مقالات وآراء

“عليك البركة ما تقتلني”: القصة الشهادة

مجدى عابدون الشيخ

في أكتوبر 2026 صدرت على منصة أمازون كيندل المجموعة القصصية «عليك البركة ما تقتلني» للكاتب السوداني د. عوض النقر بابكر محمد. تضم المجموعة ثلاث عشرة قصة كُتبت كلها في ظل الحرب التي اندلعت في الخرطوم في أبريل 2023. وصدرت معها ترجمتها الإنجليزية بعنوان Bless You, Don’t Kill Me: Voices from a Wounded Sudan، فصار الكتاب يخاطب قارئين في آن واحد: قارئاً سودانياً وعربياً يعرف الجرح، وقارئاً غربياً لا يكاد يعرف عنه شيئاً.
وهذا الصدور ليس تفصيلاً هامشياً. فالحرب السودانية، التي شرّدت نحو ثلاثة عشر مليون إنسان وقتلت عشرات الآلاف، تُوصف في الصحافة الدولية ب«الحرب المنسية». وحين تغيب الكاميرات يصبح الأدب واحداً من آخر الأمكنة التي يُحفظ فيها ما جرى للناس، لا كأرقام، بل كأسماء ووجوه وبيوت.
ولا يكتب عوض النقر من خنادق القتال، بل من الرياض حيث يقيم. وهذا البعد يمنح نصوصه نبرة خاصة: نبرة من يرى بلده يحترق من بعيد، فيستعين بالذاكرة والخيال وشهادات النازحين ليعيد بناء ما لم تره عيناه. وهي مجموعته الثانية بعد «قبل الفجر بقليل»، التي صدرت هي الأخرى بالعربية والإنجليزية.
يبدأ الكتاب من عنوانه. ف«عليك البركة» عبارة يعرفها كل سوداني: يقولها الصغير للكبير إذا استرحمه، ويقولها الناس في السوق حين يريدون: أنت وأنا واحد، وأنت خير مني. هي عبارة حنان لا عبارة خوف، من معجم الجدّات ومجالس الأحياء.
وفي القصة التي تحمل المجموعة اسمها، يقولها فتى في الخامسة عشرة اسمه مجتبى، خرج ليشتري السكر لأمه، لمسلّح ذي سنّ ذهبية يوشك أن يقتله. يقولها كما تعلّم أن يخاطب الكبار. وهنا تقع المفارقة التي تلخّص الكتاب كله: اللغة التي بناها المجتمع السوداني للرحمة والاحترام تقف عارية أمام البندقية. ويضحك المسلّح ضحكة قصيرة ثم يطلق النار.
لكن الكاتب لا يترك العبارة تموت. فهي تعود في آخر القصة على لسان القاتل نفسه، حين يجثو أمام أمّ الفتى. والأم لا تقتله، بل تسقيه ماءً وتقول: «قم، اذهب، الله يخلّيك». وبهذا يتحول العنوان من صرخة استغاثة إلى سؤال أخلاقي مفتوح: ماذا يبقى من الإنسان حين تُهزم اللغة التي بها يسترحم غيره؟
أول ما يلفت في المجموعة اتساع زاوية النظر. فالحرب لا تُروى هنا من عين واحدة، بل من عيون كثيرة متعارضة. أسرة تنزح من الكلاكلة شمالاً على ظهر شاحنة، فيتقاطع طريقها مع ذاكرة مذبحة المتمة عام 1897، حين ألقت النساء بأنفسهن في الآبار. وفتاة تختبئ في خزان مياه في الحاج يوسف، ثم يُسرق هاتفها في اللحظة التي ترسل فيها موقعها لأخيه. وعروس تُقتحم ليلة زفافها في بيت أهلها، ويبقى خيط الحريرة على معصمها حتى يعود العريس على كرسي متحرك فيقطعه بأسنانه.
ولا يكتفي الكاتب بالضحايا. فهناك الشاب الذي يبيع الإنترنت للمسلحين، ثم يبيعهم مواقع جيرانه بدبوس أحمر على الخريطة، ويظل يقسم ثمن الدم على عدد القتلى فلا تنتهي القسمة. وهناك المسلّح الصغير القادم من مخيمات العطش، الذي يختار أن يسقي عجوزاً بدل أن يتبع قائده إلى النهر. وهناك المثقف الثوري الذي يتحدث في فنادق نيروبي عن «المسافة الواحدة من الطرفين»، بينما تعيش أخته ما لن تقوله أبداً، ويموت أبوه مدرّس التاريخ تحت سبّورة كتب عليها كلمة «ديمقراطية».
