مقالات وآراء

الخرطوم التي باءت بشَسْع نعل كُلَيْب… أم البنك؟

حسين إبراهيم علي جادين
مستشار قانوني

لم تعد العبارة التي أطلقها السفير الحارث إدريس، مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، مجرد ردٍّ دبلوماسي غاضب، ولا مجرد تعبير بلاغي أراد به إحراج خصوم السودان في محفل دولي؛ بل غدت، على نحوٍ مفارق، مرآةً تستحق الخرطوم أن تنظر فيها طويلًا، خشية أن ينقلب السحر على الساحر، وأن تعود العبارة من حيث أُطلقت، لا لتصيب الإمارات هذه المرة، وإنما لترتدَّ على الخرطوم نفسها، فما الذي يجعل عاصمةً تمزّقها الحرب، وينهك اقتصادها الانهيار، ويُشرَّد أهلها في الآفاق، تقبل في هذا التوقيت إنشاء فرع مصرفي يُدار بواسطة مواطن من دولةٍ تتهم قطاعات واسعة من السودانيين بدعم الطرف الذي يقاتل الدولة السودانية، وتحمّلها مسؤولية ما أصاب البلاد من قتلٍ وجرحٍ وتشريد، فضلًا عما ارتُكب من انتهاكات جسيمة، بينها جرائم الاغتصاب؟ وهل خلت الدول الآمنة والمستقرة من المصارف والكفاءات المصرفية، حتى تكون الخرطوم، وهي في أضعف حالاتها، هي الوجهة المختارة؟

ليس السؤال اتهامًا مسبقًا للمصرف أو لمديره، ولا حكمًا على النيات بغير دليل؛ فذلك مما لا يستقيم قانونًا ولا عدلًا. ولكنه سؤال مشروع عن التوقيت، وعن معايير الموافقة، وعن مدى اتساق القرار مع مقتضيات الأمن الوطني، والتحقق من مصادر الأموال، والرقابة على الأنشطة المصرفية، وصون الاقتصاد الوطني من أي استغلال محتمل في زمن الحرب. فالمسألة ليست جنسية مدير مصرف فحسب، وإنما الظروف التي أحاطت بإنشاء الفرع، والضمانات التي اتُّخذت للحيلولة دون توظيف النشاط المصرفي في أغراض تتجاوز العمل التجاري المشروع
والأشد إثارةً للتساؤل أن مثل هذه القرارات لا تُقرأ بمعزل عن التناقضات التي باتت تطبع بعض مواقف السودان الخارجية والداخلية؛ إذ يبدو المشهد، في بعض تجلياته، كأن فوق سطح السياسة تيارًا ظاهرًا وتحت السطح تياراً خفياَ يدفع في الاتجاه المعاكس ما يعرف في اللغة الإنجليزية undercurrent ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة أو اتفاق خفي؛ فإثبات مثل هذه الأمور لا يكون بالظنون، وإنما بالوثائق والوقائع. غير أن تضارب الإشارات السياسية والإدارية، إن صحّ، يظل مشكلةً جدية تستوجب التفسير والمساءلة؛ لأن الدول لا تُقاس بما تقوله في المنابر وحدها، وإنما بما تتخذه من قرارات، وبمدى اتساق تلك القرارات مع مصالح شعوبها وأمنها وسيادتها، وهنا تبرز المفارقة التي يستدعيها عنوان المقال: أكون السودان قد أطلق العبارة في اتجاه الخارج، بينما ترك من السياسات والقرارات ما يجعلها ترتد إلى الداخل؟ وهل يُعقل أن تصبح الخرطوم، بفعل تناقضاتها، هي التي تحتاج إلى من يذكّرها بعبارة شَسْع نعل كُلَيْب؟

إن الخشية الحقيقية ليست في العبارة ذاتها، وإنما في أن يتحول الموقف الدبلوماسي القوي إلى مجرد مشهد لغوي، لا تسنده سياسة متماسكة ولا قرارات عملية تحمي المصالح الوطنية. فالدبلوماسية ليست منافسةً في فصاحة الردود، ولا استعراضًا للقدرة على إحراج الخصوم؛ إنها، قبل ذلك وبعده، فنُّ إدارة المصالح، وتقدير المآلات، وتحويل المواقف المعلنة إلى مكاسب حقيقية للدولة.

