غبار الذهب (قصة قصيره)

محمد صالح محمد
لم تكن الصحراء يوماً مكاناً صالحاً للحياة، لكنها كانت الخيار الوحيد لمن رفضوا الموت جوعاً.
في عمق رمال شمال السودان، حيث تتوه الخطى وتشتعل الأرض تحت هجير الشمس، كان “حامد” يحفر بحثاً عن وميض ذهب يشتري به دواء ابنته ورغيف خبز لأخوته. لم يكن طامعاً في ثراء أو كنز، بل كان يريد فقط أن يشتري حق عائلته في البقاء.
كان حامد يتأمل كفيه المتورمتين، وينظر أحياناً إلى الأفق الممتد حيث تندمج السماء المشتعلة بالتراب. سأل زميله العجوز بصوت يكسره التعب:
“يا عم إدريس… هل نُحاسب لأننا نحيا؟ هل أصبحنا نرتكب إثماً لمجرد أننا نتنفس؟”
لم يكد العجوز يرد، حتى انقض الصمت المفاجئ. صوت رعد غريب لم يحمل معه قطرة مطر واحدة، بل حمل الموت السريع من كبد السماء. وميض أعمى، وانفجارات هزت قاع الصحراء، وتحولت أحجار المنجم وغبار الذهب إلى حمم وأشلاء.
في تلك اللحظة العابرة، وتحت رمال الصحراء التي امتزجت بالدماء، لم تكن الهتافات تعني شيئاً. تلاشت الأحلام البسيطة في حفرة مظلمة، وانطفأت أرواح عشرات المعدنيين الذين لم يتركوا خلفهم سوى أسماء تتسابق النشرات في إحصائها ثم تنساها.
في بيتهم الصغير البعيد، كانت الابنة تنتظر عودة أبيها المحمل بقليل من الدقيق والدواء، بينما كان السؤال المعلق على شفاة الوطن الحزين يتردد بلا جواب:
هل أصبح البقاء على قيد الحياة تهمةً لا ينجو منها الفقراء؟