وتمتد العدسة إلى الخارج أيضاً. ففي واحدة من أذكى قصص المجموعة تُرسَل صحفية غربية إلى منتدى سلام في كيغالي بدل الفاشر. هناك يصبّ لها القهوة لاجئ من الجنينة، وترفض مؤسستها شهادته لأنها «لا تستحق النشر»، ثم تبثّ طوال يوم كامل محاولة إنقاذ حوت جانح. وفي قصة أخرى يروي كلب الحوش حكاية «ود البحر» صاحب الضراء المفتوحة، الذي سلّح حرّاسه بيده فانقلبوا عليه، ووقف أخوه على سطحه يتفرّج. وهي أمثولة شفافة عن السودان وجيرانه، لا تحتاج إلى شرح.
أما الأسلوب فهو نقيض الصراخ. جمل قصيرة، وتفاصيل حسية دقيقة، ومساحات من الصمت تترك للقارئ أن يكمل المشهد. لا يصف الكاتب المذبحة، بل يصف الأحذية المصفوفة عند باب مسجد خال؍. ولا يصف الموت، بل جركاناً أصفر يطفو ويدور بعد أن ابتلع التمساح صاحبه. وهذا الاقتصاد هو ما يجعل الألم أشدّ أثراً.
وتتنوع الأشكال تنوعاً لافتاً. فهناك السرد الواقعي المباشر، وهناك قصة تُبنى من إشعارات تطبيق «بنكك» ورسائل واتساب ومحضر استجواب، وهناك قصة يرويها فتى ميت «أخفّ من الغبار» يجلس على كتف قاتله. وفي بعض القصص يتناوب صوتان على الرواية، فنرى الحدث من ضفتيه معاً.
والأهم هو الحوار مع التراث. جدة تحكي لحفيدها قصة «علي بابا» في مخزن تحت القصف، ليس لتسليه بل كي لا يموت، كما فعلت شهرزاد. وملازم جشع يتبع حبات النهب بلدةً بعد بلدة حتى ينسى كلمة الخروج كما نسيها قاسم. وعرائس النيل اللواتي تحكي عنهن جدّات الشمال ينادين الغازين إلى الماء. وهكذا تصبح الحكاية الشعبية أداة لفهم الحرب، لا زينة فوقها.
وإن كان من ملاحظة نقدية، فهي أن بعض القصص تميل إلى إغلاق رمزي محكم، كأن الكاتب يخشى أن يترك قارئه بلا عزاء. وفي المقابل تبلغ قصة العروس حدّاً من المباشرة في وصف الاغتصاب قد يصعب على بعض القراء احتماله. لكنه اختيار مفهوم، لأن ما جرى لنساء السودان في هذه الحرب لا يحتمل التلطيف.
تكمن أهمية المجموعة في أنها تجيب عن سؤال يواجه كل أدب يكتب عن الحرب وهي ما تزال مشتعلة: كيف تكون شاهداً دون أن تصير منشوراً سياسياً؟ وجواب عوض النقر أن ينحاز للناس لا للمعسكرات. فهو يسمّي الجرائم بأسمائها، لكنه يلتفت أيضاً إلى المخبر والناهب والسياسي المرتاح والجار الذي أغلق بابه. ويرى في المسلّح الحافي القدمين صبياً أضاعته الحرب قبل أن يضيّع غيره.
وهي بهذا تنضم إلى مكتبة ما زالت تتشكل، هي مكتبة أدب حرب 2023. وتضيف إليها شيئاً نادراً: القدرة على العبور إلى قارئ لا يعرف أين تقع المتمة ولا ما العنقريب، بفضل ترجمتها الإنجليزية ومسرد المصطلحات السودانية الملحق بها. وفي زمن يبثّ فيه العالم أخبار السودان في أربع ثوانٍ على شريط الأخبار، يصبح هذا العبور ضرباً من المقاومة.
«عليك البركة ما تقتلني» كتاب يُقرأ في أمسية واحدة، لكنه يبقى مع قارئه طويلاً. يبقى معه كوب الماء الذي مدّته أم مجتبى لقاتل ابنها، والطائرة الورقية التي طارت أخيراً، والطفلة التي رسمت لنفسها فماً باللون الأصفر بعد عامين من الصمت. وهذه هي وظيفة الأدب حين تعجز السياسة: أن يحفظ الإنسان من أن يصير رقماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..