مقالات وآراء

السياسي السوداني ونظرية الموارد: الإمام الصادق المهدي استثناءً

د. أحمد عبدالله الشيخ

في مقالات سابقة تناولت فشل المفاوض السوداني في إدارة ملف سد النهضة، وفي هذا المقال أود توضيح كيف أن فشل المفاوض هو عَرَض لمرض أكبر، ألا وهو غياب الرؤية الوطنية الواضحة لدى السياسي لاستغلال مياه النيل باعتبارها أحد أهم موارد السودان.

فالمفاوض غير السياسي، ونعني به الفني أو الخبير لا يستطيع أن يصنع أثناء التفاوض رؤية وطنية مهما بلغت كفاءته، وظيفة المفاوض أن يتفاوض لتحقيق أهداف محددة سلفًا ضمن سياسة أو رؤية تضعها الدولة، لكن المشكلة أن هذه السياسة أو هذه الرؤية غائبة، فالدولة لا تعرف بصورة واضحة، ماذا تريد من النيل على المدى البعيد؟

يتحدث السياسي السوداني كثيرًا عن موارد البلاد. ومن أكثر العبارات تكرارًا في الخطاب السياسي أن “السودان بلد زراعي”، وأن “نهضة السودان يجب أن تقوم على الزراعة”، وأن السودان يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وأن باطن أرضه غني بالبترول والذهب والمعادن الثمينة.

لكن المسافة كبيرة وشاسعة بين الحديث عن المورد وبين امتلاك الرؤية، فالسياسي الذي يقول إن مستقبل السودان في الزراعة يجب أن تكون لديه إجابة عن عدة أسئلة منها: هل هي الزراعة أم التصنيع الزراعي؟ وأين؟ وبأي مياه؟ ولأي أسواق؟ وما المحاصيل التي ينبغي أن يتخصص فيها السودان؟ وما علاقة السياسة الزراعية بسياسة مياه النيل والمياه الجوفية والطاقة والنقل والتجارة؟

إذا لم توجد إجابات عن هذه الأسئلة، تصبح عبارة “السودان بلد زراعي” مجرد شعار يتكرر من جيل سياسي إلى آخر.

وهذا ينطبق بصورة أوضح على مياه النيل. فرغم أن النيل من أهم موارد السودان، ورغم أن الزراعة التي نتحدث عن أنها أساس نهضة البلاد مرتبطة أساسًا بالمياه، لم تتبلور لدى عموم السياسيين السودانيين رؤية طويلة المدى تحدد: ماذا يريد السودان من النيل؟ كيف يتم حماية مصالحه المائية الحالية والمستقبلية؟ وكيف ينظر إلى علاقته بدول المنبع ودولة المصب؟ وكيف يريد أن يكون وضعه في حوض النيل بعد خمسين عامًا؟

وعندما تغيب الرؤية، تغيب البرامج بالضرورة، ولهذا لا أرى التخبط الذي صاحب الموقف السوداني من سد النهضة منفصلًا عن هذه المشكلة.

فمفاوضات سد النهضة لم تصنع غياب الرؤية، وإنما كشفته. فقد انشغل النقاش السوداني كثيرًا بالسؤال: هل السد مفيد للسودان أم مضر؟ وهل نقف مع إثيوبيا أم مع مصر؟ بينما كان ينبغي أن يسبق ذلك سؤال أكثر جوهرية، ما مصلحة السودان في مياه النيل أصلًا وكيف يتم حماية تلكم المصلحة عبر الزمن؟

ومن هنا تأتي مشكلة الاعتماد المفرط على الفنيين. فعندما لا يمتلك السياسي رؤية، يملأ الفني الفراغ. ونسمع كثيرًا: “هذه مسألة فنية، ونأخذ فيها برأي الفنيين” لكن الفني لا يصنع السياسة، الفني لديه المعلومات والأرقام، وهي ضرورية لصناعة أجزاء من السياسة، لكنها وحدها لا تصنع سياسة.

