تصنيف الحركة الإسلامية في السودان منظمة إرهابية حين تتقاطع مصلحة أمريكا مع مصلحة السودان

القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بتصنيف تنظيم الإخوان المسلمين – فرع السودان – منظمة إرهابية، والذي أصبح ساريا اعتبارا من 16 مارس، يعد أول خطوة صحيحة تتخذها أمريكا بشأن الإسلاميين في السودان منذ أن وصلوا إلى السلطة قبل ثلاثة عقود ونصف.
وقد استقبل أغلب السودانيين القرار بارتياح عميق ،فالالم الذي خلفه التنظيم في نفوسهم يجعلهم بفرحون بكل عمل يتخذ ضدهم و ايا كانت الجهة، كما رحبت به بعض الدول المتضررة، في حين التزمت دول أخرى الصمت؛ إما لدعمها لهم أو لاستفادتها من وجودهم في السودان.
وحرصا على عدم فتح الباب أمام أي تأويلات، أوضح القرار أن المقصود بعبارة «الإخوان المسلمون – فرع السودان» هو تنظيم الحركة الإسلامية (المعروف بالكِيزان).
لم تكن ردة فعل الشعب السوداني تلك نابعة من أمل مطلق في أن القرار سيُخلصهم فورا من الإسلاميين وإرهابهم، بقدر ما هو يشكل لهم فرصة مهمة يمكن أن تقود إلى ذلك.
فالتصنيف سيغلق أمام نظامهم أهم الشرايين التي ظلت تغذيه وتمده بأسباب البقاء والقوة، كما سيمنع كثيرا من الدول من التعاون معه.
والأهم من ذلك كله أن القرار دق إسفينا بين أمريكا والنظام، وسيضع حدا للعلاقة المعقدة والمشوّهة التي بُنيت بينهما وأضرت بالسودان خلال العقود الثلاثة الماضية.
تعلم أمريكا علم اليقين أن تنظيم الإخوان المسلمين – فرع السودان – هو الأسوأ على الإطلاق، ولذلك أصدرت ضد نظامه عددا من القرارات والإجراءات العقابية؛ فوضعته في قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد عامين من وصوله إلى السلطة، ثم فرضت عليه عقوبات اقتصادية، وأدرجته في عدة قوائم سوداء، وصنفته ضمن تصنيفات إجرامية متعددة.
إلا أن ذلك لم يؤثر عليه بالشكل المطلوب، لأن أمريكا نفسها ظلت تتفاوض معه ، ويبدو أنها لم تكن جادة بالقدر الكافي، إذ اكتشفت أن التفاوض يحقق لها مآرب أخرى أعظم، فأهملت القضايا الأساسية ذات الصلة بالشعب السوداني مثل حقوق الإنسان والسلام ، خاصة بعدما وجدت امريكا ان النظام مستعدا لتقديم أي تنازل يرضيها، مهما كان، دون أن يكلفها ذلك سوى التماهي معه.
وخلال ذلك نشأت علاقة معقدة بينهما ساعدت في تثبيت النظام وإطالة عمره، ومنحته الفرصة للتطوير نفسه في الإرهاب، وتوسيع دائرته، وخلق علاقات مع دول منتفعة ومجموعات إرهابية متعددة، بينما ظل الشعب السوداني وحده يدفع الثمن، إلى أن جاءت هذه اللحظة.
ما أود قوله هو أن أمريكا لم تهتم بخطر تنظيم الإسلاميين في السودان لأنه كان بعيدا عنها، ولذلك لم تصنفهم منظمة إرهابية إلا بعد أن وصلها الخبر اليقين.
وقد أدى صمتها الطويل إلى تمدد إرهابهم، حتى مسّ مصالحها ومصالح دول أخرى صديقة وحليفة لها في المنطقة بشكل مباشر.
واليوم وجدت نفسها مضطرة لاتخاذ هذا القرار، وبالرغم من أنها بررته بما قام به جيش التنظيم وميليشياته من انتهاكات فظيعة خلال الحرب الحالية في السودان و تقويض جهود وقفها وتحقيق السلام، إلا أن الحقيقة تشير إلى أنها اتخذته من أجل مصلحتها بالدرجة الأولى، لكنه صادف في الوقت نفسه مصلحة السودان.
وفي الواقع، ولأول مرة في عهد الإسلاميين، تلتقي مصلحة أمريكا مع مصلحة السودان بشكل واضح، ما يعني أن القرار لم يصدر من أجل سواد عيون السودانيين.
ورغم أن هذا التصنيف لا يعني النهاية الفورية للإسلاميين، بسبب تعقيدات المشهد السوداني الداخلي والخارجي، لكنه سيساعد على اقتلاعهم من جذورهم ورفعهم عن صدر السودان الذي جثموا عليه لثلاثة عقود ونصف، كما سيسهم في وقف التدخل السافر من بعض الدول التي تستغلهم مقابل دعمهم للبقاء في السلطة.
لذلك، فإن المطلوب من أغلبية الشعب السوداني، التي تدرك وتفهم الموقف جيدا، أن تتوحد وتتحرك نحو تخليص السودان من هذا التنظيم، من خلال الاستفادة من القرار إلى أقصى درجة.
وفي الحقيقة، يعد هذا القرار ضربة قوية للكيزان، وقد نزل عليهم كالصاعقة، إذ ستترتب عليه تبعات مالية كبيرة تؤثر في تحركاتهم واستغلالهم للناس.
أما الدول الداعمة لهم والمستفيدة منهم، فلن تساوم بمصالحها من أجلهم، ولن يكون بمقدورها سوى التعامل مع القرار إلا كما تريد امريكا.



