنه ولا قائدًا له. فالسلام يبدأ من المجتمع منه واليه.
ان كل يوم تستمر فيه الحرب يضيف طبقة جديدة من الخوف والكراهية والفقد والتمزق الاجتماعي. هنا يتجسد الوعي الفعّال في أقوى صوره: لا نكتفي بإدراك خطر الحرب، بل نتحرك، ويسأل كل فرد منا: ما المساحة التي أستطيع حمايتها الآن؟ وما الفعل الذي يجب عليّ القيام به حتى أمنع الحرب من إنتاج مزيد من التأثيرات السلبية على المجتمع؟
إذن، فإن رسالتنا تستند إلى أركان أساسية يمكن أن نختتم بها هذه الرسائل الخمس لا نزعم انها تحوي الحقيقة ولكن نتمنى ان تفتح أبواب التحاور نحو فهم أفضل وأكثر دقة وعلمية وتوافق يمكن أن يستوعب تساؤلات الجميع بلا فرز او اقصاء
أولًا
إن الاختلاف السياسي لا يمنع العمل المجتمعي؛ حيث يستطيع كل فرد ومجموعة أن يبدأ من موقعه في رفض القتال، ومقاومة الكراهية، ودعم الضحايا، والتشافي، وبناء ثقافة السلام، وحماية مبادئ الدولة المدنية.
ثانيًا
إن العمل حول الأهداف المشتركة لا يشترط التوافق التنظيمي أو التنسيق بين الأطراف. يجب الوعي بأن هذه الأهداف تتجاوز المواقف والقضايا التي تثير الخلاف، وأن نعمل عليها. وحتى إذا فرضت الظروف مستقبلًا التنسيق في بعض هذه القضايا، تكون الثقافة المدنية قد ترسخت، فلا يصبح هناك حاجز أمام العمل سويًا لفتح الممرات الإنسانية، أو دعم الضحايا، أو توثيق الانتهاكات.
ثالثًا
إننا بذلك نجعل المجتمع مركزًا لصناعة السلام؛ فلا يكون متلقيًا ينتظر اتفاقًا توقعه النخب، بل يصبح قوة فاعلة ترسم خطوات السلام استنادًا إلى احتياجاتها وضرورات واقعها، وتتحرك من مواقع الإحباط والانتظار إلى مواقع الأمل والتشافي والعمل الإيجابي.
رابعًا
إننا بذلك نستطيع تصحيح المعادلة التي اختلت، فيصبح الداخل هو الذي يقود الخارج. وفي علاقة يسودها التناغم، يطرح الداخل رؤيته وتصوره للواقع الذي يعيشه، ويتفاعل مع الخارج الذي يوفر الإمكانيات والمعرفة وشبكات الدعم والمناصرة. ليس المطلوب أن يحل الخارج محل الداخل، بل أن يزيد قدرته على الفعل، وأن يساهم في جعل صوته مسموعًا ومؤثرًا في الخارج.
خامسًا
إن كل يوم للحرب يعني إضافة إلى الدمار، لا مجرد إضافة إلى القتال؛ بل مزيدًا من الضحايا والكراهية والخوف وفقدان الثقة وتمزيق العلاقات الاجتماعية وتفتيت الوجدان الوطني. لذا فإن بناء السلام ليس مهمة تبدأ بعد توقف الحرب، بل مقاومة تبدأ أثناءها لمنعها من تدمير المجتمع. قد لا نستطيع أن نوقف الحرب اليوم بأيدينا، لكننا نستطيع أن نتوحد اليوم، حتى إن لم يجمعنا تنظيم واحد، حول مسؤولية لا يُعفى منها أحد: في كل قرية وفي كل مدينة، ندعم الضحايا، ونحارب خطاب الكراهية، ونعالج الجراح بالتشافي، ونعيد بناء الثقة في الوطن.
هنا ينتقل وعينا من معرفة المأساة إلى القدرة على مواجهتها، ويتحرك الوعي الفعّال. فلا ننتظر أن يتغير الواقع من تلقاء نفسه، بل نعمل على تغييره، قبل ان ننتظر وقف القتال فلا نجد بلدا ولا وطن بل مجتمع في هايوية التشظي والتمزق
لذا يجب نبدأ الان
نرسم خطوات السلام الذي نحلم به. نبدأ من القضية والهدف المعلن نحو بناء دولة السلام ومجتمع المحبة، ثم يمكن أن يتطور ذلك إلى أشكال تنظيمية بالقدر الذي تحتاج إليه. فهذه المبادرات المحلية يمكن أن تصنع شبكات واسعة، وأن تقود إلى رؤية مشتركة.
إذن، فإن وحدة الاتجاه والاستناد إلى مبادئ السلام هما الأهم في هذه المرحلة. هذه هي رسالتنا، وهذه هي معركة السلام اليوم في جوهرها كيف نبدأ التغيير؟
إنها تخاطب كل فرد فينا؛ لأن الفعل المدني لا حدود له. لا ننتظر اتفاقًا لإيقاف الحرب، أو موافقة من جماعة أو تنظيم سياسي. فالقوى المجتمعية قادرة على تجاوز الانقسامات التي صنعتها الحرب، وأن ترسم مبادراتها ومساحات فعل جديدة تستند إلى واقعها واحتياجاتها اليومية ومبادئها المدنية وحقوق الإنسان.
حين نبدأ التحرك لتحقيق ذلك، نبدأ صناعة السلام على الأرض. عندها يصبح السلام مشروعًا نبنيه، وممارسة نعيشها، وسلوكًا نقاوم به الحرب، حتى وإن لم نرفع شعارات العمل المنظم لذلك. وهنا تكون الخطوة الأولى نحو بناء الوطن الذي نحلم به، والابتعاد عن هاوية الدمار التي يسير إليها وطننا الحبيب.




“حين نبدأ التحرك لتحقيق ذلك، نبدأ صناعة السلام على الأرض.”
هنا وفي كل المقالات السابقة كان لك رأي في كل المكونات المدنية والعسكرية وهو نقد رصين وجهد متعوب عليه فكريا لا يسعنا الا ان نشكرك عليه.
اذن متى نبدا التحرك؟ …. التحرك وكما جاء في مقالاتك يحتاج الى التواجد وسط الجماهير وتعبئتهم للسلام ولا تنفع كل المبادرات ما لم تلجأ الى احتكام المبادرة وسط الجماهيرية. واذا كانت ثقتنا ضعيفة في انجاز تلك المهمة بواسطة كل الفاعلين المتواجدين في الساحة السياسية الان فهذا يتطلب ان تتنزل كل فرضياتك الى العمل وسط الجماهير . ولا اقصد هنا التعجييز ،لا، بل اقصد ان يتحقق الفرد من ان تنظيره يمتلك قوة واقعية وإلا فيصبح مجرد تنظير لا يسمن ولا يغني من جوع ويبقى رقما في مجموع التنظيرات التي تملأ الساحة ولم تجدي نفعا بعد 4 سنين من الحرب والموت والدمار والمعاناة لكافة اهل السودان. فأنت في كل مقالاتك لم تذكر اي فائدة للمبادرات المدنية والعسكرية التي حدثت في ال 4 سنين الماضية حتى نبني عليها رؤية للمستقبل بل استعضت عنها بتنظير جديد. وهو ما يستوجب النزول للممارسة العملية والواقعية.
هي اكيد مهمة صعبة ولكنها ليست مستحبلة.