فالسياسة تُبنى من المعلومات، ومن الجغرافيا والتاريخ والجيولوجيا والاقتصاد والجيوبوليتيك وموازين القوى، ومن فهم مصالحنا ومصالح الآخرين. والفني يقدم قطعة مهمة من هذه الصورة، لكنه لا يقدم الصورة كلها.

السياسي ليس مطلوبًا منه أن يكون مهندسًا أو جيولوجيًا أو خبير مياه، لكن يجب أن تكون لديه رؤية واضحة قابلة للتطبيق. يستمع إلى الفني، ويأخذ منه الأرقام والمعلومات والاحتمالات، ثم يضعها داخل رؤيته الأوسع لمصلحة البلاد.

وفي هذا الجانب تحديدًا أرى أن الإمام الراحل الصادق المهدي يمثل استثناءً مهمًا بين السياسيين السودانيين.

وهنا انا لا أتحدث هنا عن الصادق المهدي السياسي، ولا أقيم تجربته في الحكم أو مواقفه السياسية؛ فهذا نقاش آخر. أتحدث تحديدًا عن الصادق المهدي السياسي صاحب رؤية في موضوع مياه النيل.

ويتضح ذلك بصورة جيدة في كتابه العمدة “مياه النيل: الوعد والوعيد”، الصادر عام 2000 عن مركز الاهرام للدراسات.

فالكتاب مهم، في رأيي، ليس بالضرورة لأن كل ما جاء فيه صحيح أو صالح للتطبيق اليوم، وإنما لأنه يكشف عن سياسي حاول أن يبني رؤية متكاملة لمياه النيل معتمدا علي المعلومات الفنية.

اذ انه نظر إلى احتياجات مصر ومخاوفها، وإلى احتياجات السودان الحالية والمستقبلية، وفي الوقت نفسه حاول أن يفهم مطالب إثيوبيا وبقية دول المنبع.

وربط كل ذلك بتاريخ العلاقات السودانية المصرية، والاتفاقيات القديمة، والتحولات التي حدثت في دول حوض النيل، والنمو السكاني، والحاجة إلى التنمية.

وهذه نقطة مهمة، لكي تصنع سياسة تجاه الآخر، يجب أولًا أن تفهم الدوافع أي أن تفهمك لمصلحة إثيوبيا لا يعني تبني الموقف الإثيوبي، كما أن فهم مخاوف مصر لا يعني تبني الموقف المصري.

وتوقف الصادق المهدي كثيرا في الكتاب وفي غيره عند اتفاقية 1959، وطالب بإلغائها لأنها في جوهرها ترتيبًا بين مصر والسودان لتوزيع مياه النيل، بينما تغيرت دول المنبع وازدادت احتياجاتها السكانية والتنموية.

ولذلك رأى ضرورة الوصول إلى ترتيب أشمل يضم كل دول الحوض، بدل أن يبقى النيل محكومًا بالترتيبات القديمة وحدها.

يمكن أن يختلف مع السيد/ الصادق في موقفه من اتفاقية 1959، أو ما يدعو إليه من ترتيبات أو ما يقترحه حول توزيع المياه والأنصبة، لكن المهم هنا هو طريقة النظر إلى المشكلة.

فهو لم ينظر إلى النيل من الخرطوم والقاهرة فقط، وإنما حاول أن ينظر إلى الحوض كله، ومن المنبع إلى المصب وإلى جانبي المجرى على امتداده.

وهنا تظهر الفكرة المركزية للكتاب، وهي موجودة ومقروءة في عنوانه: الوعد والوعيد، فالنيل يمكن أن يكون وعدًا، ويمكن أن يكون وعيدًا.

يصبح وعيدًا عندما تسود الحلول الآحادية، وتنظر كل دولة إلى النهر باعتباره ملكًا لها، أو إلى مكسب الآخرين باعتباره خسارة لها كما تفعل الآن اثيوبيا في موضوع سد النهضة.

