مقدمة ديوان: بوريك طبك

بقلم الدكتور محمد نصار
جامعة عين شمس
الحمد الله ولي المتقين والصلاة والسلام على سيد الغر الميامين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
شرفني سيدي عبد الرحيم حاج أحمد البرعي حفيد العارف بالله تعالى صاحب الديوان بكتابة هذه المقدمة بين يدي هذا العمل الرائق، ونحن دونه بيقين فالرجا من القارئ الكريم المسامحة إن قَصُرت كلماتي – وهي فاعلة- عن شأو الشيخ البرعي رضي الله عنه.
ورغم أنني أكتب هذه المقدمة في عجالة من قراءة الديوان فقد استمتعت بالنظر السريع فيه, وكان همي أن أقربه للقارئ, فوجدت جماله حاضراً وشيئاً من سره بدا ظاهراً.
الشيخ رضي الله عنه يكتب لغة سهلة تتقمص مفردات الحياة العادية فتصبح مادة هذه الحياة “الدُنيا” هي مادة شعره الصوفي. وهنا المفارقة، فالمقولة الأساسية عندنا نحن الصوفية هي أن المريد ينبغي أن يطلق الدنيا. والشيخ يدعو إلى مفارقتها كبقية المشايخ ولكن الفرق بينه وبين غيره هو أن شعره يهدف إلى تسريح الدنيا “بإحسان”. فمفردات هذه الدنيا التي ينشغل بها المريد يمكن أن تتطور دلالياً لتصبح مادة للغة الآخرة دون أن يشعر المريد بفارق كبير:
قم بالليل يا راجل
للكلمة بقلباً واجل
هيا وقوماك عاجل
بدِّر لي وردك عاجل
بحزام مكروب يا راجل
جّهز لمسور الآجل
حشاشة وفاس ومناجل
ونظراً لأن تلك في نفسها مفارقة، يبقى الإحساس بالمفارقة هذا عامل جذب للمريد دائم حين يتلقى هذا الشعر وحين ينشده مع إخوانه في الحضرات:
بيني وبينك
ميثاق وعهود
أسهر عينك
النوم خلِّي
أفتح عينك
قل بسم الله المولى يعينك
بطريقهم شمِّر كِرْعِينَك
عبي لك زاد واملا سعينك
حلحل دينك
وامسك حبل الله بيدينك
احذر قاضي الحب لا يدينك
والي التهليل موت على دينك
هنا يذكر الشيخ مريده بما تعاهدا عليه حين أخذ المريد الطريقة، ولكنه ليس خطاب أمر يراعي المسافة بين الشيخ والمريد بل هو خطاب صديق لصديق يرفع الكلفة ويعي أثر مناجاة المريد عن قرب في تعديل سلوكه ورفع همته. نعم الشيخ يحذر مريده، ولكن التحذير هو من “قاضي الحب”. والنتيجة هي انبعاث التغيير من ذات المريد لا بفعل خوفه من عقاب إلهي يأتي في صورة غضبة من شيخه أو ما إلى ذلك، بل لأنه يرى نفسه مخلا بعهد المحبة بينه وبين شيخه.
ثم يأتي أسلوب الأبيات المبتدئة بأفعال الأمر بإيقاع يصطنع آلية وحتمية، محاولاً إدارة تُرس هذا المريد كي يبدأ دولاب سلوكه في العمل.
هذه أشياء مركبة تصنع جمال القصيدة ، فليس الشيخ البرعي رضي الله عنه شاعراً غُفلاً ينظم سلوك الطريقة في أبيات بلا روح، بل هو شاعر مطبوع يستطيع أن يحول مادة الشعر الحياتية إلى مادة سلوك صوفي. ولعل هذا ما يجعل الشاعر البرعي مختلفاً عن غيره من شعراء التصوف:
ازهد حللك وقفاطينك
خالف نفسك وشياطينك
من سجينك
أدرك مأسورك وسجينك
لأولاد الناس سوي عجينك
اضبح بقراتك وهجينك
خلّي غبنيك
واذكر عهدا بيني وبينك
في هذه القصيدة التي تأخذ عنوان “يا راجل” يصبح الشيخ واحداً من الجماعة ويكلم المريد بلغة الصديق مرة أخرى، فليس الشيخ متعالياً على الجماعة كي يبقى له الهيبة في نفوسهم فيمتثلوا أمره، بل هو يدخل إليهم من “أنفسهم”، ومع أن الشيخ هو أعلى الجماعة فإنه يدرك أن تغيير المريد ورفع همته لا يأتي بطريق واحدة، بل الطرق بعدد أنفاس الخلائق، فيأتيه بصوت الصديق والقرين فتركن النفس إلى قول الصديق، رغم عتوها وأمرها بالسوء.
والشيخ في قصائد أخرى يجعل نفسه صوت الجماعة، التي هي الطريقة، وكل من قد تجتذبه الطريقة، فالعامل الدعوي مهم في توجيه الملكة الشعرية للشيخ، والدعوة هنا ذات مذاق جِدُّ رائق. وبمعنى آخر يجعل الشيخ نفسه مريداً فينشد أبياته في التطلع إلى الخلاص من أسر الدنيا وحبائل الشيطان:
أيضا جيوش الهم
اتقاطعني
بشكرك النعم
يوت متعني
إن شاء الله من
طاعتك لا يقطعني
لفؤادي هني
بخلاصي من
أحوالاً واجهني
بحق نبيك
أكرمني ولا تهني
دايما هواتف الحال
لك وجهني
هنا يتحد صوت الشيخ وصوت المريد فيصير الشيخ لسان حال المريد، فإذا كان العهد “بين وبين”، فهنا يرتفع البين من البين وتتوحد الجماعة في رحلة السلوك إلى العزيز الحكيم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
فلا جرم كان الشيخ ضمير الشعب السوداني الذي كاد التصوف يكون له فطرة, وما كان الناس يفردون التصوف عن الإسلام في شيء, بل صورة الإسلام لا تكتمل في أذهانهم إلا بالتصوف وبرجاله وكلامهم الشافي.
ومن هنا صار للشيخ البرعي هذه المكانة السامقة شيخاً صوفياً مربياً وبلسماً لآلام الناس الحياتية وشاعراً ينبض شعره بأشواقهم الروحية.
دكتور/ محمد عبد القادر نصار
كلية الألسن, جامعة عين شمس
15 ذو القعدة 1427هـ
6 ديسمبر 2006م