الحارث إدريس: حين تسبق العبارةُ صاحبَها، وللإنصاف، فإن الحديث عن هذه المفارقة لا ينتقص من المكانة القانونية والدبلوماسية التي يستحقها السفير الحارث إدريس، ولا من تقدير ما أظهره من قدرة على التعبير والاحتجاج في المحافل الدولية، فالحارث إدريس قانونيٌّ متمرّس، يمتلك أدوات الحجة، ويُحسن استحضار الذاكرة الثقافية العربية وتوظيفها في الخطاب الدبلوماسي. وهو من أولئك الذين يدركون أن الكلمة في المحافل الدولية ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما قد تكون أداةً لإثبات موقف، وتسجيل اعتراض، ومخاطبة الرأي العام، واستنهاض الذاكرة التاريخية في خدمة الحجة السياسية، ولعلّ ما يميّزه قانونيًّا هو قدرته على الجمع بين المعرفة القانونية والملكة اللغوية، وبين استحضار السياق التاريخي وصياغة العبارة ذات الأثر. وهذه خصائص لا تجتمع بالضرورة في كل من يمارس العمل الدبلوماسي، حتى وإن امتلك أرفع الألقاب وأطول سنوات الخدمة، ولستُ أجانب الصواب إن قلت إن الحارث إدريس، في تقديري الشخصي، من أبرز من تخرّجوا في كلية القانون بجامعة الخرطوم، بل أراه من ألمع خريجيها في عهدها الذي عُرفت فيه بالصرامة الأكاديمية، واستقلال الفكر، والاعتداد بالتكوين القانوني الرصين؛ ذلك العهد الذي يحنّ إليه كثيرون ممن عرفوا الجامعة قبل أن تتعرض مؤسسات التعليم، شأنها شأن مؤسسات الدولة، لما أصابها من تراجع وتسييس وإضعاف، وهذا الثناء لا يعني عصمةً من الخطأ، ولا يمنح صاحبه حصانةً من النقد. بل إن تقدير القانوني الحقيقي يقتضي أن يُناقَش خطابه وآثاره، وأن تُختبر مواقفه بميزان القانون والمنطق والمصلحة الوطنية. فالإشادة بالكفاءة لا تتعارض مع مساءلة السياسات، كما أن نقد القرار لا يستلزم الانتقاص من قدر من عبّر عنه
لكن المفارقة تبقى قائمة: قد ينجح الدبلوماسي في إحكام عبارته، ثم تأتي سياسات دولته فتضع العبارة نفسها موضع مساءلة. وقد تكون الكلمة في لحظة إطلاقها سهمًا موجَّهًا إلى الخصم، ثم تكشف الأيام أن موضع الإصابة كان أقرب مما ظن مطلقها.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الخرطوم ليس: من الذي باء بشَسْع نعل كُلَيْب؟ وإنما: هل تتسق قراراتنا مع خطابنا؟ وهل نملك سياسةً خارجيةً وداخليةً واضحة المعالم، أم أننا نتحرك بين تيار ظاهر وآخر خفي، حتى باتت أفعالنا تُربك أقوالنا، وتضعف ما نريد إيصاله إلى العالم؟
فالأوطان لا يحميها بريق العبارات وحده، مهما كان قائلها فصيحًا، ولا تُصان سيادتها بمجرد التنديد بخصومها؛ إنما يحميها وضوح الرؤية، واتساق المواقف، وحسن إدارة المصالح، والقدرة على التمييز بين ما تقتضيه كرامة الدولة وما تفرضه حسابات بقائها، وإذا كان شَسْع نعل كُلَيْب قد صار مقياسًا للمهانة في العبارة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول العبارة من سلاحٍ في يد الدبلوماسي إلى مرآةٍ تعكس تناقضات الدولة التي يمثلها، عندئذٍ لا يعود السؤال عن الإمارات وحدها، ولا عن مصرفٍ أو مديره فحسب؛ بل يصبح السؤال عن الخرطوم نفسها: أهي التي أطلقت العبارة، أم أنها، بتقلب سياساتها وتناقض قراراتها، تخشى أن تجد نفسها في الموضع الذي أرادت لغيرها أن يكون فيه؟

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..