رِهانُ شعبِنا ، رهانُ السّلام في نيويورك!

يقول الفيلسوف والشاعر الأميريكي رالف إميرسون: (1803- 1882): “الإنتصارات الحقيقية والدائمة هي انتصارات السلام ، وليس انتصارات الحرب!” ويضيف أميرسون في مأثوراته عن السلام وعلاقته ببناء الحضارة الإنسانية، أنّ السلام العالمي ضرورة لأجل غلبة الحضارة على النزعة البربرية!
إنحياز الإنسان الحر لمعسكر السلام شرط أخلاقي من شروط بناء الحضارة والتقدم والنماء في أيِّ مكان وأي زمان. ليس من عاقل يراهن على الحرب كوسيلةٍ لحل المشكلات. ولعلّ من راهنوا على الحروبِ في كلِّ العصور لم يحصدوا غير الرماد بعد الحريق!
أكتب هذه الرّسالة لأقول بأننا اليوم في السودان ننقسم إلى معسكرين إثنين لا ثالث لهما: معسكر الداعين إلى الحرب ومعسكر الدعاة إلى السلام. كاذب من يدّعي اليوم في بلادنا أنه في الحياد. فالقسمة لا تقبل (بيْنَ – بَين)! أحسب وبعد مضي خمس سنواتٍ ونيف على انطلاق ثورة 19 ديسمبر 2018م أنّ الرؤية قد وضحت لمن انطلت عليهم حِيَل معسكر تجّار الحروب. وبوضوح أكثر دعونا نجْرُدُ حصاد ما أنجزه عسكر السودان في سبعين سنة وثمانية أشهر – عمر الدولة السودانية المستقلة من يوم إعلان استقلالها عن بريطانيا في العام 1956م حتى ساعة كتابة هذا المقال. طبعاً من الإستحالة ذكر كل كبيرة وصغيرة ، ولكني مراعاة لحيز المقال وحرصاً على وقتي ووقت القارئ سأجرد على عجالة:
• ورثنا جيشاً تقوم أهدافه على حماية السلطة وليس حماية الدستور والشعوب والدفاع عن حدود البلاد كما الحال في قوانين معظم جيوش العالم. جيش يعرف خرّيج أكاديميته العسكرية (الكلية الحربية) يوم تخرّجه الطريق الذي يفضي إلى أبنية الإذاعة والتلفزيون لإذاعة البيان الإنقلابي الأول .. وليس مهمته حماية الدستور وحراسة الحدود والدفاع عن إنسان البلاد. تلك أشياء على الورق !! فقد خرج من صفوف جيش السودان 3 إنقلابات أساسية وهي على التوالي : إنقلاب الفريق عبود 1958م وإنقلاب المشير جعفر النميري 1969 وإنقلاب الجبهة الإسلامية (الترابي – البشير ) 1989 والذي أزاحته ثورة ديسمبر ، لكنه عاد بإنقلاب الجنرال البرهان. وما برح يبذل الحيل للبقاء قافزاً من حبل إلى حبل حتى الليلة!!
• سرقت إنقلابات العسكر مجتمعة من عمر استقلال السودان 55 عاماً على أقلّ تقدير. تفيد الإحصائيات أنّ الإنقلابات الفاشلة التي قام بها ضباط مغامرون من جيش السودان بلغت 32 محاولة انقلابية، أولها محاولة علي حامد وعبد الرحمن كبيدة والرشيد الطاهر بكر – المرشد العام للإخوان المسلمين وقتذاك!!
• أدخل الجيش السوداني في أدبيات حروبه على امتداد 55 سنة من الحروب المتواصلة ثقافة المليشيات وإلحاقها بصفوفه كروافد مُعِينة في الحرب.
• ولأنّ المليشيات مدربة على حمل البندقية وقتل العدو (شعوب السودان) وليس في الضبط والربط فقد رأينا وما زلنا نرى من الفظائع في السحل والقتل والإغتصاب وجز الرؤوس وبقر البطون ما تشيب منه الرؤوس. فالإغتصاب سلاح من ابتكار جيش السودان ضد شعوبه. ومن يغالط فليسأل من يصدقه القول عن جرائم الإغتصاب التي لا تحصى لجيش السودان ضد مواطنيه في جنوب السودان قبل فصل الجنوب.
• ناهيك إنّ صناعة المليشيا في الأربع وثلاثين سنة من تسلط الأخوان المسلمين عسكرياً واقتصادياً في السودان صارت باباً للثراء والمكسب السهل. فما على أيِّ مغامر إلا أن يجمع ثلة من الشباب ويساوم النظام على (كم وكيف) !!
لذا فإنّ أول ما ينبغي أن تبدأ به دولة المستقبل القريب – وهي بالضرورة دولة مدنية يتساوى فيها كل المواطنين في الحقوق والواجبات – أن تبدأ ببناء جيش وطني، أول مهامه حماية دستور البلاد وشعبها وحراسة حدودها.
قلت في مستهل مقالي بأننا في السودان قد وصلنا خاتمة الطريق: فإما أن تكون في معسكر السلام أو أن تكون في معسكر الحرب. وكاتب هذه السطور لا يخفي نواياه الواضحة وضوح الشمس في كبد السماء بأنه ليس مجرد جندي في معسكر السلام فحسب، بل يدّعي أنه يحمل قلمه لهذا الهدف السامي النبيل – وإن دعا الداعي – بذل أغلى ما يملك لإقامة ما دعت إليه ثورة ديسمبر تحت مظلة شعاراتها التي عرفتها شعوب العالم قاطبة: حرية ، سلام وعدالة! وهي شعارات بناء الدولة المدنية، مثلنا مثل شعوب العالم المتحضّر على ظهر هذا الكوكب!
