مقالات وآراء

السودان: أرض السلام والإسلام وجنة الأرض

حسن عبد الرضي الشيخ

في قلب القارة السمراء، حيث يلتقي النيلان، ويهتف التاريخ بأصداء النبوات والحضارات، يقف السودان شاهدًا على رحلة الإنسان نحو الله، وسعيه الدائم إلى الجمال، والخير، والحق. ليس السودان مجرد بلد، بل هو وعدٌ إلهي مكتوب في سطور الطبيعة وفطرة الناس، وموعود في مجرى التاريخ الإنساني بأسره.
هو البلد الذي أودع الله فيه من المقومات ما يجعله “مركز دائرة الوجود”، كما قال الأستاذ العارف بالله الشهيد محمود محمد طه.منذ فجر الإنسانية، والسودان موئل حضارات الإنسان الأولى.
ففيه، وعلى ضفاف نيله، قامت ممالك عظيمة — كـ”كرمة” و”نبتة” و”مروي” — سطّرت بداية التاريخ، وعبدت أولى الخطى في مسيرة الحضارة البشرية. لكن الأعظم من الحضارة هو الإنسان، وقد عُرف السوداني ـ في جوهره ـ بأنه طيب، صبور، مسالم، ميّال للعدل، محبّ للجمال والكرم، منقاد بفطرته نحو الخير، وإن كبّله الاستعمار والاستبداد.
ولذلك، فإن السودان ليس “بلدًا” فحسب، بل هو بيئة قابلة لإنبات السلام، واحتضان الإسلام في صورته الحقّة، أي إسلام الفكرة، لا إسلام الفقه الجاف أو الشريعة المنغلقة.
إن الإسلام في أصوله يدعو إلى الحرية، والجمال، والمساواة، وهو لا يتحقق إلا في بيئة تسمو على الخوف والجوع، وتنهض على العلم والمعرفة. وهذه البيئة، كما بشّر بها، هي السودان.
الفكرة الجمهورية: طريق الإنسان إلى الله إنّ الفكرة الجمهورية، التي بشّر بها الأستاذ محمود محمد طه منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى استشهاده في ١٨ يناير ١٩٨٥، قدّمت قراءة متجددة للإسلام، رؤية فيها خلاص السودان وخلاص البشرية.
إنها دعوة للسلام لا تقوم على السيف بل على الكلمة، دعوة إلى الجمال لا القبح، إلى المحبة لا الكراهية.
كتب الأستاذ محمود عن: خَلْقُ الجَّمَالِ نَحْنُ نُبَشِّرُ بِعَالَمٍ جَدِيدٍ، ونَدْعُو إلى سَبِيلِ تَحْقيقِهِ، ونَزْعَُمُ أنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ السَّبِيلَ مَعْرِفَةً عَمَلِيَّةً.. أمَّا ذَلِكَ العَالَمُ الجَّدِيدُ، فَهوَ عَالَمٌ يَسْكُنُهُ رِجَالٌ ونِسَاءٌ أحْرَارٌ، قَدْ بَرِئَتْ صُدُورُهُم مِن الغِلِّ والحِقْدِ، وسَلِمَتْ عُقُولُهُم مِن السَّخَفِ والخُرَافَاتِ.. فَهُمْ فى جَمِيعِ أقْطَارِ هَذَا الكَوْكَبِ مُتَآخُونَ، مُتَسَالِمُونَ، مُتَحَابُّونَ.. قَدْ وَظَّفُوا أنْفُسَهُم لِخَلْقِ الجَّمَالِ فى أنْفُسِهِم، وفى مَا حَوْلِهِمْ مِن الأشْيَاء.. فَأصْبَحُوا بِذَلِكَ سَادَةَ هَذَا الكَوْكَبِ.. تَسْمُو بِهِمُ الَحيَاةُ فِيهِ سَمْتاً فَوْقَ سَمْتٍ، حَتَّى تُصْبِحَ وكَأنَّهَا الرَّوْضَةُ المُونِقَةُ.. تَتَفَتَّحُ كُلَّ يَوْمٍ عَنْ جَدِيدٍ مِن الزَّهرِ، وجَدِيدٍ مِن الثَّمَرِ.
الأستاذ محمود محمد طه الجمعة ١٠ جمادى الأولى ١٣٧٣هـ١٥ يناير ١٩٥٤مجريدة الجمهورية – العدد الأول خلق الجمال في الإنسان هو غاية الدين، والله جميل يحب الجمال، ومتى ما أُحسن تربية الإنسان، صار طريقه إلى الله مفروشًا بالجمال، والعقل، والمحبة.
وهذا الجمال لا يعني الشكل فقط، بل هو جمال السلوك، والنية، والفكر، والتعامل. والسوداني بطبعه ـ حين يُترك لفطرته ـ يميل إلى الجمال في كل شيء، حتى في حديثه ومجاملاته وكرمه وسماحته. ومن هنا، كانت الفكرة الجمهورية امتدادًا طبيعيًا لما هو مركوز في الإنسان السوداني، لا غريبًا عنه.

السودان مركز دائرة الوجود
يقول الأستاذ محمود محمد طه قولًا عجيبًا، يكاد أن يختصر به الرسالة كلها:
“السودان هو مركز دائرة الوجود.”: «أنا زعيم بأن الإسلام هو قبلة العالم منذ اليوم.. وأن القرآن هو قانونه.. وأن السودان، إذ يقدم ذلك القانون في صورته العملية، المحققة للتوفيق بين حاجة الجماعة إلى الأمن، وحاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب.. ولا يهولن أحداً هذا القول، لكون السودان جاهلاً، خاملاً، صغيراً، فإن عناية الله قد حفظت على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض، بأسباب السماء..
محمود محمـد طـه جريدة الشعب٢٧ يناير ١٩٥١م.

ليست هذه عبارة بلاغية أو وطنية عاطفية، بل إشارة روحية عميقة إلى موقع السودان في الخريطة الكونية، لا الجغرافية وحدها. هو البلد الذي تنبثق منه أنوار الفكرة، وتشتعل فيه جذوة الخلاص الإنساني من جحيم العنف والاستغلال باسم الدين. السودان، بهذا الفهم، هو أرض الجنة الممكنة في الأرض، إذا سلكنا طريق “الحرية الفردية المطلقة”، وهو الطريق الذي نادى به الأستا. إنه ريق الإطلاق حيث لا حيث، وعند لا عند.

خاتمة: السودان رسالة قبل أن يكون دولة
السودان، إن أُعيد بناءه على الفكرة الصحيحة، وعلى قيم السلام والعدل والجمال، يمكن أن يكون النموذج الذي تهتدي به الأمم في زمن الخوف والتفكك والانقسام. ليست المصادفة وحدها هي التي جعلت الشهيد محمود محمد طه ينبثق من ترابه، وينشر فيه تعاليمه، بل هي الحكمة الربانية، التي اختارت أن يكون “البدء من هنا”.
فلنعد إلى السودان الذي يشبهنا، إلى السودان الحلم، السودان الجمال، السودان الإنسان.
إنّ طريق الإنسان إلى الله يبدأ من حيث هو، وليس من حيث يجب أن يكون… فلنبدأ من السودان، لنبلغ الإنسان الكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..