الخرطوم.. أمل العودة وغصة الذكريات (الجزء الأول)

إسماعيل الباهي
رغم مرور نحو ثلاث سنوات على اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة والدعم السريع، لا تزال معظم البيوت خالية وتئن تحت وطأة الخراب؛ فبعضها تكسوه الأعشاب، وأخرى يحرسها الخفراء، بينما أغلقت بقية المنازل باللحام.
خلال هذه المدة، تجولت في أحياء الحلفايا وكافوري، مرورا بالرياض والخرطوم 2 والطائف، وصولا إلى حي الراقي جنوبي الخرطوم.

وحين نقارن نبض العاصمة منذ توقف المعارك وحتى اليوم، نجدها تبدأ في استعادة سيرتها الأولى كطائر الفينيق الذي ينهض من رماد الحرب، إذ شرع الفارون في العودة التدريجية لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
ولكن سرعان ما تتحول فرحة العودة إلى غصة في الحلق؛ فما إن يخطو العائد عتبة بابه حتى يكتشف أن عودته منقوصة. وحينما يجد ألبوم صور تالفا أو شهادات ممزقة، يتجرع صدمة فقدان لا يمحوها إلا استعادة الذكريات.

لقد ألهمتني رغبة العودة إلى الخرطوم الجريحة برفقة المهندس محمد عثمان وفريقه العامل في شركته المختصة بتأهيل وتنظيف المنازل المتضررة. وحينها تركت “قلم الزجاج” والعمل في بيع وتركيب زجاج السيارات قرب سوق صابرين، لأصير جزءا من حركة تنفض غبار الحرب بعائد يومي يعيد بناء الحياة.
عودة إلى بحري
بعد خمسة أيام من سيطرة الجيش على بحري، (مطلع مارس 2025) استدرنا بمحركنا نحو “كافوري”، بوثيقة مرور مختومة لا تهادن.
على جسر الحلفايا، كان النيل يجري بغربة وحزن بين ضفتين “الثورة” المزدحمة بالحياة خلفنا، وبحري المهجورة أمامنا. عبرنا الحواجز والسيارات القتالية المحترقة، لتبدأ الفجيعة في شارع المعونة والمنطقة الصناعية؛ مدن بلا وجوه ولا أصوات، جدرانها في “درة الحلفايا” مثقبة برصاص لا يهدأ.
لكن الوجه الآخر بدأ يولد؛ ففي السوق المركزي بشمبات، بدأت حركة سوق الخضر وموقف البصات تزيح صور الخراب، وشرع الناس في سفلتة شارع البراحة كأول طريق يعود للحياة.
اليوم، اختلف الطريق. عند تخوم المنطقة الصناعية عبر شارع الإنقاذ، توارت تلال الغلال المتفحمة أمام المطاحن التي عادت رحاها للدوران وسط ضجيج الشاحنات وعمالها وبائعات الشاي بعد توقفها بسبب الحرب.
وحدها محطة “بحري الحرارية” المنهوبة تركت أثرها بركا من الزيوت تلمع على شارع المحطة، كطمي أسود يمتص أزيز الإطارات قبيل دخولنا إلى كافوري.
الجرح الأبيض
في صباح تسكت فيه شقشقات العصافير، ولا يحمل جديد سوى ظلال المباني الممدودة تبدأ جولاتي بكافوري، لنرى بيوت خالية وأبواب تفتح مصراعيها ولا تحتاج إذن دخول لمعرفة هوية صاحب الدار.

وبمجرد العثور على بقايا فايل، أو حقيبة مستندات مبعثرة، تقودنا للتمييز بين أفراد العائلة والمؤهل ومجال العمل.
بتجوالي بمربعات (3، 4، 5) شمالي كافوري، ومرورا بمربعات (7، 8، 9) جنوبا، حيث تتساوى بيئة الخراب والبيوت المنهوبة، والطرقات المكتظة بفتات مقتنيات المواطنين مثل قطع الأثاثات، والأواني، والأدوات الكهربائية، والملابس والأوراق.
بمربع (5) تدفعنا نسمات المزارع الشرقية نحو شجيرة مانجو ترتجي من يسعفها بقطرة ماء علها تنقذ ثمارها المتحجرة؛ حيث تتفرع بشكل جاثية بمثابة حارس البوابة لبيت موظف أجبرته الحرب على المغادرة.
حالة الخراب تجعلنا نغض الطرف عن جماليات المنزل، وننهمك بمناظر النهب الموحشة بداية بتكسير الأبواب والمنافذ الزجاية، ونهش الكتب والأوراق والتحف والهدايا.
“تظل في قلوبنا” ذلك الشعار المطبوع على قميص التخرج، والمزدان بتواقيع الخريجين، يظل شاهدا على ما تبقى للعائلة من ذكريات، جراء العبث بحصاد كنوزهم العلمية المتمثلة في الشهادات التقديرية والدروع.
التحرك في شمس النهار بمربع 5 يصيب بالدوار، هناك انعدام تام للحركة، وصمت البيوت يشبه صمت القبور بعد نزوح السكان، وصمت الحيوانات الأخرى.
كذلك المبيت بذات المربع في ليل بهيم أمر محفوف بالمخاطر، لكن البحث عن ملاذ آمن هو الصعود إلى أقصى غرفة أو شرفة تخفف قطع الظلام الدامس.
طنين البعوض، وارتطام الأبواب، والشبابيك ببعضها، ونباح الكلاب الضالة، ودوي المدافع هو إيقاع قضاء الليلة بكافوري.