لقد صرخ الجنرال عبد الفتاح البرهان – مدفوعاً بداعميه ممن لهم المصلحة في أن يظل السودان أرضاً بلا شعب ، وحديقة خلفية يعلفها الغاشي والماشي- صرخ البرهان بغبائه المعهود: (المجد للبندقية) !! لكنّ لعبة إطالة أمد الحرب قد وصلت آخر محطاتها يا جنرال زمن الحيرة. فها قد وصل إلى أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة من يمثلون الطيف الواسع لشعوب السودان التوّاقة للحرية والسلام والعدالة. رجال ونساء نثق في نواياهم المخلصة ونبل مقاصدهم في تمثيلنا لا التمثيل بنا كما فعل الجنرال الحائر وزمرته من ألوية البطش وبقر البطون! وصل إلى أروقة الأمم المتحدة في نيويورك من يمثلون رغبة ملايين السودانيين في عرض أمانيِّ وأحلام شعوب السودان بإقامة ما نادت به ثورتهم السلمية التي بهرت العالم وما تزال حناجر شبابها تدوي في الداخل وفي المهاجر : حرية ، سلام وعدالة، مدنية خيار الشعب. رجال ونساء يحملون أمنيات شعوب بلادنا التي شردتها الحرب وهدها الجوع والفقر والرّصاص الجبان إلى أكبر برلمان للحل السلمي لمشكلات الإنسان في عصرنا الحديث. وصل ممثلو معسكر السلام من أبناء وبنات السودان إلى أروقة الأمم المتحدة في نيويورك تحرسهم عناية الله وأمنيات شعبهم.
أما الجنرال صاحب شعار (المجد للبندقية) والذي لم تحمله فوهة البندقية إلي هذا المهرجان السلمي العالمي فما أظنه وداعميه يرون هذه من الألوان إلا الأسود الحالك، ولا يسمعون من الغناء إلا نواح الثاكلات. وماذا ينتظر من جيش يفرش البساط للقونات ويرفع قادته التمام لمن يحلمون بزوال السودان وشعبه من خارطة العالم؟؟!
وفي الختام ، فإنّ بي رغبة لأهمس في أذن رجلٍ أعرف أنه يحب العمل الجاد ويؤثر الصمت. رجل كتب الله له محبة الملايين من أبناء وبنات أمتنا..كلمة لقائد كتيبة معسكر السلام في هذا المحفل الكبير، الأخ الدكتور عبد الله حمدوك – وأنت تعلم أنني لا أرجو منك جزاءً ولا شكورا. أقول لك ما قاله أمير الشعراء احمد شوقي وهو يوصي المهاتما غاندي حين مرّت سفينته بميناء بور سعيد عام 1931 في طريقه لمحادثات المائدة المستديرة في بكنجهام بالاس بلندن، ليقنع التاج البريطاني باستقلال الهند. قال له شوقي:
مِن المائدةِ الخضراءِ خُذْ حِذْرَكَ يا غاندي
وكُنْ أبْرعَ مَنْ يلعبَ بالشَّطْرنجِْ والنَّرْدِ !!
================================================= ===
فضيلي جمّاع
لندن
25 سبتمبر 2026




لك الف تحية استاذنا فضيلي جماع على مقالك الرائع. ولو جاز لي ان اضيف ان الكيزان ايضا بغبائهم المعهود اوعزوا لدجاجهم الاليكتروني بالسعي للتقليل من استقبال الامم المتحدة ومسئولين نافذين في الادارة الاميريكية لإبن السودان البار الدكتور حمدوك والوفد الكريم المرافق له. من اسماء المولى الكريم “السلام” لكننا لم نعرف السلام ليس منذ ان استولى قتلة المشروع الحضاري على السلطة في عام 1989م بل من لحظة دخول هؤلاء السفلة عالم السياسة في ستينات القرن الماضي. هؤلاء النسا لا يعرفون غير الحروب وخلق الفتن وسفك الدماء ونهب المال العام. لذلك لا شك عندي من ان الحرب سوف تتوقف بإذن الله وسوف يكون مهر الدماء الطاهرة التي سكبها ابناء شعبنا في كل مكان سلام دائم بعد ان يذهب تجار الدين الى مذبلة التاريخ وعودة العسكر الى الثكنات حيث يجب ان يكونوا والثورة باقية وما تزال تعتمل في النفوس ويكفي ما حاول اعلام الضلال اخفاؤه من مسخرة تعرض لها البرهان اللاهث وراء شعبية لن يحققها مهما عمل مثل صنوه السفاح البشير عندما اقتحم الحفل الذي اقامه الشباب في استاد الخرطوم. لا تحرمنا استاذ فضيلي من مقالاتك الرائعة فقد اطلت الغياب هذه المرة ولك ولوطننا وشعبنا اطيب الدعوات.
لذا فإنّ أول ما ينبغي أن تبدأ به دولة المستقبل القريب – وهي بالضرورة دولة مدنية يتساوى فيها كل المواطنين في الحقوق والواجبات – أن تبدأ ببناء جيش وطني، أول مهامه حماية دستور البلاد وشعبها وحراسة حدودها لامجال فيه علي الاطلاق للبلطجيه والصيع والفاشلين والتافهين من مثل مايتصدرون المشاهد كلها الان بداية من قايد الجيش الكذاب الفاشل المفحط الي اصغر جندي .!!!!!!
حفظ الله ابن السودان البار الثائر والمناضل الانسان فضيلى جماع قرانا له دموع القرية ونسال الله أن نقرا له قريباً افراح وزغاريد ديسمبر المجيدة بعد العودة المظرة بأذن الله
حرية سلام وعدالة
الثورة خيار الشعب