ويصبح وعدًا عندما يصبح أساسًا للتعاون والتكامل بين دول الحوض.

فبدل أن يكون السؤال فقط: من يأخذ كم من المياه؟ يمكن توسيع السؤال ليشمل: ماذا يمكن أن تنتج هذه المياه من غذاء وطاقة وتنمية ومصالح مشتركة للجميع؟

وهنا أيضًا تظهر نظرة الصادق المهدي للعلاقة بين السودان ومصر.

فبدل أن تظل العلاقة محصورة في عدد الأمتار المكعبة التي يحصل عليها كل بلد، يمكن أن يكون السؤال: ماذا نستطيع أن نفعل بهذه المياه معًا؟

السودان لديه الأرض وامطار وإمكانات زراعية كبيرة، ومصر لديها سوق كبيرة وخبرات متقدمة في الزراعة مقارنة ببقية دول الحوض. ويمكن أن يقوم بين البلدين تكامل حقيقي في الزراعة والغذاء، بدل اختزال العلاقة كلها في انصبة المياه.

وهذا النوع من التفكير هو ما أعنيه بوجود رؤية للموارد.

فالمورد لا ينبغي أن يُنظر إليه منفردًا. الماء يرتبط بالأرض، والأرض بالزراعة، والزراعة بالسوق، والسوق بالنقل والموانئ، وكل ذلك يرتبط بعلاقات السودان مع محيطه الإقليمي.

ولهذا فإن مشكلة السودان ليست في قلة الموارد، ولا في غياب الكفاءات الفنية، السودان لديه النيل، والأرض، والمياه الجوفية، والمعادن، والموقع الجغرافي، كما لديه متخصصون في كل هذه المجالات.

المشكلة هي افتقار السياسيين إلى رؤية تجمع هذه الموارد وتحدد كيف ينهض السودان مستغلا تلك الموارد.

ومن هنا نعود مرة أخرى إلى سد النهضة.

لم تكن المشكلة فقط في ضعف المفاوض أو تغير أعضاء الوفد أو اضطراب المواقف بين حكومة وأخرى. هذه كلها أعراض لمشكلة أعمق وهي بأي رؤية وطنية كان المفاوض السوداني يتفاوض أصلًا؟

إذا لم تكن لدينا رؤية واضحة لمياه النيل، فمن الطبيعي أن يتحول النقاش إلى فوائد السد وأضراره، وأن يتغير الموقف مع تغير الفنيين والحكومات والظروف السياسية، وأن نجد أنفسنا مرة أقرب إلى الموقف الإثيوبي ومرة أقرب إلى الموقف المصري.

والسؤال الصحيح لم يكن يومًا: هل السودان مع مصر أم مع إثيوبيا؟

السؤال هو: أين مصالح السودان المائية؟

قد تتفق مصلحة السودان مع إثيوبيا في قضية، ومع مصر في قضية أخرى، وقد تختلف معهما معًا في قضية ثالثة. لكن الوصول إلى ذلك يحتاج أولًا إلى أن يعرف السودان ماذا يريد.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة تجربة الصادق المهدي، ليس لأن كل ما كتبه صحيح، ولا لأن كتابه يقدم حلولًا جاهزة لمشكل مياه النيل، وإنما لأنه فعل شيئًا نادرًا في السياسة السودانية بمحاولة أن يبني لنفسه رؤية لمورد مياه النيل قبل أن يحدد موقفه من القضايا المتعلقة به.

ولذلك، بعد أكثر من عقد من التفاوض حول سد النهضة، فشل وفد السودان في حمل اثيوبيا علي التوقيع علي اتفاق قانوني ملزم يحمي مصالح السودان المائية، وهذا موضوع المقال القادم بإذن الله حول أسباب هذا الفشل.

ويظل السؤال متى يكوّن السياسي السوداني رؤية وطنية لموارد السودان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..