بالاتجاه الشمالي الشرقي لمنطقة كافوري تحط قدماي مربع (3)، الذي حاصرته سنين الحرب بغابات (المسكيت)، وصار لقمة سائغة لنهب بيوته الخالية، ومساحاته الفارغة باعتباره حيا لم يكتمل بنيانه.
على واجهة فقدت بريقها في شارع (10)، تطل فيلا برتقالية بلا بوابة؛ وفي باحتها، تستقر عربة معطوبة، وكأنها أعيِيت من النهب.
يرزح طابقها الأرضي خاليا تماما، بعد أن التهمت النيران نصفه فتركت جدرانه بين سواد ورماد، بينما تتناثر في الجزء العلوي وثائق العائلة.
وبين كومة من الكتب والأوراق والصور المبعثرة، يبرز غلاف شريط كاسيت يحمل أغنية “الجرح الأبيض” وكأنه يروي مشاهد النزيف لتلك الكتب، والأبحاث العلمية، والشهادات، والمشروعات الهندسية.
أهوال الحرب
ولعل أكثر مشاهد الدمار وحشية بمربع 7 هو قصف مبنى بكامله يعرف بمترو كافوري، يتكون من ثمانية طوابق تحولت إلى مجموعة أنقاض لا تزال تنتظر من يستجلي أسرارها.
تغيرت مشاهد الجفاف والخراب بمربعي 7 و 8 إلى ملامح مخضرة حين زرته في مثل هذا الموسم من الخريف، مما ساعد على تفتق الأشجار وتكاثر الحشائش العشوائية حتى ضيقت مساحات المنازل.
وفي أحد البيوت المتضررة بالمربع 8، تحولت الواجهة إلى أجمة ملتفة بأشجار الدمس، وتضيقت المداخل بجذوع أشجار المهوغني التي قطعتها فأس الحرب لتستخدم كبديل للوقود؛ لتتغير ملامح المكان وتنحسر ظلاله المشرعة على الطريق وبيوت الجيران المهجورة.
وفي أعتاب المدخل، تتجمع كومة نفايات مبللة بالأمطار، ليقرق بينها كتاب يطوي صفحاته بشكل ملتصق مكتفيا بما تبقى من حروف غلافه: (تاريخ مدينة الخرطوم)، لم يعد الكتاب مجرد شاهد تاريخي يروي أمجاد الخرطوم وعراقتها، بل تحول اليوم إلى ضحية صامتة بين ركام الموت.

فلم تشفع عناوين الكتب والأبحاث لصاحب المنزل في استثناء بيته من التخريب والعبث بمكتبته المتناثرة، كما لم تجد نفعا صفحات (كتاب السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام.. قصة بلدين)، الذي ظل سفرا مرميا لا ينبض.

شهادات الشكر والعرفان والصور الحائطية باتت مطلية بالغبار بعد تهشيم براويزها الزجاجية والخشبية، وهو المصير ذاته الذي آلت إليه إهداءات الأبناء وشهادات التكريم.
تعافي
يستعيد حي كافوري نبضه تدريجيا إذ يتبدل صمت المكان بتكتكة الركشات وضجيج السيارات وحراك عمال البنيان والمطاعم الشعبية، خصوصا شمال القنطرة وشارع الشيخ إبراهيم.
يعود النبض تدريجياً إلى الحي بتبدد غياهب الظلام وعودة الكهرباء إلى مربعات 11، 4، 5، لتضيء معها أنوار منظومات الطاقة الشمسية في الشوارع والبقالات والمنازل.
كما بدأت أرض كافوري تستعيد عافيتها بعودة ضخ المياه إلى المنازل رغم غياب السكان وتدفق المياه من المواسير المتضررة في الطرقات، وهو بحد ذاته مؤشر حياة لمنطقةٍ أرهقتها الحرب وحرمتها من أبسط الخدمات.



